Aljabha.org - قصيدة وشاعر

قصيدة وشاعر

د. فاروق مواسي
الأثنين 28/3/2005

فاتحة القول

هذه قصائد أحببتها، فكتبت عنها... فيها تنويع في الأداء والمضمون، وفيها تلوين يعكس حركة شعرنا الفلسطيني في الجليل والمثلث.
غير أني لا أنكر هناك شعرًا آخر يستحق أن يكون في هذه الإضمامة، ولاني لا أتكلف النقد، بل أكتب ما يحوم في الوارد وأعايشه في الخاطر، أنساق مع المحفز فأكون سادنًا في محراب الكلمة، آنس بها وأنا أغازلها- مدركًا أن هناك حسانًا أُخر_.
إن لكل قصيدة مفتاحها، فهل نجحت في الولوج إلى البوابات السحرية؟!
 وهل أستطيع أن أقدم على مائدة المتلقي بعض ما يجلو له الغموض؟
هل أكتب عن زملائي الشعراء بعين الناقد أم برؤية الشاعر؟
 كل هذي_وعلى غرارها_أسئلة تجيبون عليها أنتم!
وقبل ذلك، لا بد من التأكيد على أني "نظمت" قصائد الشعراء في السلك من غير اعتبار لأهمية التقديم والتأخير، ومن غير غمط للأجيال الأدبية أو إغفال لأساليب الصياغة المتباينة...فالشعر شعر، وأنى ألقيت الجوهرة تظل تشع...
 فيا عزيزي القارئ: هاك ذوقي في الاختبار أولا،
وذوقي في القراءة ثانيا،
ولن استغرب إن راق لأحد ما اخترت ولم يرق له ما نقدت أو خلاف ذلك تمامًا..ولله في أدبائه شؤون.
ولعل سائلاً يسأل: لماذا تنقد النص الواحد دون العمل أو الأعمال جميعها؟
وعند أجابته يحضرني قول عمر الخيام:
إن تفضل القطرة من بحرها
 ففي مداه منتهى أمرها
فهذا النص يحاورني وأحاوره، يستعصي علي أحيانًا فأراوغه، حتى استشف منه خواطر وخلجات نابضة، وفي نيتي أن أواصل المسيرة لألتقط ما يحلو لي، أذوق منه أولاً لأطعم من يحب ،  فإن طَعِم أسعدني، وألا فما أحراني أن أبحث عن طريقة أخرى أجوّد فيها الثمر...
وإلى لقاء في كتاب آخر.


القصيدة:
أميرة الصباح
فهد أبو خضرة

1. معشوقةٌ على المدى
    أميرة الصباحْ
    هامت بها العيون والقلوبْ
   
2. كم من أبيّ فاضلٍ سَما لَها
     ومن غبيّ جاهل
     قد اشتهى وصالها
     كم من أمير دونها
      رَوّى صَدى الحراب
      ومن غَريرٍ باسمِها استهان بالصعابْ

3. لكنّها
    لم تُعط يومًا قلبها لوافِدٍ
    ولم تَبُحْ بسرّها الدفينْ
   
4. ولم يَزَلْ أميرها في غربة البِحار
    يَخترق الرّدى
    يرسُمُ  للصباح ألف موعدٍ
    وينتشي بالحلمِ الكبير:

5. حين يعود في غدٍ
    سيُطلق الطيور في حدائقِ النّدى
     يُعانق الزهور
   يقيم للربيع كل ليلةٍ في الأفقِ مِهْرَجان.

6. أواهُ كم تُؤلمه الجِراح
    واختلطت دماؤُهُ بالشفق الحزينْ
    وشرَدَتْ عيناه:
    "لكن هذا الليلَ لن يطولْ،
    عَلَيّ أن أنتظر الصباحْ".

7. حين يعود لن تظلّ في المدى جراحْ

8.وبغتةً
   ينطلق النّداءْ
   من كل صوبٍ حَوْلهُ ينطلق النداء:
   أميرنا
   أميرَنا الحبيبْ
   اُنظر هناك في المدى
   هناك في ذاك المدى الرحيبْ،
   هذا السّنا يُغردُ
   وهذه أميرة الصّباحْ
   تفتح من بعيد
   ذراعها
   لِتَحْضن الصّباح

9. وكاد أن يفتَحَ للبِحار
    ذراعَهُ
    وكاد أن يَغيب
    في نشوةِ العناقِ من بعيد،

10. لكنّهُ سَرْعانَ ما استعادْ
    صَفاءَهُ
    وصاحَ من بعيدْ
    غدًا غدًا سنلتقي
    ويولَدُ الصّباحْ
    على يدينا يولدُ الصباح
    ويكبرُ النهارْ

11. ولم تزل معشوقةً
      أميرة الصباحْ،
      لكنها منذ التقت أميرَها
      عَزّت على القلوبِ والعيونْ.
xxx                                           

كتبت في (20/11/1989)
ونشرت في ديوان النسور. إصدار رابطة الكتاب الفلسطينيين، الناصرة- 1991، ص53 – 56.


---------------
ترقيم التقسيم ليس في أصل القصيدة، وقد أثبته هنا للاستعانة في التحليل. (ف.م)

 

قراءة في القصيدة

إن هذه القصيدة/ القصة ألقاها الراوي مستعينًا بألفاظ تدعم السياق الحكائي: لكنها، لكنه، وبغتة، سرعان... وكذلك بحركة الأفعال المتراوحة بين الماضي والحاضر والمستقبل. بدأ بالماضي، ثم لجأ إلى الحاضر ( المقطوعة الرابعة) فالمستقبل (الخامسة)... وهذا التراوح الزمني له مؤدى المستقبل، حتى لو وردت الأفعال ماضيةً شكلاً، فقوله: "وشردت عيناه" (السادسة) لا يدل على حدث تمّ، وإنما هو فعل متوقع، وكذلك الحال في استعمالَيْ "كاد.." (التاسعة).
 وهذا التناغم الزمني في أداء قصة أو أسطورة- حُبكتها ميسورة التناول- يرفده تناغم صوتي قد يكون مبرّرًا لإضفاء الشاعرية عليها، فحرف الميم في المقطوعة الأولى مُفتتح لقصة فيها غموض، يساعد في التـفاعل وإياه مخرج الميم بكل ما فيه من انغلاق للشفتين وانفراجهما.
ولا بد أن تسأل بعد ذلك: من هي؟ لماذا هامت بها العيون؟ ومن رامها؟
ويستمر حرف الميم موقّعًا، مضافًا إليه التشديد، وحرف الراء المتواتر، والقافية الداخلية في المقطوعة الثانية، فتؤدي كلها تنويعًا موسيقيًا جذابًا لاستباق المعلومات. وهذه القافية الداخلية تتبدّى هنا وهناك في ثنايا القصيدة، كما تتردد أسماء الإشارة: هناك، هذا، هذه (الثامنة)، ومثلها تكرار البداية " وكاد.." (الناسعة)، واستعمالات "المدى" عبر القصيدة.. وكل ذلك من شأنه أن يدخلنا إلى جو غنائي- إلى قصيدة تتجلى فيها معالم الرومانسية بشيء من الخيال المنجذب نحو الرمز(1).
وهذه الموسيقية تعود أصلاً إلى توازن في العقل يُحدثه الجهد التلقائي، فيأخذ بزمام الانفعال الحاد، ويلطف من حدتّه، والشعر- كما لا يخفى على الشعراء- أوله هزّة، ومن ثم يأتي بعدها التحكم الواعي للإرادة، فيسيّرها في مسار اللذة العقلية، وذلك في البحث عن المعادل. وقد انتبه (كوليردج) إلى قدرة (ووردزورث) على الخلق- خلق الجو والنغم والعالم المثالي، فلم يغمط شاعريته رغم تحفظه من منهجه. وإذا كان (ووردزورث) لا يرى فرقًا بين لغة الشعر ولغة النثر غير الوزن، فإن ضمّ العناصر، والترابط المنسجم، والسيطرة على انتباهات القارئ، تجعله يبحث عن الحل النهائي عبر رحلة القصيدة ذاتها.
وموسيقا الشعر عند فهد هي التي أوصلته إلى الرؤية الشعرية، ذلك لأن البناء الشعري في القصيدة بناء له علاقات متواشجة، تضفرها علاقة إيقاع- كما هي علاقة معنى- (مع أنه ليست هناك ضرورة في كل قصيدة لتوحد العناصر البنائية كلها).
لنعد إلى قصة القصيدة:
هي أميرة تمنّاها الجميع (لم نعرف السبب: هل هو جمالها أو لأنها أميرة بالذات). وكانت هي ترفضهم على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم. وسرعان ما نتعرف على سرّها، وهو أن لها أميرًا في غربة البحار ينتظر الصباح، ويحمل حلمًا في رحلته. هو جريح، مشرد، ومع ذلك ينتظر الصباح كما تنتظره هي. ثم ما يلبث الأمير أن يسمع أصواتًا تؤكد له قرب طلوع الصباح، وأن الأميرة تفتح ذراعيها لاحتضان هذا المُنْتَظر. واشتدت لهفة الأمير للّقاء، ثم تدارك نفسه، وأشار إلى أن الصباح آتٍ، وسيكبر النهار. والآن- وبعد هذا اللقاء- بقي الجميع يعشقونها، ولكنها غَدَت صعبة، لا تطالها القلوب والعيون.
(اُنظُر المقطوعة الأولى حيث سبقت هناك لفظة "العيون" لأن العيون كانت فاتحة للحب، بينما تأخرت اللفظة في نهاية القصيدة لعدم احتمال هذا الواقع الجديد).
من هي هذه الأميرة؟ ومن هو هذا الأمير؟ هل هي أسطورة تتحدث عن (يولسيز) الفلسطيني و (بنلوب) المنتظرة التي طمع بها العشاق، مع اختلاف في عرض الأسطورة ونتيجتها؟
هل هي أميرة (أي حلم) تنتظر الأمير (الوصول)؟
ومهما يكن من تساؤل فإن الجو هنا هو أسطوري بدليل المفردات الموحية: أميرة، أمير، صدى الحراب، استهان بالصعاب، سر دفين، غربة البحار، النداء...
وإزاء ذلك، نستطيع أن نقرأ هذه القصيدة التي يرويها " راوٍ عليم بكل شيء" مع تداخل صوت جوقة التعليق أو (الكورس) المعهود في المسرحية الإغريقية. وإذا لجأنا إلى هذا المزج وخرجنا عن أُحادية الصوت فإن صوت الكورس يلائم المقطوعات الثالثة والسادسة والثامنة. وهذا لا يبعدنا عن إمكانية تلاحم صوت الكورس وصوت الراوي.
أما الحوار فقد تأتّى في مواضع الذروة أو الأزمة، وذلك في مونولوج داخلي للبحّار المنتظر (السادسة) أو صوته عند قرب الفرج/ الحل. بينما كان صوتها ضائعًا في حومة الرفض المتواصل لها، أو على الأقل، كان ساكنًا مع السر الذي تحمله.
وهذه القصيدة مع أسطوريتها نموذج للاقتراب من شعر "القصة الرعوية" (البالاد) ونحن – في الشعر العربي -  بحاجة إلى الإكثار منه. وإذا أضفنا نماذج قليلة من مثل "شنق زهران "لصلاح عبد الصبور" والأميرة التي تكلم المساء "و "الأمير المتسوّل" لأحمد حجازي فإن هذه القصيدة دعوة لتبنّي هذا اللون الذي نفتقر إليه. والبالاد ركيزته أو عمادُها الشعبية والإنسانية- من حيث قرب تناول التعابير- ويُلقى في قالب قَصصي بغنائية مموسقة، ويكون الحوار جزءًا لا يتجزأ من بنيته(2).
_________________ 
(1) انظر مفردات المقطوعة الخامسة: طيور، حدائق، ندى، زهور، ربيع. إنها توحي بالرومانسية، لكنها في الواقع وسائل مساعدة لتجسيم الأمل والخلاص، يدل على ذلك أن البحّار سرعان ما ينسى ألمه "حين يعود لن تظل في المدى جراح". إنه خَيال موظف من الواقع.
(2) وهذا الحوار جزء من أسلوب النبوءة الذي نجد له نماذج في " ألف ليلة وليلة" وكذلك في الشعر الحديث وخاصة لدى صلاح عبد الصبور:
وقال لي: ونسهر المساء مسافرين في الصفاء
...
ومضى يقول: سنعيش رغم الحزن نقهره، ونصنع في الصباح...
(أنظر مجموعة عبد الصبور الكاملة ص39، 79، 152...) 

***********************************  

 

 

 

 

 

 


القصيدة:
                   "زغردت أم الشهيد"
                                          سليم مخولي :
هل كان عرسًا للضياءِ
فزغردت أم الشهيد
أو أنها في يقظة تتوهم؟!
أفراحُها هذي!
أو أنه حزنها  خلفَ الضلوعِ
وصيحةٌ في صمتها
فتفجرت بجنونها تتألم...
أو كان صوتًا صاعدًا شق الفضا
وحجارة من قلبها
ترمي الطغاة وترجمُ...
مرّ العريس أو الشهيد أو النشيدُ
على الأكف مكللاً بالوردِ
أم ذاك الدّمُ؟!

أين اللغاتُ
وأين حسنُ بيانها
وبلاغة ومشاعر
وتراجم لشعوبها فتُترجِمُ
زغرودةٌ صماء تجتاح السما.... والله أصغى واجمًا
والأفق أحمرُ واجم..

سقط الشهيدُ
فزغردي يا أمّهُ
ضمي الجميع بصيحةٍ
فالنصر نصْرُك أمنا
ما غير صوتك للجراح مضمِّدٌ ويُلملم...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

---------------------------
من ديوان: ذهب الرمال (1989)، ص50

 

 

قراءة في القصيدة:

هذه القصيدة هي فرحة الشاعر التي تبادل حزنه من خلال الضوء والحركة واللون. فعرس الضياء تقابله زغرودة، والزغرودة تحمل رائحة الوثيقة. وليست القصيدة أكثر من وثيقة كتبها شخص معين في زمن معين وفي موضوع معين كما تقول (إليزابيث درو).
وزغرودة الشهيد ذات دلالة اجتماعية تأصلت بالذات في الشعب الفلسطيني، حيث ارتبطت شهادته بالنصر، فأصبح "عريسًا" للأرض، ولا بد أن يكون في ذلك الخصب والفرح.
تقع القصيدة في ثلاثة مساقات:
 الأول تساؤله عن معنى زغرودتها: هل كان عرسًا للضياء؟  أفراحها هذي؟ أو أنه حزنها؟ هل هو تفجر بجنونها؟ أو أنه حجارة من قلبها لرجم الطغاة؟ والتساؤل يستمر في وصفه العريس أو الشهيد أو النشيد، وهل الحمرة عليه أكاليل ورد أم أن ذاك الدم؟
والمساق الثاني تأكيد على عجز اللغات عن ترجمة معنى الزغرودة التي اجتاحت السماء، فأصغى لها الله واجمًا، وتلون الأفق بالحمرة، ووجم هو كذلك.
وفي المساق الثالث- يطلب الشاعر من أمه أن تزغرد وتضم الجميع بصيحتها، فهي أم لنا جميعًا، والنصر لها أولاً، وعندما تزغرد فإنها تضمد جراحنا الكثيرة، وتجمعنا على النضال والمثابرة حتى النصر. إذن فالقصيدة ملتزمة تطرح القضية من خلال مداخلة الشاعر وموقفه المتعاطف .
فلننظر إلى هذه القصيدة ككل قطعة فنية متسائلين:
ماذا يمكن أن يضيف الشاعر؟
ماذا يمكن أن يحذف حتى تكون القصيدة أجود؟
وبالطبع، فإن في هذا التساؤل اقتحامًا، وقد يكون تجاوزًا وذاتية، إلا أن الرعاية والتشذيب لضروب المقدرة الطبيعة هي مهمة النقد.
كانت القصيدة ترتقي إلى مستوى فنّي أعلى لو وصف الشاعر الجزيئات، فوقف عند حركات الأم قبيل زغرودتها وفي أثنائها وبعدها، فعن طريق التكثيف في الحركة والأداء يستطيع تعبئة الجو بالحزن وشحنة بالمأساوية.
وكانت القصيدة ترتفع لو تخلى الشاعر عن المباشرة والنثرية في بعض الأبيات كقوله: "أو أنها في يقظة تتوهم".
فما ضرورة التساؤل عن كونها في حلم يقظة أو لا؟ ألا ينُقص التساؤل من صورة عرس الضياء التي غرسها الشاعر في مخيلاتنا رائعة مثيرة؟
ثم يسأل الشاعر "أين اللغات؟ وأين حسن بيانها وبلاغةٌ ومشاعرُ، وتراجمٌ لشعوبها فتترجِمُ؟"
كل هذه التساؤلات ينقصها التكثيف والرهافة.
 ولست أدري بعد ذلك ما ضرورة التأكيد على كلمة "صماء" في قولته "زغرودة صماء" ما دامت الزغرودة تحمل معاني عميقة وثرية ومتنوعة؟
إن لفظة "صماء" كانت متماثلة مع قوله في المساق الأول "وصحيحة في صمتها" ....والصمت والصمم في الزغرودة، وربما الإصرار والثبات، ولعل هذا الغموض أو الإصرار يستلزم البحث عن ألفاظ مطابقة أكثر لهذا المعنى المستفز.
وثمة ملاحظة عروضية أو إملائية طباعية :
فقد ورد في  الديوان:
أفراحها هذي
أو أنه   حزنها خلف الضلوع"
وهذا القول لا يصح في ميزان البحر الكامل  ، وأظن أن الطباعة حذفت النقطتين من الهاء ،حيث وجب أن تكون :
" أفراحها هذي
أو أنة حزنها خلف الضلوع".
وبالطبع فإن معنى " أنة" يتساوق والزغرودة  ، ويؤدي صوتًا ولونًا وعاطفة....ولعل هذا ما أراده الشاعر.
أسلوب القصيدة والتحامه بمضمونها:
أشرت إلى أن القصيدة تقع في ثلاثة مساقات. وفي ظني أنه يمكن أن نبدل المساق بالآخر من غير أن تتخلخل بنية القصيدة، ذلك لأن الوحدة العضوية فيها نفسية بالدرجة الأولى.
ثم أن الشاعر كان يعـيد صياغة التعبير المألوف بتطعيمه استعارات ومجازات لها علاقة بموقفه:
فالصوت يصبح حجارة من قلبها، والحجر منتزع من الأرض، إذًا فالأرض هي القلب. وترجُم الطغاة المحتلين. وكلمة "ترجم" لها دلالات هامشية تتعلق بالأبالسة والشياطين والشر. ولعل الروعة في القصيدة أو قمتها عندما يصغي الله –جل جلاله- واجمًا ، والأفق أحمر واجم، فالشاعر هنا يُنكر هذا الموقف، يكون بشيء من السخرية، وقد يكون بشيء من الأمل ....وكأنه يقول: "ولو يارب!"
واللون الأحمر للورد والدم في قوله:
" على الأكف مكللاً بالورد
أم ذاك الدم"
يطغى على الأشياء فيجعل كذلك أحمر، والزغرودة حمراء ،  وصوت الأم يضمد الجراح الجماعية، ويلملم الجموع للنصر.
قلت إن هذه الاستعارات والمجازات لها علاقة بموقفه: فكيف تبدّى لنا الشاعر من وراء الكلمات نابض القلب رافضًا؟
إننا نلمح ظل الشاعر يشف من وراء قوله:
" ضمي الجميع بصيحة
فالنصر نصرُك أُمنا"
الجميع "و" نا" دلالتان واضحتان على أنه ضمن الجماعة يحس فجيعتها ويصبو لسعادتها. ثم إن تساؤلاته على طريقة تجاهل العارف فيها إحساس عميق وتلوين مأساوي:
مرّ العريس أو الشهيد أو النشيد.
 على الأكف مكللا بالورد
أم ذاك الدم؟"
وقبل ذلك، هل زغرودة أم الشهيد هي:
 أ) عرس للضياء؟
ب) فرحة أم أنة ؟
ج) صيحة متفجرة بجنونها تتألم؟
د) حجارة من قلبها ترمي الطغاة وترجم؟
إنّ هذه التساؤلات هي للراوي، وهي تفسير لموقف بالدرجة الأولى.
وفي القصيدة ميزة هامة- وهي التوافق الموسيقي، وانتقاء اللفظة، فنجد تكرار الحروف يجعل القصيدة ذات بنية إيقاعية:
" وصيحة في صمتها
فتفجرت بجنونها تتألم
أو كان صوتًا صاعدًا"".
نلاحظ الصاد والجيم يزيدان الموقف روعة وجلالاً وشدّة، ثم لتقف على التجانس الصوتي وحرف المد وكأنه ينشج:
"مر العريس أو الشهيد أو النشيد".
وقراءة أخرى تتركز على الناحية الصوتية توصلنا إلى تكرار حروف أخرى تتناغم والأداء النفسي، غير أن القافية الميمية المضمومة تتردد فيها بشكل إيقاعي، وقد شذت فيها لفظة "واجم"، فلم يكن رويّها موافقًا لقوله: تتوهم.. وترجُم.. ويلملم.
XXX

وأخيرًا فإن في هذه القصيدة مثلاً على الدم والخيال والفكر في القصيدة.........والشاعر هنا هو الشاهد والواعد.

 

 

 

 

 

 

 


القصيدة:
الحلم
طه محمد علي

فيما مضى
كنت أرى في الحلم
أنك راحلة
فيخنقني الأسى..
ولأن ذلك كان حلمًا..
كنت أستيقظ
فأفرح..
ويملأ القمح الظهيرة!
وأنت كنت الأسى
 وأنت كنت الفرح.
أما الآن..
فإنني أحلم
أنك قادمة!!
فأفرح..
وأستيقظ لأدرك أن ذلك كان حلمًا..
فيخنقني الأسى...
ويملأ الشوق الغسق!
XXX
(نشرت القصيدة في مجموعة الشاعر " ضحك على ذقون القتلة"، منشورات اتحاد الكتاب العرب 1989، ص55، وقد أعيد نشرها في مجلة الجديد أيلول/1989، ص48)


قراءة في القصيدة

هذه القصيدة قد تكون مستقلة قائمة بذاتها، وقد تكون واحدة من ثلاث قصائد نشرت معًا بعنوان: "ثلاث قصائد" وهي "حبس" "إفراج". الحلم". وبما أن العنوان يفسح لي مجالاً لاعتبارها مستقلة فإنني سأفصلها مقتنعًا بأنّ الوشائج مع القصيدتين الأخريين ليست متلاحمة بالشكل الذي يجعلني أتهيب من محاولة بترها.
وبداءة فإن العفوية والبراءة تنقلانك إلى تصور حلمك أنت حين تستيقظ وتفرح ،  لأن ما حدث كان كابوسًا ولم يتحقق، أو حين تستيقظ وتحزن... لأن ما عثرت عليه من كنوز قد تهاوى.
 والآن لننظر إلى علاقة الراوي/ الشاعر بها (المرأة، البلاد، قريته صفورية)؟
لقد كانت معه جزءًا لا يتجزأ في كيانه، عندما كان يراها راحلة- بدافع الخوف عليها- كان يخنقه الأسى. وفي يقظته يتيقن الحقيقة ،  فيفرح رغم معرفته أنها هي الأسى. إذًا ثمة تمازج فيه الفرج = الأسى، ويؤكد ذلك في قوله:
وأنت كنت الأسى
وأنت كنت الفرح
 وليس هذا المعنى غريبًا على شاعر تشرّب المعنى القديم " أنت النعيم لقلبي والعذاب له" (للشريف الرضي) وتشرب المشاعر النفسية المتباينة عَبْر التناقضات المتماثلة والماثلة في وجدانه.
تكررت جملة "فيخنقني الأسى" الكابوسية مرتين:
 أولاً، بعد أن عرف أنها راحلة (في حلمه)،
 وثانية، بعد أن استيقظ وعرف أنها ليست قادمة (في يقظته).
 ولكن لننظر ماذا كانت النتيجة بعد الحلم الأول الذي فرح لأنه لم يتحقق؟
النتيجة: "ويملأ القمح الظهيرة"
وماذا كانت النتيجة بعد الحلم الثاني الذي حزن لأنه لم يتحقق؟:
النتيجة: "ويملأ الشوك الغسق"، لننظر ثانية:

يملأ القمح              يملأ الشوك
الظهيرة                 الغسق
وسواء كان الزمان ظهيرة، أو غسقًا فثمة ما يُملآن به.
والصورة بالتعريف البلاغي مجاز مرسل وعلاقته الحاليّة وبالتعريف الواقعي، صورة القمح في الظهيرة، استيحاء من جو قروي فيه الغلة والعطاء ممزوجين بالحر وبالمعاناة والكفاح، وفي ذلك نكهة ولذة.
وبالمقابل فإن صورة الشوك في الغسق فيها مرارة وألم وتكدير.
إذًا ما المشترك بين الصورتين أو الحلمين (ا) و (ب)؟
والإجابة تحدد في المعاناة وصدقها، حيث يعيش الراوي ارتباكًا نفسيًا عميق الغور والجرح، فيه تمزق بقدر ما فيه من تنفيس عن كبت وضغط إزاء هذه الحبيبة (المرأة، البلاد، القرية صفورية). وتصور الحبيبة قريته يبرر استعمال التعبير "فيما مضى" على سبيل الحكاية.
وهذا التعبير رغم عدم ضروريته اللغوية لأنه مفهوم من السياق ( "كنت"، "أما الآن...") إلا أنه يكتسب دلالة التشويق لسماع ما سيأتي، خاصة إذا تخيلنا قول الراوي ووجومه لحظات وهو يهز رأسه.
نعود إلى الحلم في صورتيه، ولنسأل ما علاقة فرحته بامتلاء الظهيرة بالقمح؟ وما علاقة خيبته بامتلاك الغسق بالشوك؟
إن العلاقة في المسألة الأولى هي علاقة قد تكون مستوحاة من الجو القروي الذي يحلم به الشاعر، وربما يكون من جو لوحة فنان رسم فلاحة أمام كومة سنابل، وربما يكون القمح رمزًا للغذاء والظهيرة لسطوع الرؤيا، ربما..
وهنا تبدو طاقة الشعر في إفساح المجال لنا للتصور والتخيل ومعانقة واقعنا بالصورة التي ترتئي لنا أو تلتاح لهذا الواقع.
أما المسألة الثانية فقد يكون الشوك رمزًا لعدم تقدم أو لعدو اقتحم زماننا، فلم نعد نرى فيه إلا غسقًا، والغسق على أية حال قريب من فجر القائل "ولا بد لليل أن ينجلي".
لنقرأ هذا الرسم التخطيطي حتى نعيش في جو القصيدة ثانية:
صفة الحبيبة:
1. راحلة
2. قادمة
حالة الشاعر في الحلم:
الأسى
الفرحة
حالته بعد اليقظة:
الفرحة
الأسى
هذا الرسم يبقى مجردًا رغم عفويته وتعبيره عما هو ممكن وقائم، ويكتسي اللحم في الأوصاف المتقابلة، إزاء الحالتين، التي خرج فيها من كل حلم حيث يؤكد الشاعر/ الراوي على وحدة التضاد:
وأنت كنت الأسى
وأنت كنت الفرح
فلماذا إذًا لم يُعِد الشاعر البيتين في نهاية الصورة الثانية بعد أساه وخيبته؟ لماذا لم يقل ثانية وبشكل متعاكس؟
وأنت كنت الفرح
وأنت كنت الأسى
والإجابة قد تكون نابعة من الطبيعة الإنسانية التلقائية، فالإنسان يتذكر حزنه وأساه في أشد ساعات فرحة ونجاحه، حتى ولو على شكل موجات، وهذه الموجات بحد ذاتها تعمق معنى فرحته، بينما لا تتجمع لديه ذرة فرح في ذروة أساه.
نخلص إلى القول إن هذه القصيدة كانت مصممة بشكل متساوق برغم عفويتها وبراءتها، فقد ابتعدت عن الترهل الذي أصبح أحد آفات الشعر. وهي قصيدة حلم وواقع معًا.
XXX

ولا بد من كلمة عن مجمل شعر طه.
إن هذا الشعر ما زال في امتحان وتساؤل حوله  ، رغم ما فيه من غرابة وطرافة وإشعاع أنيس وألفة، ورغم ما فيه من اتجاه أو منحى (ماغوطي). فالماغوط قابـَلنا وقابلناه بالدهشة، وطه يقدم لنا طابعًا قصصيًّا ونادرة ما ((Anecdote في كل قصيدة مشفوعة غالبًا بروح ساخرة، فيها شحنات إنسانية صادقة وروافد ثقافية متباينة ،  وأجواء فلسطينية رائعة ذات حنين متواصل.
ولا أرى حجة ضد الذين يتعللون بأنها ليست موزونة إلا أن أطلب إليهم قراءتها على اعتبار أنها لييتس، أو لماياكوفسكي أو ريتسوس، وإلا فما الفرق بين تصوير ماياكوفسكي مثلاً:
" ...أن الكلمات تتدفق من رأسه تدفق البغايا من مبغى يحترق"
وبين تصوير طه:
"أتشوق إليها كما يتشوق المراهق
للمس ثياب امرأة في الأربعين"
( من قصيدة "ثلاثة أثلاث الطواحين")
قلت إن النفس الماغوطي متناثر في اتجاهه الشعري. وأنا إذ أسوق نماذج ماغوطية لا أتهم الشاعر بالأخذ عنه قدر ما أُؤكد وحدة التجربة الإنسانية الصادقة:
يقول الماغوط:
في طفولتي
كنت أحلم بجلباب مخطط بالذهب
وجواد ينهب في الكروم والتلال الحجرية
أما الآن
وأنا أتسكع تحت نور المصابيح
....                                                     (حزن في ضوء القمر ص11)

ويمكنك موازنة قصيدة طه وقصيدة "بكاء الثعبان" (غرفة بملايين الجدران، ص108) وبها يحدثنا عن حلم، ثم عن يقظة، ولا يجد بعدها من يحب)- وفكرة الحلم "موتيف" عند الماغوط.
يقول، أيضًا:
ولكن عندما حلمت بالحرية كانت الحراب
تطوق عنقي كهالة الصباح
                                                                                  (الفرح ليس مهنتي، ص60)

وقد تكون ثمة حاجة لدراسة مقارنة بين الشاعرين كل على حدة ،  وكذلك بين الشاعرين معًا وبين كوليردج Coleridge   (1772-1834) في قصيدته كوبلاخان، حيث كانت هذه القصيدة تعبيرًا عن حلم وواقع متعانقين.

 


القصيدة:

" ثلث قرن "
شكيب جهشان

اقتطفت هذه القصيدة من ديوان شكيب جهشان " أحبكم لو تعرفون كم؟" (1)،
ذلك لأني رأيت فيها نموذجًا للقصيدة التي تستحق التعمق والدراسة. وسأضرب صفحًا عن سائر القصائد بسبب تراكم  في النثرية والمباشرة والتسطيح على كثير من أبياتها (2)، رغم ما ورد من تشبيهات موفقة هنا، وجدة وطرافة هناك.
وهذه القصيدة سأعمد عليها لما فيها من إثارة وتحفيز، حتى أطهو مأكلاً على نارها لعله يجدي المائدة الأدبية بعض الغناء.

ثلث قرن (3)

ثلث قرن
وأنا أعمل ناطورًا على كروم عنب
والعناقيد صبايا
وهدايا وأنا
أحرق الوهج مناديلي
وأضناني السّغب
xxx

ثلث قرن
وأنا أعمل حدّاء
وتمضي القافلة
والمُغذون انطلاق
وانعتاق
وأنا
رَمَض الرمل على رجلي
وشلّ الراحلة
xxx

ثلث قرن
وأنا أعمل مزمارًا
ولحني رئتي
والتراجيع سكارى
وحيارى
وأنا
وهنت في النفخ أنفاسي
وذابت مهجتي
xxx

ثلث قرن
وأنا أعمل قنديلاً
وزيتي نزرُ
والشعاعات غناء
وعطاء
وأنا
أغرف الأضواء من عمري
ويهنا العُمرُ
xxx
ثلث قرن
وأنا أعمل مثالاً
وطيني الأضلع
والتماثيل بهار
وبذار
وأنا
تسكن الآهات في صدري
وتهمي الأدمع
xxx


ثلث قرن
وأنا أعمل بحّارًا
وريحي نَفَسي
والمجاديف اكتداح
وانشراح
وأنا
تمحي الشطآن من عينيّ
عند الغلسِ
xxx

ثلث قرن
مر مثل اللمح عني
ثلث قرن
ثلث قرن
يا ارتحال الطيف
خلف الطيف
كيف؟
يقلب الدهر لنا في ركضهِ ظهرَ المجنّ  


Xxx

قراءة في القصيدة

القصيدة كما نلاحظ كتبها معلم متمرس، سجل مشاعره الفياضة بعد أن أنهى مهمته، وهي بالتالي لها وظيفة اجتماعية إنسانية، فكيف تناول الشاعر معانيه وصاغها؟ وهل كان ثمة وحدة موضوعية نفسية في القصيدة؟
القصيدة مؤلفة من سبع مقطوعات (ستانزات). تبهرك الأولى بكثافتها وزخمها المتكئ على أصالة، فتلمح التراث أو تستشفه منعكسًا في مزيج حي متشابك، فالناطور وكرم العنب والعناقيد التي لا تفنى مستوحاة من بيت المتنبي المأثور- في هجاء كافور-:

      نامت نواطير مصر عن ثعالبها
                           فقد بَشِمْنَ وما تفنى العناقيد

لكن المعنى الجديد عند شكيب يركز على أن المعلم هو الناطور النشيط الذي لا يكل ولا يمل، وكرم العنب الذي كان مستغلاً ومنتهكاً عند المتنبي هو المحفوظ المصون عند المعلم. ومن ناحية أولى فرمز "العناقيد" التي لا تفنى، والتي تعني الخيرات يصبح عند المعلم صبايا بالذات، تعبيرًا عن الجمال والأنس والرهافة والحب. وبهذا المعنى يتواصل مع أصداء بيت آخر:
     كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
                             والماء فوق ظهورها محمولُ

وشكيب يأخذ من هذا البيت القديم فكرة السّغب الذي أضناه وأوهنه، فأعطانا الاستعارة النفسية، إذ أحرق الوهج مناديله، وكان في بيداء يصارع الظمأ- مع أن الماء/ العناقيد في متناول يديه، ولعل ما يشفع لنا بهذا التصور استعماله (هدايا) و (مناديل) كلمتين من عالم (الصبايا) الذي استهواه.
ومعنى العيس في البيداء ساقه إلى المقطوعة الثانية، فيصف نفسه بأنه حدّاء يحدو للقافلة الماضية في الصحراء تغذّ سيرها بانطلاق وانعتاق، بينما أصابت الرمضاء رجله، فعوّقه الرمل الحار عن مسيرته كما شل حركة الجمال المسافرة.
وفكرة الحداء للقافلة تسوقه للمقطوعة الثالثة، فيصف نفسه بأنه مزمار، ينبثق اللحن من رئتيه، وأصداء اللحن سكارى وحيارى، ولكنه يعترف بأن أنفاسه وهنت في النفخ وذابت مهجته.
وفكرة ذوبان المهجة – وهي كتابة عن شدة العطاء- توصلنا إلى المقطوعة الرابعة، فيصف نفسه قنديلاً، وزيته قليل، بينما ينطلق الغناء والعطاء يقدم له الهناءة والسعادة. وفكرة السعادة في الاستغراق بالكلية والوجدان، رأيناها في قصيدة التمثال- لعلي محمود طه، حيث ينحت الفنان تمثاله من قلبه وروحه "ولا يزال عاكفًا عليه يبدع في تصويره وصقله متخيلاً فيه الحياة ومرحها وجمالها" (4)، يقول علي محمود طه في قصيدته:
          جئت ألقي به على قدميك الآن
                                     في لهفة الغريب المشوقِ
....
بيدي هذه جبلتك من قلبي    ومن رونق الشباب الأنيق
....
      أنا يا أم صانع الأمل الضا
                                (م) حك في صورة الغد المرموق

وتأتي المقطوعة الخامسة عند شكيب لتصف الراوي بأنه مثّال يستعمل الأضلع البشرية كالطين في صنعته، فتأتي التماثيل متعة وحصادًا، بينما هو تسكن الآهات في صدره، ويبكي تمامًا كالمثّال عند طه:
              ضاع عمري، وما بلغت طريقي
                                           وشكا القلب من عذاب وضيق
....
في يديه حطامة الأمل الذا
                       (م) هب في مَيْعَة الصبا الأنيق
واجمًا أطبق الأسى شفتيه
                      غير صوتٍ عبر الحياة طليق

وما دامت الآهات والأسى والأنفاس الحارة تسكن صدر المعلم، فإنه يجدها متحركة وفعالة، فيصف نفسه في المقطوعة السادسة بأنه بحار، وأنفاسه هي الريح، ومجدافه الذي يحركه كدح وسعادة، ولكنه سرعان ما يقتحم اللجج، وتمحي المعالم عن عينيه (5).
ومع امّحاء المعالم نصل إلى المقطوعة الأخيرة، حيث يؤكد أن الزمن مَرّ، والطيوف توارت، فيتساءل: كيف انتهى هذا الزمن المتسارع وأدار لنا ظهره معاديًا؟

Xxx

ومبنى القصيدة رغم التواشج والتعانق اللذين ألقيت ضوءًا عليهما، فيه نوع من التوزيع والتنويع بتصميم هندسي مكرور. يبدأ الشاعر كل مقطوعة:
"ثلث قرن"
وفي المقطوعات الست الأوائل يكرر في السطر الثاني:
وأنا أعمل...
ثم يتحدث عن بعض ما له علاقة بتشبيهه، مركزًا على ازدواجية صوتية في كل مقطوعة (صبايا وهدايا، انطلاق وانعتاق... الخ)
ثم يعود للتدليل على ذاته المفجوعة:
وأنا...
وهذه العودة إلى السرد الذاتي ضرورة حتمية للتنفيس عن القلق من ضياع مجد واستبطان لنفسية شجية. وهذا الاستبطان تجلّى من خلال الحديث بلغة الفعل الماضي:
"أحرق الوهج مناديلي، رمض الرمل على رجلي، وهنت في النفخ أنفاسي."
أما الأفعال في المقطوعات الثلاث التالية فقد وردت في زمن الحال – في المضارع-:
"أغرف الأضواء، تسكن الآهات في صدري، تمحي الشطآن من عيني".
وهذه الاستعمالات بحد ذاتها تعبير عن الماضي، وقد لجأ الشاعر إلى المضارعة مضطرًا في بحر الرمل الموسيقى، ذلك لأن (الأضواء) و (الآهات) و (الشطآن) وهي جميعها محلاة بلام  التعريف تلزمه أن يستعمل المضارع، وإلا فإن الماضي يحتاج إلى تاء التأنيث أو التاء المتحركة وعندها لا بد من خروج عن الوزن.
فالمضارع يدل على الماضي هنا (ويمكننا أيضًا أن نستثني الاستعمال الثاني للدلالة على استمرارية الموقف الأسيان)، وهذه الأزمان المتواترة تتداخل في نسيج القصيدة بشكل حيّ ومُمَوسق.
وينفرد المقطع الأخير بالتركيز على التعبير: "ثلث قرن".
ولولا الوزن –مرة أخرى- لكان ترديده مسموعًا كل مرة بلغة عددية (ثلاث وثلاثين سنة)، ويمكن القارئ من تخيل الصوت وإعادته على مسمعيه ليرى هذا التكثيف وهذه الضغوط المشحونة بالمأساوية. ولا شك أن استعمال الكسر "ثلث" في ثناياه القصيدة أو في عنوانها يبعدنا عن الدلالة الشعبية الزاخرة بالإيحاء والتوصيل.
ويلاحظ القارئ أن تقسيم التفاعيل متساوٍ في جميع المقاطع (عدا الأخيرة) للدلالة على هذا الاعتماد المسبق والتصميم الهادف، وهذا أدى بالشاعر إلى انتقاء ألفاظ قد لا تغني شيئا في الدلالة على حسية الموقف كقوله:
"تمحي الشطآن من عينيّ
عند الغَلَس"
فلماذا الغلس بالذات، والغلس كما نعلم ظلمة آخر الليل؟ وأين لا تمحى / تتبدى ساعتها؟ أتراها تُكَأة للشاعر، وكذلك الحال في قوله:
"رمض الرمل على رجلي
وشلّ الراحلة"
فلماذا تشل الراحلة وهي القوية على السفر، وما دام عمره هنيئًا، وهو يغرف من الأضواء، وما دامت الرحلة انطلاقًا وانعتاقًا؟
غير أننا نجد تبريرًا مقنعًا، وهو كون المعاناة سببًا للنشوة والهناءة، تمامًا كالعشق في مفهوم الشريف الرضي:
   أنت النعيم لقبي والعذاب له
                     فما أمرك في قلبي وأحلاك
والنظام الصارم الذي ألزم الشاعر به نفسه جعله ينهي القصيدة بتعبير مسكوك مطروق:
" يقلب الدهر لنا ظهر المجنّ"  -  وهذا التعبير بعيد عن وجداننا اليوم مثله مثل "لبس لنا جلد النمر"،  إنه يرمي من وراء هذا المعنى أولاً أن الزمن يهرب منا، وقد تناوله بصورة أيسر في شعره من غير ضرورة لافتعال الصورة:
"كيف كانت الساعات تفر من حياتنا
وعلى مدى الطرق تماما
كما يفر الماء من بين أصابع الكف المنبسطة"(6)
ليس في القصيدة غموض مجاني أو "تراكُب" عبارات واستعارات أو ترميز مفكك يطالبك رغمًا عنك أن تبحث عمّا ورائياته. فالشاعر يبوح لنا أوصافه كما يحسها من خلال حماسة روحية واحتراق داخلي، يقدمها لنا خطوة خطوة، يضفي عليها عنصر التخيل ،  حتى تكاد تسمع الشاعر في لقطات سينمائية متباينة. وقد كانت القصيدة في مطلعها ومضًا من اللاشعور، لكن التصميم حال دون الاستطراد في وصف الصورة عبر تداعيات تكشف أسرار الشاعر الداخلية وهمومه الفردية، وبالتالي ليتوصل إلى رؤيا شمولية ووجودية فيها غنى روحّي جديّ وعميق.
 والآن لنجمع هذه اللقطات السينمائية- رغم محاولتنا الربط بينها- إنها صور: ناطور+ حداء+مزمار+قنديل+مثّال+بحّار  -  هي طيوف مرتحلة – أربعة أشخاص وشيئان- تصح معًا أن تؤلف لوحة فنية فيها تركيب درامي لا يكتفي بعلاقة واحدة في الصورة، فيها حركة وحياة ولون قاتم يعانق لونًا أخضر يانعًا لا يعيق تلقائيتها إلا السطر الأخير من القصيدة. فلو وقفت القصيدة عند "كيف؟" لكانت النهاية مفتوحة، وقد اهتدى الشاعر إلى هذه الملاحظة في موقف آخر(7).
"أيها العمر
كيف طرت هكذا
...........
كيف؟
كيف؟
Xxx


وتهمنا، أخيرًا مكانة القصيدة في حركة المجتمع ودفع مسيرته نحو التقدم من منظور الالتزام بما يبعد الإنسان عن الاغتراب والاستلاب، حتى تتضافر العلائق الإنسانية، وقد عرفنا أن الشاعر معلم بكل ما تحمله الكلمة من معاني العطاء والقدسية، تجلت لنا عبر إحساساته عاطفة حية ومستوى فكري وفني في وحدة موضوعية نفسية، وبلغة منتقاة، وتعابير متواصلة تروعنا بقدر ما تدعونا لقراءتها ثانية- وفي هذا حركة القصيدة والشعر.
----------
1. شكيب جهشان- أحبكم لو تعرفون كم – مطبعة الحكيم، الناصرة- 1988.
2. أُنظر مثلاً صارخًا على ذلك قصيدة "أن تكون معلقًا ص173.
3. ترقيم القصيدة ليس في الأصل.
4. ديوان علي محمود طه (المجموعة الكاملة) – دار العودة، بيروت- د.ت ص 313.
5. تحسن الموازنة هنا وقصيدة "عاصفة روح" لإبراهيم ناجي (أُنظر  ديوان إبراهيم ناجي  ص 317.
6. أحبكم لو تعرفون كم- ص174.
7. ن . م  ص174. وفي هذا السياق أحب أن أكتب عن تجربتي مع (كيف) _وليعذني القارئ- فقد كتبت في قصيدة لي بعد إحدى هزائم العرب:
"وأنا نفسي سيف
ضاع الغمد ومادت (كيف)" -  (في انتظار القطار ص40)، فهذا الضياع جعلني أتصور لقطة (كيف) تهتز وتتساءل صارخة محتجة، والمخفي     أعظم.

 

 

 

 

 

 

القصيدة:

ليلاً، على باب فدريكو
سميح القاسم

فدريكو..
الحارس أطفأ مصباحَُه
انزل
أنا منتظر في الساحة

فد.. ري.. كو
قنديل الحزن قمر
الخوف شجر
فانزل
أنا أعلم أنك مختبئ في البيت
مسكونًا بالحمى
مشتعلاً بالموت
فانزل
أنذا منتظر في الساحة
مشتعلاً بلهيب الوردة
قلبي تفاحة..
الديك يصيح على قرميد السطح
فدريكو
النجمة جرح
والدم يصيح على الأوتار
يشتعل الجيتار
فد .. ريكو
الحرس الأسود ألقى في البئر سلاحه
فانزل للساحة
أعلم أنك مختبئ في ظل ملاك
ألمحك هناك
زنبقة خلف ستارة شباك
ترتجف على فمك فراشة
وتمسّد شعر الليل يداك
انزل فدريكو
وافتح لي الباب
أسرع
أنذا أنتظر على العتبة
أسرع
في منعطف الشارع
جلبة ميليشيا مقتربة
قرقعة بنادق
وصليل حراب
افتح لي الباب
أسرع خبئني
فدريكو
فد.. ري.. كو
 من مجموعة persona non grata، دار العماد، دالية الكرمل – 1986، ص51

 

قراءة في القصيدة

...وفيدريكو أولاً هو الشاعر الأسباني لوركا (1898 – 1936)، الذي صرعته كتائب الفاشيين الأسبان في حربها ضد الجمهوريين، وهو يمثل الإنسان المناضل في سبيل الحرية والكفاح ومواجهة الظلم والظلام.
وقصيدة سميح القاسم التي أرخها في مدريد 27.5.1985 فيها استلهام من بطولة هذا الشاعر ومشاركة له في الموقف، وحتى في الموت وفي الحياة.
وكثيرًا ما تناول الشعر الفلسطيني موضوعات إنسانية عالمية، بما فيها من مواقف بطولية ودعوات يسارية في نشدان الحرية والعدالة والمساواة... وقد أكثر القاسم من الكتابة في هذه المقولات، وحسبنا نظرة إلى المجلد الأول من مجموعة أشعاره الكاملة حتى نرى أنه تناول في قصائده أسماء وشعوبًا من هذا العالم الباحث عن حقه في الحياة، نحو قصائده في بتريس لومومبا، إيفان الكسبيفتش وجوني وديمتروفا وكذلك عن الكونغو وأرتيريا....
غير أن قصيدته هنا عن لوركا فيها مرآة للشاعر نفسه، فيها شعور عارم مذعور يحس بالنهاية والفجيعة.
وقد تمثلت هذه النهاية فيما توجه به الراوي الشاعر للوركا وهو يستنجده ويستصرخه "خبئني"، يقول ذلك مرتجفًا هلعًا (انتبه إلى تقطيع فد... ري..كو، وكذلك إلى إلحاحه " أسرع" التي كررها ثلاث مرات).
الراوي الشاعر منذ مطلع القصيدة يعلن للوركا أنه ينتظره في الساحة، فالحارس قد نام... يطلب منه أن ينزل (كررها أربع مرات) رغم أنه يعلم أن لوركا قد شبع موتًا.
وسؤالنا: لماذا يطلب منه النزول؟ وإلى أين سيتوجهان؟ وقد وجدت صعوبة ما في تحديد الغرض من النزول، وسأحاول أن أجتهد:
- الهروب... ولكن كيف يصح ذلك إذا كان الراوي يطلب منه في نهاية القصيدة أن يفتح له الباب... ثم أن يخبئه (بعد سماع صوت المليشيا المقترب)؟ ربما عزم على الهرب بعيدًا مع لوركا لينقذه- وكأن لم يمت- ثم قرر الاختباء بعد سماع جلبة العسكر.
- لعله يطلب منه المكوث معه في الساحة، وذلك بعد أن اطمأن أن الحارس نام (أطفأ مصباحه) وأن الحرس الأسود ألقى سلاحه نهائيًا... وبهذا المعنى تكون الساحة رمزًا، للنضال وأن عليهما واجبًا مشتركًا في التصدي لمظاهر الموت الرهيبة التي تتجلى فيما يلي:
1. الديك انزعج، وأحذ يصبح ليلاً.
2.  النجمة غدت جرحًا بدل أن تكون نورًا.
3. الأوتار تعزف الدماء بدل الأنغام.
4. الجيتار مشتعل ...والنار تلتهم معاني الجمال.
5. وإذا أضفنا إلى هذه ما كان قد وصفه في المقطوعة الثانية بتشبيهات بليغة نستطيع هنا قلبها:
القمر كأنه قنديل حزن...
الشجر كأنها خوفٌ رهيب...
إذن، لم يبق أمام هذا المد الجارف من الرهبة إلا التصدي... ولكن، لماذا يطلب شاعر فلسطيني معتبر من "شعراء المقاومة" أن يشارك شاعرًا صريعًا؟
 إن الراوي الشاعر –قناع سميح القاسم- يرى لوركا مختبئًا (كررها مرتين) وليس ميتًا...
إذن لوركا مختبئ لا يتصدى ولا يتحدى، فهل الراوي يعطيه جرعة جرأة؟
 ولماذا يطلب منه أن ينزل ولوركا في عليين وهو:
1. في ظل ملاك
2. كزنبقة خلف ستارة شباك.
3. ترتجف على فمه فراشة.
4. يداه تمسدان شعر الليل (تستلطف برومانسية)
وتبقى الأسئلة من غير إجابة قاطعة.
وازدادت تساؤلاتي في فهم القصيدة بعد أن اطلعت على قصة مقتل لوركا في كتاب عرس الدم
 ( عرض وتحليل د. علي سعد، دار الفارابي، بيروت- 1985) فقد نقل د. علي سعد عن كتاب "بارو" الصادر سنة 1947 وعن المجموعة الكاملة لآثار لوركا التي أصدرها توري سنة 1938 مادة لعل فيها بعض الغناء.
يقول د. سعد:
وجد لوركا في منزل روزاليس بعض الراحة، ومن نافذة غرفته التي تطل على ساحة بيبارميلا الكثيرة الحركة... كان يتطلع إلى المدينة الثائرة في عيشها ونبضها... وساد المدينة شيء من الهدوء الظاهر" (ص50)
ورأيت في هذا الوصف مفتاحًا مهمًا في خدمة القصيدة، فالشاعر مختبئ في الأعلى (في دارة في غرناطة)، والحارس فذ أطفأ مصباحه، والحرس الأسود ألقى سلاحه، وهذان دليلان على الهدوء الظاهر- هذا الهدوء سرعان ما يزول بعد سماع جلبة المليشيا وصليل الحراب... إذن إنها- كما قالت العرب قديمًا – هدنة على دخن. لقد توهم الراوي بالهدوء... ويمكن- تبعًا لذلك- أن الراوي يطمئن لوركا، ويلح عليه بالنزول، وهنا نفهم التشبيهات البليغة فهما آخر- فقنديل الحزن كأنه قمر (وضوح واطمئنان) والخوف الذي كان أضحى كأنه شجر (فلا بأس ولا خوف) وأنت يا لوركا مسكون بالحمى ومشتعل بالموت،  بيد أني أنا كلي حياة وتفاؤل وقلبي تفاحة ( وبهذا أتفوق عليك، أنا مرشدك، وحيويتي كأنها مشتعلة- ولكنها بلهيب أو بحدة احمرار الوردة وتفتحها، أي أنك تشتعل موتًا وأنا أشتعل حياة).
واعترف أن هذه القصيدة مشحونة بإمكانيات تفسير وتأويل متباينة، ومن ضرورة الاحتمال أو إمكانية التفسير أن تتوافى مع استمرارية النص، ولعل هذه الإمكانات المفتوحة المتاحة سر نجاح كل نص أدبي كنصنا هذا. (1)
...............................  
(1) ومع ذلك لا أوافق، الناقد رجاء النقاش (أبو سميح... تيمنًا بالشاعر) الذي رأى أن الحارس الذي معه سلاحه في قصيدة سميح إنما هو "يحرس قصائد الشاعر واسمه وذكراه ويمنع الاقتراب منه ....والحارس معنوي وهو رمز الخوف من أشعار لوركا... والنداء في القصيدة فيه إغراء للشاعر لوركا والتأكيد له بأن الجو مناسب للظهور بلا خوف" (أُنظر: المجموعة الكاملة لأشعار سميح القاسم، المجلد السابع، مقال رج اء النقاش ص412) وفي رأيي أن النقاش لم يحل اللغز: لماذا طلب منه أولاً أن ينزل، ثم سرعان ما طلب منه أن يخبئه... ثم لماذا يطفئ الحارس مصباحه في هذا المعنى؟
ولم يعطنا النقاش شرحاً أو تأويلاً لحركة الراوي ودراميته سوى قوله التعميمي " صورة غريبة ورائعة" (ص414). وكذلك لا أوافق ما أرتآه رؤوبين سنير من أن الراوي الشاعر منذ البدء كان يائسًا، وتنامى هذا اليأس مع صياح الديك- طلوع الفجر-، والراوي يصل تدريجيًا إلى منطقة يطل فيه على غرفته، فهذه الفراشة التي ترتجف على شفتي لوركا تعني أن الموت قد أصابهم وروحه ترتعش، وأن الحرس ألقى سلاحه بعد أن قتلوا لوركا...
وكأن سنير بهذا المعنى يرى أنهم قتلوه وأخذوا سلاحه وألقوا به في البئر، ولم يكلف الباحث نفسه لشرح: لماذا ينتظره الراوي في الساحة؟ ولماذا يلح عليه أن ينزل؟
(أُنظر: عيتون 77 العدد 100-مايو 1988، ص 87)

 

 

 

وأعترف أنني – في أثناء تحليلي النص – استذكرت إلقاء الشاعر لقصيدته في "  مهرجان الثقافة  في لندن  سنة 1988  ، وكان سميح ممثلاً مبدعًا يحس القصيدة بكل خلجة من خلجاتها ...وأتساءل الآن : هل يختبئ الراوي الشاعر من الطغمة المعتدية كما كانت تقول  لك حركات الشاعر التمثيلية؟
المنطق أن يقول إن  لوركا في داخل المنزل ميت، ولن يستضيف الراوي، وتبعًا لذلك سيقبض عليه... سيقتل. لماذا القتل؟
لأن نتيجة لوركا المحكيّ عنه كانت القتل... وإلا فلماذا قتل لوركا المسالم الإنسان؟
لكن لغة الشعر لا تغلق بابًا، بل تفسح المجال لنهوض القتيل واحتضان الراوي.. وفي هذا الاحتمال الذي يغدق علينا في الشعر نرى موتًا آخر والتحامًا جديدًا... ومع ذلك فهل لوركا ميت حقًا؟ ألا تزال أشعاره حية ووجوده قائمًا في وجدان عشاق الحرية والكلمة؟
الراوي الشاعر يبحث عن الموت لا من خلال اليأس، كما ذهب سنير في الملاحظة أعلاه، وإنما من خلال البحث عن الذات وعن مرايا هذه الذات السكونية، حتى ولو برومانسية.
وأتساءل:
وما الذي ذكّر سميح القاسم بلوركا في أثناء زيارته لمدريد؟
- يبدو لي أن زيارته في أيار 1985 كانت كذلك الى نزل الطلبة الذي كان يقيم فيه لوركا في مدريد، وفي هذا النُزل المعدّ للطلاب التقى لوركا بسلفادور دالي وخيمينيث وماخادو وألبرتي وماكس جاكوب... وقد أقام فيه لوركا في العشرينيات من هذا القرن... واليوم يرتاد سميح القاسم هذا النُزل، فأوحى ذلك إلى شاعرنا ما أوحى، فاختار هذا الموقع حكاية النهاية (مع أن مقتله كان في غرناطة، ونحن لا نسأل عن ذلك.... لأنه ليس على الشعر فرض وتأريخ وتقنين).
واطلاع سميح على سيرة لوركا أوحى له نوعًا من التوجس الشرّي، تمامًا كما توجّس لوركا في رواية (ماريانا بنيدا-1924)، حيث صور الشاعر الهلع الذي كان يخيم على الحياة الإسبانية في أيام الملك فرناندو السابع، وقد قتلت جنود فرناندو مريانا الشجاعة_ لأنها طرزت العلم الذي كان معدًّا لأن يقود الثوار الجمهوريين- ومن العجيب أن نهاية لوركا كانت تطبيقًا لما وصفه هو في نهاية مريانة بطلته: فاقرأ معي نصًا قصيرًا من هذه الرواية، وأرجو أن تتبين هذا الجو المذعور الذي تشي به قصيدة القاسم كذلك:
يقول لوركا:
                             يا ألم النجمة العتيقة
                             الذي يغص بها حلقي
                             كان على الكواكب أن تطل على نافذتي
                             وأن تنفتح ببطء على الشارع الموحش
                             أي جهد يبذله الضوء
                              في مغادرة غرناطة
                              أن يتلولب على أشجار السرو
                              وذلك الليل الذي لا يأتي
                              ليل الرعب والأحلام
                              الذي يجرحني من بعد
                              بسيوف طويلة... جد طويلة
                    (مقدمة د. علي سعد لكتاب عرس الدم، ص23)
واقرأ نصً آخر في وصف مونتيلاّ:
صريعًا في الوادي
ملء جسمه الزنابق
وعلى صدغه الجلنار" (ص62)

وفي مقطع آخر:
"ريح شرقية
ومصباح درب
والخنجر
في القلب
والشارع يهتز
كالوتر المشدود" (ص63)

وسميح القاسم يرى لوركا: "زنبقة خلف ستار شباك"، فهل هذه الرؤية بعيدة عن معرفة الجو الذي وصف لوركا به نفسه: "إن مت دعوا الشرفة مفتوحة"
                             (انظر كتاب عبد الغفّار مكاوي: ثورة الشعر الحديث ج2، ص54)
ولغة" قنديل الحزن القمر" فيها تجميع من القاموس الشعري اللوركيّ... ألفاظ ثلاثة تتوارد في شعره بنفس روح التشبيه القاسمي، وقلبي تفاحة... ومشتعلاً بلهيب الوردة والجيتار المشتعل... عيّنات أخرى لا يصعب علينا إيجاد مثائل لها في شعر لوركا...
والتحليق في أجواء الشاعر الذي يكتب عه دليل عافية للقصيدة المستخدمة، ودليل على أن الشاعر يعيش بكليته في تجربة.
وفي ختام القول لن أذهب ما ذهب إليه سنير- في مقالته التي أشرت إليها –أن الشاعر يرى الكتائب السوداء وكأنها الجيش الإسرائيلي المحتل، وأن الشاعر الفلسطيني ضحيّة لهذا الاحتلال...
ذلك لأني أرى أن القصيدة تصب في وجهة المقارعة ومناهضة الاحتلال لا في جهة اليأس والانعزال.
وتوجه القاسم إلى لوركا فيه تمثل لمعاناته، كأنني أنا أنت، ولكن نهايتي ستؤول إلى نهايتك...
ستكون الزنبقة والرهفة(الفراشة) والتمسيد برومانسية حالمة وحياة وادعة... أما الكتائب السوداء- وهي عنصر الشر أنّى حل –فهي تحيق بنا منن كل حدَب...
وهذا الاستصراخ المعبّر عنه بتقطيع لفظه فدر.. ري... كو تارة ...وبتكرار الاستغاثة والاستجارة تارة أخرى ،  وببحر الخبب/ المتدارك، كل هذا يؤدي بالتالي إلى شحن الجو بالفجيعة والدرامية، بسبب ما يراه الشاعر على أرض الواقع من انتصارات الشر على البراءة وعلى الإنسانية العذبة.... ويبقى مع ذلك خلود الخير، فهو لا يموت، حتى لو شبع موتًا، وهو يضم كل باحث عنه ولاجئ إليه.

 

 

 

 

القصيدة:
" عن المخيم والقبيلة"
أحمد حسين

صُدودٌ أينما وَجّهْتَ صَدّكْ
          وَصَلْتَ إلى سياج الأرْض وَحْدَكْ
وخَلْفَكَ تومض الذكرى قبورًا
                   وَأَيامًا حَلَلْن الدّار بَعْدَكْ
متى تشتاق وجْهَكِ كي تراهُ
          وتعرف من حدودِ السيف حدّكْ
تريدُ شراءَها عبثًا، ومنها
             لدى مَن باعَها ما ليسَ عِندَك
إذا نَزَحَتْ حقولُ اللوز حتى
        عن الذكرى، وعهدُك ظلّ عهدَك
فقد واعَدْتَ دربًا لا تراهُ
             وَأنْجَزَ صاحِبُ الأيام وَعْدَك
لأنّك حينما قلت اذكروها
               كأنك قلتَ إن الله مَزْدَكْ
                  Xxx 

أنا رَجْعُ الصّدَى لا الصوتُ صَوتي
                   ولا الوادي، ولا هذا أنيني
رُعاةٌ عَلّقوا في الريح نايًا
                 لنذكرَهم، سَلوا مَن عَلّقوني
أنا سَكَنٌ لأشباح تُغَنّي
                    وذاكرة لِمّوال حّزِينِ
وراوية لِمَوتٍ لا يراهُ
           سوى الجاني ومسحوق الجبينِ
وَأيام وُلدنَ على رجالٍ
                تنادي كلّ ثانيةٍ: خذوني!
زمانٌ كانقضاض الذّئب تَعوي
                  أُمومَتُهُ على وَلَه البنينِ
وَتَنسِجُ عنكبوتُ الربّ فيه
            عباءات الصباح من العيونِ
يَخونُ دماءَهُ جسدٌ    وَتسري
        سُمومُ الجذعِ في نسجِ الغُصُونِ
دواليب الحُظوظِ لها ضحايا
              وكُهّان، ودولابُ الطَحينِ
لكلّ قبيلةٍ كهفٌ وأفعى
               وساحرةٌ لها وجْهُ الكمينِ
وجلاٌد يُنْقَلُ حيثُ   شاءوا
           عصاهُ من اليسارِ الى اليمينِ
لهم في كل مدخنةٍ دخانٌ
            وخبزٌ في القبور والسجونِ
أنا منها، فإن بقِيتْ سأبقى
              متى ما تقهروها تقهروني
وما لي غيرُ هذا الشعرِ سيفٌ
                 سأقتلكم به أو تقتلوني
Xxx                     

مَضَوا قبلي وما كانوا غُزاةً
         ولا شَهروا سوى سيفِ الحنينِ
ولا حَملوا على الذكرى سِواهم
            وَأَرضا كالشراع بلا سفينِ
لهم نَجْمٌ يُخافت ثم يبدو
           على تعب كذاكرة السجينِ
تموت قبائل المنفى عليهم
            حقولاً، مثلَ موتِ الياسمينِ
لتبعدهم، وهل بعد المنافي
        سوى نفي الجراح عن الأنينِ
وَرِثْتُ دماءَهُم فَتَوارَثتني
        شُجونٌ لا تملّ من الشجونِ
حَساسين تغني للبغايا
         بأقفاص وحَسّونُ الغصونِ
بلادي بيتُ لاجئةٍ، وشعبي
       هُمُ الفقراء في الزمن الثمينِ
أَصيح بطفلة المنفى: أقيمي
      على حَتْم الرجوع ولا تليني
مَخَيّمُكَ السفينةُ لا تميلي
      إلى جِزرِ السراب ولا تخوني
إذا الدكان بادَلَكَ الأماني
      بأشرعة السفينةِ، لن تكوني
Xxx                   

غناؤكَ لا يزيدُ الدارَ قربًا
                وبُعْدُكَ سوف يبقى العمرَ بُعْدَكْ
تغيّرتِ البلادُ وَمَن عليها
                      على أي ُّالبلاد تقيمُ صَدَّكْ
لقد ضاعت، وكم ضاعت عليها
                 مواعيدُ، فَهل هَجرتْكَ وَحْدَكَ؟!
         1992.11.27

 

 

 

قراءة في القصيدة


تذكرني هذه القصيدة بعذابات (تانتالوس) في الأسطورة اليونانية.
وتانتالوس هذا هو ابن (زيوس) و (بلوتو)، وقد عاقبته الآلهة بأن علقت فوق رأسه حجرًا كان معرضًا للسقوط بين اللحظة والأخرى، كما أوقفوه وسط الماء في (هاديس) دون أن يستطيع الحصول على الماء نفسه، فكلما خفض رأسه ليشرب انحسر عنه الماء، ثم يعود الماء سيرته الأولى. ومن حُكم الآلهة كذلك أن تعلق فوق رأسه عناقيد الفاكهة، ولكن قطوفها هذه كانت قاصية لا دانية، وكانت تثير فيه عذاب الأماني.
وأحمد حسين هو بين العذاب والرفض، في مرحلة المعاناة التي تتقطر حتى تسيل شعرًا ينضح بهذه المعاناة، وينضج بها، فإن يصل الراوي الشاعر إلى سياج الأرض وحده، ويقابل الصدود صدّه ورفضه، وأن يصل به الاغتراب إلى درجة أن يشتاق وجهه كي يراه فهذه عناصر الفاجعة... يقاتل وحده، حتى إذا ابتغى تذكير القبيلة (جماعة العرب أو جماعته الفلسطينية المهادنة في وجودها) بأن الوطن كله الوطن، فكأنه كَفَر أو أشرك كَمْزدَك.
وتصور أن يفقد الإنسان صوته، أن يكون معلقًا مشبوحًا، أن يكون سكنًا لأشباح، ذاكرة لموال خزين، رواية لموت... إنه يعرف أنه يتصدى ويتحدّى، ومن يتصدى فماله سوى  أن يقتل أو يقتل، لأن كلمة الشرف والأصالة في عصر الهزيمة هي كلمة مخنوقة محاصرة، وكأنها زفرة مشحونة بطاقةٍ خاصة تستكلب عليها أكثر من قوة لتكبتها وتمحقها.
الراوي الشاعر ينتمي بعمق لبلاده وشعبه، لذا فله كلمة وله موقف، يناشد اللاجئة أن تظل وفية في موقفها، أن تبقى في رحلتها لا تخضع لكل الإغراءات والحلول التصفوية المؤقتة، فلم يبق إلا وطنها موئلاً وأملاً، وهذا التوحد النضالي يحسّه الشاعر عميقًا، فغناؤه/ نشيده أصيل، رغم ما يكتنف الغناء من حكم القدر وهو حَسّون الغصون، شاعر علاقته بالأرض ليست علاقة لهو واستجلاب... وعندما تغني "حساسين البغايا" يختلط النشاز بالأصالة، وقد تغيرت البلاد ومن عليها (ويمكن متابعة الاقتباس: وضاع الصدق وانقطع الرجاء، ولكنه لم يقل  ذلك ...لتشبثّه ببصيص النور)، إذًا على أي البلاد تقيم صدك وموقفك الرافض أيها الراوي؟ فأنت وحدك، فهل عدت إلا منعزلاً معانيًا، تكرر فعلتك بعذاب سيزيفي مستبد؟!
الراوي الشاعر ينافح عن قضية المخيم ومظاهر البؤس فيه، حتى لا يكون مصير المخيم ومن فيه كمصيره هو أو مصير تنتالوس مصيرًا قدريًا...يحذر المخيم من مساومات التجار، واللاجئة مظهر من مظاهر الاغتصاب في تجربة لا مثيل لها... ولم يبق إلا هؤلاء البسطاء عنوانًا للقضية في هذا الزمان السلعة.
الراوي الشاعر منتم، ويحس الخطر محدقًا به، فقد واعد دربًا (لا يراه) فهل ثمة أخطر من هذا المجهول؟ إنه يحس أنه رجع صدى لتاريخ مجيد لعله تاريخ كنعان (ومن المعروف أنه أبدع في كنعانياته التي قد أتناولها في دراسة خاصة) فهو ذاكرة لهم، وكأنهم موال حزين... آباؤه رعاة علقوا في الريح ناياتهم لنذكرهم، فما ذنبه إذا ألفى نفسه جزءًا من مسيرة، أن يجد نفسه راوية لموت، ومرة أخرى (لا يراه)، وهل هناك أخطر من هذا التعبير في الجو المأساوي المجهول؟!
آباؤه هؤلاء يعود إليهم ليصفهم أنهم (ما كانوا غزاة) ولم يُشهروا سيفًا لغزو البلاد... إنهم حملوا سيف الحنين وهو قوة... آباؤه في وطنه لم يلجأوا إلى تاريخ مصنوع ليتكئوا عليه في خرافة، وإنما كانت أرضهم شراعًا، وقد خُدعوا لأنهم حصلوا على الأشرعة دون السفينة.
هؤلاء الذين مضوا ظلت ذاكرة الوطن في أخلادهم، ولكنها تبدو مرهقة متعبة كذاكرة سجين....
والزمان له فعالية في هذا المعمعان، ففي هذا العصر العجيب تحققت لبعض الرجال ظروف مهيأة، فالراوي يقف منافِحًا عن الزمن لأن "كل ثانية تنادي خذوني" من هذه الظروف ومن هذا الغبن المجحف. لكن الزمان هذا يصف فيه الوطن وهو يأكل/ يفترس بنيـه كالذئبة، ويصف فيه الحظوظ التي يتكئون عليها، سواء كانت اقتصادية أو مخلوقة خلقًا  ، ولها كهان ومبشرون وأدوار خفيّة... إنها ليست بمثل هذه البراءة الحظيّة، لأن الجسد يخون دماءه (نحن نخون أنفسنا) كما تسري سموم الجذع في أغصان الشجرة... كل قبيلة/ جماعة فينا لها كهف وأفعى وساحرة (صورة ميثيولوجية للخداع، وللاستيلاء على عقلانية الإنسان، والمخاتلة، إنها أدوات اضطهاد... وعلى كل مستوى جماعة منا)
وفي كل قبيلة جلاد –تعبير عن الخيانة والانحراف، فلهم في كل عرس قرص (في كل مدخنة دخان)، يتاجرون حتى على حساب الشهداء (خبز في القبور) أو على حساب المسجونين...
إزاء هذا الوضع القاسي الرهيب يبقى الشاعر منتميًا- كما قلت- "أنا منها فإن بقيت سأبقى"
فما دام الوطن قائمًا فهو يذود عنه إلى أن يقهر... وسلاحة الكلمة والشعر والصدق:
"وما لي غير هذا الشعر سيف"
والراوي الشاعر يصنع من نفسه شخصية تمتلك معادلاً موضوعيًا معبأ بالإجراءات المتصارعة. إنه في حديثه عن ذاته المفردة ينقل أخبارًا، يصف دلالات الواقع الممض "تموت قبائل المنفى عليهم"  عليهم- على اللاجئين، وقبائل المنفى تضع موتًا فوق موت... والدول العربية أنظمة تؤدي حبًا مدعى (مثل موت الياسمين... بصورة جميلة ولكن خفية)
حديث الراوي الشاعر هو الحديث عن الموضوع نفسه، يلتقي مع النفس القصصي (وقد عرفنا الشاعر قاصًا مبدعًا كذلك)... بعبارة أخرى إنه يقدم مشروع قصة، يعايش بذاته الصادة المعاندة حكم قبيلة جائزة تحاول حتى نفي الجراح عن الأذنين وكتم الأصوات المتألمة.
فإذا تمرد عليها الراوي بصعلكة موقفية فإنه سرعان ما يعود ليلتزم بهم القبيلة هذه، فقد ورث دماءهم، فتوارثته الشجون تلو الشجون، وكأن الشجا يبعث الشجا... إنه واحد من جماعته، فرد يطلق إحساسه المكبوت عاريًا جريئًا مشكلاً بذلك إحساسات مؤجلة أو خامدة الحركة... يأتي إليها بنَفَس شعري متفجّر حاد، تسايره القافية المقيدة أولاً بقطعها: وحدكْ، بعدكْ، حدكْ، وتشي كاف الخطاب بهذا التمرد الكاسح. ثم ما يلبث الإيقاع أن يتغير إلى قافية النون المكسورة، فتأتي حركتها أنينًا وحنينًا وبكاء. وعبر هذا التنغيم يكون مونولوج وديالوج في نفس الآن. يخاطب نفسه ما بين حركتين اثنتين: سأقتلكم به أو تقتلوني.... وتنتهي القصة/ الحكاية في آخرها بأبيات ثلاثة تعود إلى القافية الأولى الحاسمة، وكأنها تذكرنا ألا مناص من العودة إلى ما بدأنا به... هنا مونولوج أكثر... تلخيص موقفي مأزوم، فغناؤك يا حسون الغصون لا يقرّب دارًا، وستظل نازحًا... ضاعت المواعيد والموازين، وبقيت وحدك أيها الشقي، لكن هذا المونولوج عمليًا هو ديالوج ينعدم فيه الطرف الثاني، ويتلاشى تدريجيًا في خذلان موقف أولاً، وفي إصرار الراوي ثانية، وهو يصبح: اذكروها. تنهمر الصور الحسية أكثر، وهو يخاطب طفلة المنفى "مخيمك السفينة". بمعنى أن بقاءك المؤقت في عذابك هو الذي سينجيك ويوصلك إلى البر، فلا تنخدعي بجزر السراب، ولا يخدعك التجار المساومون بالأشرعة، فهي لن توصلك وحدها.
إذن هو يستلهم من الموقف الظاهر موقفًا آخر يرسم عبره صورًا جديدة غير مألوفة في تضاعيف صور ألفناها، وذلك في فاجعية مكثفة:
أنا رجع الصدى لا الصوت صوتي
                            ولا الوادي ولا هذا أنيني
رعاة علقوا في الريح نايًا
                         لنذكرهم، سلوا من علقوني

فما ذنبي أنا .... أنا جزء من مسيرة، أنا صوت من الأصوات، والأنين ليس مقصورًا علي فقط. إن تركيبات العبارات ومَبنَويتها تحمل شحنات هائلة من التلاصق والتماس، وتخلو من كل حشو غير موظف، ولنسق مثلا:
وتنسج عنكبوت الرب فيه
                       عباءات الصباح من العيون
العنكبوت مرتبطة بالبيت الواهي الواهن، وقد أضيفت إلى رب موهوم، والكنايات كلها كما يبدو  لي أنها الصهيونية التي تتنكر للوجود العربي... هي تنسج من عيون المقيمين وأصحاب الحق ما ترى به...
وعباءات الصباح تعبير مركب قد يحمل شحنة سخرية ، لارتباط العباءة بكل عربي مُسلِّم بالأمر بلا هوادة.
العباءات تتصف بالتبعيد، فثمة توليد دلالات مكثفة لها طابع الاحتمال وعدم الاحتمال، كما لاحظنا في تأويل البيت السابق، واقرأ معي كذلك:
     لهم نجم يخافت ثم يبدو
                      على تعب كذاكرة السجين

فهل يبدو لنا أن (لهم) تعني للاجئين... وهل يسلم الشاعر ببداية الضياع ....فقد أصاب ذاكرة السجين وهنٌ ما؟!!
وثمة مواصفات غامضة غريبة في القصيدة، وهي عجيبة تهز المشاعر وتثيرها في رعشة... نصحو بعدها، ونسأل: من هم هؤلاء الرجال الذين تهرب منهم الأيام وتتمرد عليهم الثواني؟!
هل هم الشعراء الآخرون (حساسين البغايا)؟
 هل هم البائعون الذين عندهم ما ليس عندك؟!
هل هم القبائل... ممثلة بسياسة الدول العربية؟
ونلاحظ أن هذه الدّوال هي بمداليل منفسحة ومرنة لأكثر من إمكانية في التصور، لكن الدلالة الأولى والمنطلق الأول في مبنى القصيدة هي/ هو النفس الحر الحار الذي قدّم هنا حركة العلاقة داخل بنيوية التعبير الأدبي...
وأضيف هنا ملاحظة ما أصطلح عليه في النقد الأدبي الفجوة (gab) وقد لاحظت في القصيدة من أنواعها حذفًا (omission) فالقارئ الذي يقرأ:
أنا رجع الصدى لا الصوت صوتي
                            ولا الوادي.... ولا هذا أنيني
قد يخفى عليه أنه يؤكد كونه صوتًا من مجموعة أصوات يئن معها. والقارئ الذي يقرأ "ذاكرة لموال حزين" قد تفوته قناعة الشاعر الكنعانية. والقارئ الذي يقرأ "ولا حملوا على الذكرى سواهم" يضطر أن يكمل الصورة عن طريق استحضار الطرف الآخر الذي يزعم ويدعي...
ولا إخال أي بيت من النص يخلو من ضرورة التتمة والبحث عن المعنى.
وأعترف في الختام أن هذه القصيدة بحاجة إلى معاودة نظر، فقد لاحظت فيها استطرادات وعودات كثيرة إلى محاور مختلفة أركزها:
• ألأنا المُعاني والمهدَّد في حياته وفي شعره.
• المخيم الذي يجب أن يحافظ على صدق انتمائه للوطن إزاء الانتهازيين.
• القبيلة التي تحاول أن "تخصي" القضية وتفقدها فعاليتها.
إنه يراوح بين المواقع الثلاثة، ولكنه يمسك بخيط القصيدة الرائعة التي تروع بكل دلالات اللفظة.

 

 

 


القصيدة:
أنفاس الظباء
موسى حلف

عندما يرسم طل الفجر
      عينيك قصيدة...
       ويغني لحنَهُ...
       جدول في ناظريك
       وشراع ينطوي...
       في قاربي...
       أسلب النجم..وأهديه
       لعينيك وشاحا..
     
      حين أرض.. أنت فيها
      ترتوي غيثا دقيقا
      وندى..
      يكبر الزيتون فيها
      ويصير النرجس الفتان...
       نارًا تتلظى..
       في قلوب العاشقين

      عندما ينقش عصفور
      على خد الورود الحالمة..
      حلما حرا.. وشوقا غردا
      وحبال النور فيها..
    يكتوي ثلج السفوح الناعسة
    أجمع الورد لنهديك غلاله.

   كلما زينك الصمت جمالاً
   وخيالاً جامحا..
   يصبح الصمت صلاة
   وطقوسًا.. نزرع الدفء
   على سمر الشفاه التائهة

  عندما في السفح ينمو
  "زعتر"
  وتوشح..
  نفسها الوديان بالعطر
  الذي
  ملأ السفح بأنفاس الظباء..
  أكتب الشمس لعينيك
  نشيدًا
  كي يصير الصبح أحلى..
   كي يصير الغيث رقراقـًا
   جميلا..
   كي يذيب النجم في عينيك
   للكون قصيده..

 

قراءة في القصيدة

ليست كثيرة هي القصائد الغزلية في شعرنا المحلي- نسبيًا.
وقصيدتنا هذه فيها أنفاس الشعر الصافي،ورقة العاشق اللهفان،كتبها موسى حلف(من عرب الحلف)-وهو نفسه صاحب الكلمات الملحنة والمغناة التي أذيعت له في أكثر من أغنية محلية. وهذه القصيدة مؤلفة من خمسة مقاطع تبدأ كلها بجمل ظرفيه وكأنها شرطية:
عندما...
حين...
عندما...
كلما...
عندما...
وبالطبع فهذه التوزيعة لـ"عندما"فيها تراوح واطراد ودوران، ولا أدل على هذا الدوران من علاقة القصيدة بعيني الحبيبة في مطلع القصيدة وخاتمتها.
ولنعد على بدء:
في المقطع الأول يبدأه "عندما"وكأنه احتمال، ولكنه لا يعني إلا الوقوع والحدث، فقد رسم ندى الفجر عينيها. في أية صورة؟
-قصيدة، ولماذا قصيدة؟!- لأنها خلاصة الأحلى والأجمل في نظره، وكما اعتبرت الموسيقا اللغة الأعلى فإن الشاعر يجعل القصيدة(أو الشعر) مشبهًا به أقوى، فلا بد إذن أن يكون للقصيدة عنوان أخر هو "قصيدة"،بل (القصيدة).ومرة أخرى يعود الراوي إلى ناظريها، فيرى فيهما جدولا يغني لحنه ، وبالطبع فإن اللحن استمرار للقصيدة وضرورة فيها.
وإذا كانت العينان جدولاً فلتتوقف رحلة معاناته، وليطو الشراع، وليترصد النجوم في رحلة"عيونية"، لعله يسلب منها نجمًا، حتى يهديه إلى عينيها، وحتى يوشحها بالضوء. على ذلك، فعيناها كالقصيدة، وفيهما جدول يغني لحنه، وها هو الراوي يترصد ليعود بالنجمة، وليقدمها لصاحبة العينين حتى يزداد إشعاعهما وألقهما.
في المقطع الثاني يتبين لنا مدى علاقة الحبيبة بالأرض، فأنى تكن الحبيبة فإن الأرض ترتوي بالغيث الرهام –الغيث المنهمل بطيئًا، فيخر في باطن الأرض ليعود نعمة وخيرًا وغوثًا، ويغمر الندى وجه الأرض، ويكبر الزيتون- علامة ارتباطنا بالأرض، ودلالة البركة، أما النرجس فعيونه الفاتنة تذكر العاشقين بعيون معشوقاتهم، وفي هذا تصاد مع الشعر القديم الذي ربط بين عيون الحبيبة وبين فتحة النرجسة، وقد تساءلت عن سبب تكرار هذا المعنى في شعرنا القديم، وكذلك في الموشحات على نحو ما قاله لسان الدين:
غارت الشهب بنا أو ربما      أثرّت فينا عيون النرجس
فوقعت على مقطوعة لابن الرومي تفصح عن سر هذا التشبيه، إذ قال في نرجسة:
ترى أصفرها الفاقع                         في أبيضها المونق
كعين الناظر الضاحك                    في محجرها المشرق
وشبيه بذلك ما قاله الشاعر نفسه في بيت آخر:
وأحسن ما في الوجود العيون      وأشبه شيء بها النرجس
وفي المقطع الثالث يعرفنا الشاعر على طبيعة الهدية التي سيقدمها لنهديها، أو على الأصح غلالة لهما- في غطاء شفاف رائق-، ويبدو لنا أن الهدية مؤلفة من:
أ- الحلم الحر (الذي نقشه عصفور حلم الورود)
ب- الشوق، الغرد، فالعصفور ينقش على الورود هذا الشوق الذي يطلق العصفور. (هنا لا يقول لنا إن تغريده يحمل الشوق، إنما يعكس المعنى ليزيد الصورة جمالاً ومفاجأة- الشوق الغرد. وماذا تضم هذه الورود التي داعبها العصفور؟- إنها تضم حبال النور فيها. أي أن للنور امتدادات وإشعاعات، كل ذلك عندما تذوب الثلوج (رمز البرودة وانقطاع الحب) على هذه السفوح الناعسة – صفة مستعارة من العيون يخلعها على السفوح لتزداد رقة وأُنوثة.
وفي المقطع الرابع يتركز الشاعر على صمتها الأخاذ، الذي يُضفي عليها جمالاً باهرًا، فالصمت يزينها جمالاً (لفظة مباشرة، ومجرد التعبير) ولكن مع الجمال ثم خيال جامح- وهنا مجال للانطلاق وللتوثب... وإلى ماذا سيؤول الصمت؟- يصبح صلاة وطقسًا وعبادة.
ولكن لمن؟ وما هي؟- لا تهمنا الإجابة بقدر ما تهمنا النتيجة، فها هي العبادة تزرع الدفء والحياة على الشفاه السمراء التائهة المتلهفة الباحثة عن انسجام.
وفي المقطع الأخير ينقلنا الشاعر إلى جو الطبيعة، إلى الزعتر النامي في السفح، إلى الأودية الموشحة بالعطور- هذه العطور التي غمرت السفح بأنفاس الظباء البرية- جمال في الطبيعة، رائحة كالمسك، وقديمًا قال المتنبي: "فإن المسك بعض دم الغزال".
ماذا سيفعل الراوي في مثل هذا الجو الحالم الساحر؟
أ- يكتب الشمس نشيدًا لعينيها. لا يكفي أنه وشحهما بالنجم- الذي سلبه-، فقد ازدادت حميّا الارتباط، وهنا هو لا ينسج من نور الشمس سوارًا يضعه على يديها- كما تقول الأغنية -، إنه سيكتب الشمس، ماذا؟ وكيف؟
-سيكتبها نشيدًا ما دام الجدول يغني لحنه فيهما، إنه سيقدم النشيد (مصحوبًا بجوقة) كي يصير الصبح أحلى، حتى يرسم طل الفجر لوحته بشكل أبهى وأزهى- كما في المقطع الأول-، وحتى يصير الغيث رقراقًا أو أرق- كما في المقطع الثاني- وهذا النجم الذي أهداه وشاحًا لعينيها لن يكون نجمًا عابرًا أو وصفًا مجردًا، بل له فعالية، فهو سيذيب في عينيها للكون قصيدة. ونحن هنا ننتبه إلى "الكون" إلى الشمولية، وكذلك إلى "قصيدة"، وهذه تعطي مبررًا آخر لتكون عنوانًا مركزًا ومكثفًا للقصيدة. إنها قصيدة الوجود في العينين الساحرتين.
 وبعد أن طفنا حول عيني حبيبته، وشهدنا تلهفه لها، لا بد من وقفة على مبنى القصيدة. وقد لاحظت فيها نمطين مما اتفق النقاد على اعتبارهما من عناصر الحداثة، هما "catacylism" – الهزة الخفيفة-و "Deviation" الإزاحة-، والمصطلحان مستعاران من مصطلحات (السيسمولوجيا). وسأحاول أن أقدم نماذج من كل:
ففي التعابير: يرسم طل الفجر عينيك قصيدة" أو حتى في نهاية القصيدة "كي يذيب النجم في عينيك للكون قصيدة"، فإننا نلاحظ هذه الهزة أو الرجرجة في تحريك المألوف أو السائد، ولكننا سرعان ما نعود لنتشبث بالواقع ونمسك المعنى. وعلى غرارهما:  "وتوشح نفسها الوديان بالعطر" أو "كلما زينك الصمت جمالاً".
ولكن الإزاحة أو الانزياح- كما يحلو للبعض ترجمتها- نجده في المعاني التي تخرج أو تبتعد عن منطقية العبارة، فعندما نقول:  "ينقش عصفور شوقًا غرّدا" فإننا بحاجة إلى أن نخرج المنطق المجرد (تغريد العصفور (إلى عملية نقش يقوم بها العصفور، وإلى كون الشوق هو المفعول الأصلي،  وصفته غرِد، وقد لا تكون العلاقة وطيدة بين العصفور مباشرة و(غرد) مع أن الصوت له وفيه.
وعندما يقول الشاعر: "زينك الصمت خيالاً جامحا" فإننا إزاء جدة أو إدهاش، وعلى نحو ذلك: "أكتب الشمس نشيدا...الخ.
وقد لاحظت في القصيدة هذه الصور الشعرية المتنامية المركبة، وتتدرج حتى المقطع الأخير لتؤكد صورة جمال العينين وانبهاره بهما.
ولعل المزج بين الوطن/ الأرض وبين المعشوقة من خلال الزيتون والورد والسفوح والزعتر و"الوديان" والظباء والغيث والنجم- هذه المظاهر المتجلية في بهاء- تنعكس على عينيها، فتتماهى الأرض بالحبيبة، والحبيبة بالأرض؟ وبالطبع فهذه الصور المتآزرة المتضافرة تلتقي في حضرة عينيها، اللهم إلا لقطة الورود الحالمة المهداة "لنهديها".... إلا إذا قرأناها بمعنى: لنقدم لك هدية، ويقلل من إمكانية هذه القراءة الأخيرة عدم الوفاء ،  فكيف يتم المعنى: أنا أجمع الورد ونحن جميعًا نهديك. أما إذا كان المعنى يتعلق بالأرض المعشوقة فيصح ذلك، فهي لنا جميعًا، وكل يقوم بواجبه، ونحن جميعًا لها. وعلى كل فالقراءتان مباحتان- خاصة والقراءة الأولى كنا قرأنا مثلها لبشارة الخوري:
سكر الروض سكرة صرعته
                     عند مجرى العبير من نهديك
والعنوان "أنفاس الظباء" لا يشير بأية حال على علاقة بعينيها، إلا بعد أن يتوصل القارئ إلى عطر الأودية- وهي الصحيحة لغويًا- الذي ملأ السفوح بأنفاس الظباء- إلى منظر طبيعي رائق، وهو ظرف أو زمن - عندها يقوم الراوي بتقديم نشيده الجديد. والظباء ليست مقصورة على عصر جاهلي أو بيئة صحراوية، فهي على مرمى البصر في بلادنا الجميلة.
إنه لم يستعر منها عيونها (وهذا ما نعهده عادة)، بل استعار منها أنفاسها، حرارة لهاثها، دفء راحتها... وهل أرق من نَفَََس يتواصل مع نفس، إذا جمعتهما اللهفة، واندمجا في لحن أو أغنية أو حوار صامت أو صلاة، إنه الدفء الحالم، أو إنه "القصيدة".
وعلى الإجمال، فالقصيدة تدل على حالة وجد يعبر عنها الشاعر بصدق شعوري بعيد عن التكلف أو تركيب العبارات. إنه يتلاحم مع طبيعة بلاده، ويضفرها نجمًا لعينين أخاذتين، هما خلاصة الانتماء ومعنى الوفاء. وكل ذلك تأتـى له في بحر "الرمل، المشبع بالغنائية والشفافية- وخاصة إذا اندغمت فيه ألفاظ رقيقة وتكرارات مترددة بعذوبة- هذا التكرار الذي تساوق في القصيدة من معنى إلى معنى، لكنه المعنى الواحد في الصورة المركبة.

 

 

 


قراءة في شعر سوزان دبيني
(قصيدة: بدون حبك)

يوم أن صدرتُ مجموعة سوزان الأولى "عندما تضمني إليك" قلت إنها قصائد حبية قصيرة كالومضات المدهشة. إنها قصائد فيها قفلة أو تخريج محفز للتساؤل أو مثير. قصائد انسيابية عفوية وإنسانية مفعمة بالجدة والطرافة تنفذ إلى القلب من غير جواز مرور، وتطرق باب الوجدان بالرقة الأنثوية الغارقة في الاحتواء والعابقة بالاحتواء - وعمدًا أكررها. قصائد تقول إن المرأة مرآةٌ لنفوسنا الظمأى ..للنبرة الصادقة والتقاء مع الخلجة الولهى، واكتواء بحرقة رائعة سواء اتصلنا أم انفصلنا... وَيْ!
سوزان هذه الشاعرة الواعدة التي جعلت الشعر بتوصيفة أخرى ليس لها علاقة بالوزن ولا بالقافية ولا حتى بالإيقاع الداخلي الهلامي، وليس لها وشيجة صلة بجزالة مطروقة مسبوكة.
قصائد سوزان زهرات تتماثل كثيرًا في الروض، ولكنها عبقة أولاً ،  ورسم لحقيقة جديدة ثانية... غريقة بالوجد والمؤانسة.
قلت: ما أحوج شاعرتنا إلى الالتحام بالطبيعة بشكل أقوى حتى تقول على غرار ما قالت:
كلما ذكررت اسمك
            تعطرت الدنيا
                 بأجمل أنواع العطور
                        فقد استخرجتك
                              -حبيبي-
                                  من ذاكرة الياسمين البيضاء

ومن قصائدها التي تجند الطبيعة في أصداء الذات، سنقرأ معًا قصيدة "بدون حبك" وسنتوقف على ملامح فيها:

القصيدة:
بدون حبك
عيوني غيوم
تمطر صيف شتاء
ألوانًا من العذب
ألوانًا من الشقاء
بدون حبك
تغيب الشمس قبل المغيب
يحني القمر رأسه
حزنًا وأسى
على القلب الكئيب
بدون حبك
تبكي أغصان الأشجار
تودع أوراقها
الصغيرة
الوداع الأخير
هنا معانقة بين التلقائية والخروج عن المألوف، فالموضوع هنا فقدان/غياب حبيب، وهذا يؤدي إلى نتائج تخرج الطبيعة عن مألوفيتها. هنا ربطت بين الحدث وبين الصورة الفنية في معادلة مركبة.
التجربة الإنسانية فيها مزج بين الواقع والمحتمل- هذا المحتمل دلت عليه هنا بالرؤى بالأحلام، فالدموع أصبحت تنهمل كمياه المطر، لكنها ليست سائلاً ...إنها ألوان من الشقاء.
والشمس ها هي وللمرة الأولى لا تجري لمستقر لها، وإذا كانت الشمس قد وقفت سابقًا ليشوع بن نون فالشمس هنا تأفل مبكرة احتجاجًا على جفاء الحبيب، وهذا القمر لا يملك إلا أن يحني رأسه حزنًا وأسى.
وهذه الأغصان هي كذلك تبكي وتودع أوراقها الصغيرة "تودع" هل لهذه اللفظة علاقة بالنهاية بينها وبينه؟
" الأخير": هل هي مجرد كلمة؟
إنها ألفاظ لها ظلال، ولكن الربط فيها غير آلي ميكانيكي، ففي النثر نرى أن الهدف هو الوصول إلى المعنى، والكلمات مدلولات موازنة للأفكار، ومنطق الفكرة هو محك التعبير، بينما هنا في القصيدة- وفي الشعر عامة- تكون كلمات الشاعر رموزًا، وليست مجرد مطايا للفكرة، فالصورة تتخذ مسارًا لفظيًا: "بدون أحبك"- جملة عادية، لكن وراءها زفرة ألم معبأة بالغضب، أو على الأقل بالأسى، أو بالاحتجاج. ولماذا هذا التعبير إن لم يكن للتأثير الوجداني على القارئ؟ فتنقل القصيدة التجربة إلى ساحته هو، حتى إذا اصطدمت لديه الأحداث والرؤى والأحلام انطلق القارئ في دالة رامزة...القارئ يستوحي من خلال النص ذكرياته الشخصية، قد تشحنها كلمة هنا أو هناك: القمر، الشمس، تكرار "بدون حبك"، الأخير. إنها بالتالي أجواء قد تتواتر أو تظهر ثم تتوارى ، تتوارى ثم تستقطب، وتتناغم في نفس القارئ.
من هذا المنطلق رأيت جملاً نثرية كذلك كقولها: "ألوانًا من العذاب" وقد يسأل سائل: لماذا قبلت "ألوانًا من الشقاء" ولم تقبل الأولى.........؟
قلت إن التكرار هنا من نافلة القول، فألوان الشقاء تغني للدلالة على العذاب والمعاناة.
ثم ما ضرورة قولها: "حزنًا وأسى على القلب الكئيب"
"على القلب الكئيب"... صورة وصفية مباشرة يمكن التخلي عنها، فبقدر ما تكون القصيدة مختزلة مكثفة تكون روعتها، "حزنًا وأسى" فحسب.
وسوزان عرفت كيف تختزل وتكثف التجربة في كثير من قصائدها، ولكني أخشى عليها من النمطية، ذلك لأن إثراء الشعر يتأتى في ظروف تستجد بها الأحداث والأفكار، وعندها تغنى الرؤى الأحلام... وعندها يَغنى الشعر، وعندها نُغنّي.

 

 

 

 

قصيدتان وشاعران:
1 -

يدُك
                                          شعر : إبراهيم مالك

يدُكِ الفراشُ أم الحريُر
    أم برعُمُ الفلِّ   النضيرُ
أم ريشُ زغلول ِالحما
    م وزغْبُهُ الغضّ الوثيرُ
أم وردةُ الجوريِّ في
     نيسان يانعةٌٌ  عَطــورُ
أم أنها حبقٌ سقا
    هُ الكوثر العذب النميرُ
يا طيبَ لحظة نلْتقي
   طفلان نحن فهل يضيرُ
أنّا نحاول وقفَ دو
   لابِ الزمان ِ فلا يدورُ
لنروح نلهو ساعةً
   والأفقُ ملعبُنا الصغيرُ
نغفو على حلُم ِ ويو
         قظ روحَنا الشوقُ الحَرورُ
لا الجدولُ الرقراقُ يَر
   وينا ولا النبعُ الغزيرُ
يدك ِ الفراشُ أخاف أل
             مُسه فينخدشُ الحريرُ
تندسّ بين يديَّ في
     حذر ٍ فينتشرُ العبيرُ
ويدبّ ملَء جوانحي
     من طيبهِ خدرٌ مثيرُ
فأروحُ في غيبوبةٍ
         نشوانَ تسكرني العُطورُ
يدُكِ الأسيرةُ في يدي
      أم أنني وحدي الأسيرُ؟!!!

 

قراءة في القصيدة

منذ أن بدأت حكايات الغزل بدأت الوقفة مع لمسات اليدين تحسسًا للتواصل، فهذا أبو صخر الهُذلي يصف يده وتفتَّحها:
             تكاد يدي تندى إذا ما لمستها
   وينبت في أطرافها الورق الخضرُ
وفي الشعر الرومانسي كثيرًا ما تطرق الشاعر إلى اليد ونعومتها، ولكن لم يعمد إلى تخصيص قصيدة، كما فعل نزار قباني في أكثر من قصيدة من شعره ؛ ففي قصيدة "يدي" (الرسم بالكلمات ص 43)
يخاطب المعشوقة:
"أصبحت جزءًا من يدي
اسمك مكتوب على أبوابها
وجهك مرسوم على ترابها
تذكري
لعبت بالثلج على هضابها
وضِعت كالنجمة في أعشابها
كم مرة
دفأت كفيك على أحطابها
لا لست جزءًا من يدي
أنت يدي"

ولن أتناول هنا قصيدته الطويلة - "حوار مع يدين أرستقراطيتين" (سيبقى الحب سيدي، ص 97) ،  فهذه تدل على قدرة وصفية أكثر مما تحمل شحنات انفعالية، رغم هذه الذروة التي أنهى بها :
 أصابع موزارت
توصلني إلى حالة انعدام الوزن
وأصابعك
توصلني إلى الله
(أعيد نشر القصيدة في مجموعة نزار: مفاجـآت امرأة رومانسية، ص 106).
سأعمد إلى قراءة مصاحبة لنص الشاعر  إبراهيم مالك في شيء من التفسير وشيء من الإضاءة، وذلك بغية خلق صلة بين القصيدة وبين المتلقي. ويستطيع المتلقي – مع ذلك – أن يفلت من "إسار" تصوراتي أنى شاء، فالخطوط والمعالم التي أرتئيها ليست ذات قدسية أذود عنها، وأنا أقرأ في نقدي لأداعب النص وأعايشه، أحلق في أجوائه متلمسًا جمالية أستشفها.
ويلاحظ القارئ أنني لا أمدح ولا أقدح، أي لا أحكم سلبًا أو إيجابًا، وإنما هي ملاحظات أتمثلها في نفسي من خلال معالجة النص.
في قصيدة إبراهيم – بدءًا – تساؤلات، هي بالتالي للتأكيد على أن اليد هي :  فراش، حرير، برعم الفل النضير، ريش الزغلول أو زغبه، وردة الجوري، حبق سقاه الكوثر........ والمشبه به في كل مرة يدل على هذا الإحساس النديان بعذوبة اليد ،  إذ هي وادعة بين يديه المتلهفتين.
ثم ينتقل الشاعر إلى وصف طيب لحظة اللقاء، وكيف أنه حاول أن يوقف دولاب الزمان، وعندها سيلهو وقتًا في مسرح الأفق، يغفو على حلم، فيوقظه الشوق. وهو في لهوه وغفوته ويقظته يظل يحوم في دائرة السعادة والجمال.
يعود ثانية ليصف اليد "الفراشة" التي يخاف أن يلمسها، وهو يخاف أن يخدش الحرير. وعندما تندس يدها بين يديه – في حذر – ينتشر العبير تدريجيًا مع وقعه. عندها يستفز الحذر المثير جوانحه، ويصاب في غيبوبة النشوة وقد أسكرته العطور، وهنا نتذكر ما قاله قباني:
لا تسألوني ما اسمه حبيبي   أخشى عليكم ضوعة الطيوب
زق العبير إن   حطمتموه            غرقـتـــــم بعاطـر سكيـــــــب
                                                                                    ( أنت لي ، ص 109 )
وتنتهي قصيدة إبراهيم بتساؤل فيه عودة إلى أسلوب "تجاهل العارف" فهل يدها الأسيرة أم أنه وحده هو ذلك الأسير؟!
وسواء أجبنا بالشق الأول أم بالآخر فإن كل إجابة لا تنفي واقع الحال في كليهما. والشاعر يصف عبر ملامسة أو عبر غفوة يدوية منتشية، وهو يحس أنه أسير بين يدي الهوى، بين يدي صاحبته، فيأمل أن يتوقف الزمان ليلهو، بين يديها ، ولينعم بالطيب والدفء والعبير والخدر – وهي أوصاف حسية لها صلة بالتجربة الشعرية، وفيها خيط الصدق ونسغه.
وأنا لا أتعجل الحكم على أن في قصيدة الشاعر معاظلة (تعبير ورد في نقد لعمر بن الخطاب) فتراكُب التشبيهات وتلاحقها يشيان بذلك  من خلال  توزيع الصور الحديثة في العقل اللاواعي.
      وفي قول الشاعر: "لا الجدول الرقراق يروينا ولا النبع الغزير".
أرى هنا إحالة وغلوًا، وكان يمكن أن يكون بصوت أهدأ  ، كأن يقول (  وعذرًا لأني أقترح )  :
 "لا الجدول الرقراق يظمينا (أو يغنينا أو يجزينا، يسلونا...) لكي  يبدو لنا وكأنه يذكر حبه في رقرقة مائة وخريره.
ويلاحظ القارئ أن البيت الثاني مركب بصورة تكاد لا تتوافق شعريًا، وذلك بما يستضيف من حشو غير مبرر، فما فائدة "الحمام" ولماذا "الريش" و "الزغب" معًا؟؟
 كما أن عنوان القصيدة لم يحمل صورة فنية، بل هو يصلح لأن يستقبل أي معنى: من يد الإحسان إلى يد الله فوق أيديهم ، إلى يد الدهر........ ثم إن تأكيد "يدك الفراش" ألغى سائر الفرضيات . 
إن القصيدة مع ذلك فيها وحدة موضوعية ،  ففي تكرار (أم) نحس وكأنه يحمل آلة تصوير ،  وكل (أُم) كأنها وقع صوت هذه الآلة للانتقال إلى صورة أخرى. حتى إذا وصلنا إلى البيت الأخير - إلى الأسر وصلنا إلى قصيدة وقد  تكاملت عن يد المعشوقة -  عن يد الآسرة.
لقد حافظت القصيدة على الوزن العروضي ، وكأن الشاعر يثبت بذلك خطأ الرأي الذي يرى أن العصرية والثورية والانطلاق يحد من صلاحية القصيدة القديمة، وأصحاب هذا الرأي  يذهبون إلى أن المضامين الجديدة يجب أن تكون في قوالب جديدة ، بل يغالون  في التشبيه أو التمثيل  إلى درجة التأكيد أن المضمون نفسه هو الشكل.
وفي رأيي أن القصيدة هي في بنائها الكلي وفي أدائها ومنطقها وبوحها ،  وقد صدق الشاعر  المرحوم عبد الوهاب البياتي  إذ قال لي في لقاء معه في عمان:
إن الخطأ الذي يقع فيه الكثير من النقاد أنهم يفضلون هذا الشكل من الكتاب أو ذاك اللون أكثر من سواه ناسين أولاً وأخيرًا مسألة الإبداع ... والإبداع في رأيه" صاعقة خضراء لطيفة منعشة تحرك الدماء والقلوب وتثير الانتباه والوعي وتسبب النشوة".
ولعل في قصيدة إبراهيم تناصًا هو حوار داخلي أو تماثلي، فإذا قال إبراهيم مالك:
"إنـّا نحاول وقف دولاب الزمان فلا يدور"
فإنه استوحى ذلك من نص  للامرتين  الفرنسي  ( 1790 – 1869 )  هو : 
O, temps, suspends ton vol !
Et vous, heures propices
Suspends votre cours  
وترجمة ذلك كما ورد في "فن الشعر" لمحمد مندور:
"أيها الزمن كُفّ عن جريانك
وأنت أيتها الساعات السعيدة قفي انسيابك"!
وكنت قد أشرت في تحليلي لقصيدة الشاعر الفرنسي " البحيرة "  ( صدى التربية، حزيران – 1992)   إلى أننا لو أخذنا في مناقشة طلبات الشاعر منطقيًا لرأينا أنه  يطلب عبثًا، فكيف سيتوقف الزمن ؟؟؟ ولو توقف حقًا لاعترى الحياة ركود وموات، ولما كان هناك فرق بين البداية والنهاية، فالزمن باعث على التجديد والإفناء والإحياء، ولكننا في الشعر لا نجيز هذه السببية والمنطقية.
                                                                    

                                                     

 


2- يدّ تَفَتّحَتْ قرنفلة
أميمة جبارين:

أبحث عن يد:
خطوطها جداول
راحتها واحة خضراء
لم تدسها الأحذية الوحشية
أبحث عن يد:
أناملها قصيدة وَقَمر
دفقها بيلسان وَشَجر
أبحث عن يد:
تمتد من بؤرة نور
من غفوة الشيطان
يدٍ قبلتها حمامة نوح
انفلتت من قبضة التتار
فصارت
حمامة
ونهار


(من مجموعة الشاعرة: امرأة الريح، منشورات الطلائع- 1994، ص59)

 

قراءة في القصيدة:

وأمامنا نصّ آخر  من شعرنا المحلي  في موضوع اليد، ، وسأعمد هنا إلى قراءة مصاحبة للنص في شيء من التفسير وشيء من الإضاءة، وذلك لخلق صلة بين القصيدة وبين القارئ.
شاعرتنا أميمة، أو على الأصح الراوية الشاعرة تبحث عن يد، عن دفء، لذلك فحظ الخيال الشاعري فيها كبير، ذلك لأنها في مستوى معانقة الحلم. خطوطها جداول (لاحظ أن الجداول هنا رمز للري- للحياة بينما أن الجدول الرقراق لدى الشاعر السابق يكفي في ريه أو إروائه).
لو عدنا إلى الوصف "خطوطها جداول" لوجدنا المشترك في الرسم الخارجي أو ما يوازي الوصف الاستعاري. وإذا كانت هناك الجداول التي تبحث عنها فذلك يعني أنها تبحث عن الراحة المنشودة.
عن الواحة الخضراء، ولماذا "واحة"؟
 لأن الصحراء والجدب لهما مكان ومكانة في الفعالية المضادة- على الأقل في عالمها.
تكرر "أبحث عن يد" ثانية لتصف الأنامل التي تنشدها، كأنها قصيدة وقمر. وهي لا تكتفي بمشبه به واحد، لكنها جمعت المشبهين معًا لترى فيها صورة واحدة، وكأنها "قصيدة تقرأ في ضوء القمر".
وأما دفقها (استعملت كلمة ذات طاقة إيحائية) فهو بيلسان وشجر. ترى هل أضافت "وشجر" لتقول لنا" وشجر آخر"؟.
تكرر "أبحث عن يد"  ثالثة، وتبتعد هنا عن التشبيه البليغ، فتنقل لنا صورة متنامية متآزرة، فهذه اليد:
أ. تمتد من بؤرة نور (من مركز الإشعاع)، ولكن بالإضافة لذلك         ب- من غفوة الشيطان- من غيابه- بمعنى البراءة والطهارة، ويؤكد ذلك قولها       ج- يد قبلتها حمامة نوح- بمعنى السلام والسلامة- (انتبه إلى الفعل فهو يدل على بحث جارح عن هذه اليد النقية هذه اليد التي ....
د- انتقلت من قبضة التتار (رمز مطروق للهمجية، ونتناسى فيه أن التتار شعب كسائر الشعوب)- هذه اليد النورانية البريئة الناجية من الإثم صارت بقدرة قادر حمامة... وادعة مسالمة، وصارت على التوالي: قرنفلة... زهرة وشذية ثم نهارًا في وضوحها بهائها، وهنا تتراكم الصور في تلوين وتنويع يثري الصورة، ونحن فيها نخرج عن مألوفية الصياغة، ونعيد تشكيل اللغة بفعل حاجات روحية ونفسية، وذلك من خلال خلق إيحاء وإثارة إثارة، فالإمساك بالمتناقضات دون الانفصال عن فلكها شكل من أشكال الحداثة. (انظر مقال محمد برادة في مجلة فصول، العدد الثالث، 1984، ص14) ، وبالطبع ففي مثل هذه المتابعة الصورية توتر، أو على الأقل هنا نحن بحاجة إلى كشف جديد من خلال إزاحة أولية (للتوسع في ذلك، انظر كتاب أدونيس، زمن الشعر،ص90).
يحمل عنوان أميمة تفتحًا وتطويرًا (لاحظ أن اليد تفتحت عمليًا إلى صور أخرى غير القرنفلة (حمامة...نهار) لكنها اختارت القرنفلة رمزًا معبرًا.
ومن جهة أخرى فإن الشاعرة التي سلسلت قصيدتها اصطدمت أو جعلتنا نصطدم بعبارات  الوصف الزائدة... "لم تدسها الأحذية الوحشية" ، وهي تستطيع أن تقدم لنا صورة شعرية فنية أرقى، وأرى أن تضع ذلك بين قوسين وكأنه تعليق نثري.
والقصيدة فيها وحدة موضوعية، حيث  كانت "أبحث عن يد" لازمة لتراوح هذه الصور، وقد تبدو وأنها متفرقة، لكنها منتزعة من جو البحث عن الرفيق.
قلت آنفًا : كثيرًا ما أعمد في تحليلي للقصائد إلى الإشارات الثقافية أو المرجعية التي نهل منها الشاعر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عامدًا أم غير عامد، وأنا أرمي من وراء ذلك إظهار هذا الحوار الداخلي أو التماثلي أو حتى موازرة النصوص في تصادمها أو تخاطبها.
فقد رأيت أميمة مصاحبة لكلمات الشاعر اليوناني ريتسوس، ولعلها لم تكن قد اطلعت على ذلك:
وجهك يا حمامتي وديع
كتبت عنه
فأضحى أنهارًا
يصاحبها قمر
في صفحاتي الحزينة.
                                                    (مجلة الدوحة: سبتمبر 1976)
فالحبيبة لدى الشاعر طائر الحمام، بينما اليد لدى الشاعرة هي التي تتفتح حمامة، والوجه لدى الشاعر يصبح أنهارًا ، بينما  اليد لدى الشاعرة هي التي تنقلب نهارًا. ومصاحبة القمر للقصيدة لدى الشاعرة هي الأنهار، ويصاحبها القمر لدى الشاعرة، والجو الحزين هو مشترك لدى كل منهما، رغم أن الشاعرة تبحث عن حبيب، والشاعر اليوناني يتحسر على ماضٍ كان.

 

 

 

القصيدة:
لمن تملأ الجرة؟
جمال قعوار

مع صحوة الحسّون رِحلتيه
                      وعلى دروب الشوق عَبَرتيه
وأنا بعيدُ الدار، مغتربٌ
                             فإلى متى تمتدّ غُربتيه؟
ألقيت أوجاعي على كبد
                          مقروحة ناءت بقرحتيه
فكأن حَرّ النار في سقر
                         مستلهم من حَرّ زفرتيه

حبّي القديم مليحةٌ ملكت
                     قلبي..هوى قلبي ومهجتيه
ولأجل عينيها رصدت فمي
                        زندي وأسيافي وثورتيه
فحبيبتي طرب المساء وقد
                     أصغى لهمستها وهمستيه
وتلألؤ النجمات سامرة
                     من لا يميز بوح نجمتيه؟
قالت: أيا عيني وقرّتها
                     لا كنت إن لم أفد قُرّتيه


ما كنت أملأ جرتي سَحَرًا
                       إلا لتروي الحبّ جرتيه
أو كي أراك وأنت تنظرني
                  فتصوب نحو الأرض نظرتيه
وأذوب من خجل يلفعني
                      وتلم لون الورد وجنتيه

أحببتها فكأنها وطن
                    فيه أرى مجدي وعزتيه
فيه يدور مع الدجى قمرٌ
                      متألقٌ ليزيحَ عتمتيه
ويرد   للأعياد   فرحتها
            وتفيض ملء الكون فرحتيه


" من ديوان:"بريق السواد" ، إصدار رابطة الكتاب الفلسطينيين، الناصرة1992، ص112.

 

 

 


قراءة في القصيدة
تظل القصيدة النمطية التقليدية أهم بل أبرز ما يميّز شعر جمال قعوار، وهذا الأسلوب المحافظ كثيرًا ما يعمد إليه الشاعر  في بوحه أو في ارتجاله، ويظل دَيْدَنه وعنوانه. غير أنه يجيز لقلمه –آنـًا- أن يجاري ما لا يوافق طبعه، أو يفسح لآخرين أن ينشروا موادهم في مجلة "المواكب" التي يحررها من غير أن يرى في موادهم  أنها شعر ، وهذه مسألة فيها نظر. وقد عبّر عن هذا العلوق بالشعر "الكلاسي" أكثر من مرة في تضاعيف دواوينه الكثيرة. وسأختار نموذجًا دالاً:
قصيدتي من عمود الشعر معدنها:
                    فلا تعاب بإيطاء وإخلاف
كتبتها درّةً ما حدت أنملة
                عن العمود كما حاد أسلافي
(انظر ديوانه: لا تحزني ص30)
وقصيدة "لمن تملأ الجرة؟" تعكس منحى الشاعر وهو يرود الكلمة المموسقة الرائعة، كما تعكس ولاءً للتقاليد الأدبية الموروثة، لكن المعاني لم تكن مطروحة في الطرق، وإنما اقتنصها الشاعر من خلال معاناة أو استذكار معاناة، وقدمها في تشبيهات واستعارات وإبداع ذات طاقة خيالية مألوفة.
قلت آنفًا "استذكار معاناة" ..وإلا فما معنى أن يتحدث عن جرة لم تعد بنات اليوم يتهادين بها، وهي على الرؤوس المائلة دلاً وغنجًا، والشباب يرمق من مقعد له في الدرب. فالعنوان نفسه تساؤل: لمن تملأ الجرة؟
وإذا امتلكنا حسّ البحث عن الإجابة فسنجد أن هذا العنوان مستمد من قول الحبيبة- كما يخيل للراوي الشاعر-:
"ما كنت أملأ جرتي سحرًا
                      إلا لتروي الحب جرتيه"
إذن : هي تملأ الجرة ليشاهدها، ولتروي هي هذه الجرة حبًّا وهوى. إنها تبحث عن عيونه لترامقه النظر، وهنا تمارس لعبة النظرة الخجلى الموازية لاكتساء خدودها بالحمرة الحيية. وهذه براءة موازية لجرأة، وتتمثل هذه الجرأة بخروجها سحرًا لهذا اللقاء. وهو معها على موعد. فيبدأ رحلته مع صوت الحسون. الحسون العصفور يسير مغردًا  ، والشاعر يسير دامعًا على دروب الشوق. العصفور لا يشعر بغربة، وإنما بعناق للمكان والراوي والشاعر بعيد المنتأى ومعذب.
يعترف الراوي أن حبه القديم ما زال مالكًا فؤاده ،  فلأجل عينيها رصد شعره، ولأجل عزتها دافع مستميتًا، ويبدو لي هنا أنه يمزج المعشوقة بالوطن، حيث فيه مجده وعزته، وحيث يدور القمر المتألق مبددًا للظلمة، هذا الوطن الذي يرد للأعياد الفرحة والبهجة؛ ويتذكر الراوي ما قاله عن حبيبته إنها طرب المساء –ذلك الذي أصغى لهمسات العاشقين، وهي تلألؤ النجوم السامرة، وبوح نجمته أصبح متميزًا.... حتى أن مجرد التساؤل أصبح إنكاريـًا:
من لا يميز بوح نجمتيه؟!
 إنه مخلص لحبيبته، فلأجل عينيها اختلجت عواطفه، وكانت بطولته ...والشعر عصارته الحب والبطولة، يستبطئ الشاعر زوال الغربة والمعاناة، ولعل الغربة هذه مجازية وليست حقيقية.
ويلاحظ القارئ معي أن القصيدة مشبعة بياء المتكلم، "والأنا" كانت طاغية إلا القليل الأقل مما يروى على لسانها، أو عند الانتقال إلى موضوع عام هو الوطن، والعنوان نفسه حتى لو استوحاه من اعترافها فيه -  إشارة إلى أن هذه الاستسقاء أصلاً كان من أجل الراوي- من أجلي-.
أما الانتقال إلى الوطن فيبدو لي أنه استمرار لمرحلة شعرية عاشها شعرنا في الجليل والمثلث، وكأنه ضريبة لا بد من دفعها، حتى لا يلومنا لائم أو يسألنا سائل: أنتم تلجأون إلى زينب وليلى وتنسون وطنكم ومعاناتكم؟؟ فيجيب الشاعر ملمحًا إلى هذا الغزل  الذي فيه صوفية وطنية مستحدثة ،  فزينب هي الأرض (وخصص جمال مجموعة تحمل هذا الاسم وهذا العنوان – زينب )، وليلى هي الأمل وهكذا اختلطت الأرض بالمعشوق  والمعشوقة بالارض، وغنى كل شاعر على ليلاه بالمعنيين متماهيين أو متماسين.
ومثل هذا  التماس رأيناه في قصيدتنا التي نعالحها ، وإلا فما المبرر لهذا التشبيه:
" أحببتها وكأنها وطن                فيه أرى مجدي وعزتيه"
ولماذا هذا الاستطراد في الحديث عن لصوق الشاعر بالوطن حتى نسي لصوقه بحاملة الجرة؟
وأين تلك النار في زفرته المشتعلة أكثر من سقر؟!
وهذا المعنى الأخير أورده الشاعر في صورة مبالغة:
"فكأن حر النار في سقر                 مستلهم من حر زفرتيه"
وهذه المغالاة أذكرتني بما أنهى به شفيق حبيب قصيدته "تراكمات" وقد أثبتها أدناه في هذا الكتاب:
آه لو عاين آدم هول معاناتي
ما أخصب جدتنا حواء
ويبدو أن المقياس القديم للعذوبة في الشعر ما زالت آثاره بادية في شعرنا.
وتأثير الصورة القديمة في قصيدة جمال وارد كذلك فيما تصادى في قصيدته من قول ابن الدمينة:
ولي كبد مقروحة من يبيعني
                   بها كبدًا ليست بذات قروح
أئن من الشوق الذي في جوانحي
                   أنين غصيص بالشراب جريح
وجمال يعزف على وتر "الكبد المقروحة":
" ألقيت أوجاعي على كبد      مقروحة ناءت بقرحتيه"
ونلاحظ أنها لدى جمال "ناءت" وثقلت، ولم يعرضها للمقايضة والبحث عن التخلص منها –شأن ابن الدمينة- إن الشاعر المعاصر يستسلم لها لأجل عينيها ولأجل عزتها ؛ وإذا كان ابن الدمينة  يئن من الشوق فشاعرنا يئن هو الآخر، فلما خاطبته "أيا عيني وقرتها" أجابها  متحمسًا:
"لا كنت إن لم أفد قرتيه" إنه في إخلاص في الدعاء.
 وعلى المستوى الشكلي قطع للاسترجاع الفني (flashback) أو عملية رجوع إلى الأصل في عملية السرد الغنائي     lyrical  narration  ،وهذه الجملة الدعائية مثلها مثل الجملتين الإنكاريتين الأخريين:
"فإلى متى تمتد غربيته؟! و "من لا يميز بوح نجميته؟! تجعل القصيدة في حركة درامية وخطابية متفاعلة.
ويضاف إلى التناص من الموروث ما نلمحه من البيتين: "فحبيبتي طرب المساء.." و "تلألؤ النجمات..." حيث تبدو لنا خيوط من نسيج قصيدة البحيرة للامرتين، وخاصة إذ يقول:
أو ما تذكرين كيف كنا نجدف صامتين ذات مساء
وكنا لا نسمع عن بعد فوق الموج وتحت السموات
غير حفيف المجاديف وهي تضرب في صمت
(محمد مندور: فن الشعر، ص33).
وبرغم الوضوح النثري في قصيدة جمال فإن الرؤية الحدسية للمرأة التي يبحث عنها تظل في غموض سر، وليس غموضًا تعتيميًا وكده قتل الفكرة باسم الفكرة. وكما كان لامرتين يبحث في النهاية ويتساءل: "أهكذا يضيع كل شيء" إخال شاعرنا في نفس الموقف والأحزان.
ومما يميز شعر جمال هذه الموسيقية المنتقاة وقد بدا لنا تكرار البداية "Anaphore": ولأجل... ولأجل) وكذلك القوافي في صدور الأبيات:
فمي..دمي، تنوين الكسر (صوتيًا): كبد سقر، أو تنوين الضم: وطنٌ، قمرٌ، أو المد الصوتي مع ياء المتكلم: ينتظرني..، يلفعني، وكل هذه التنغيمات ترفد الناحية الموسيقية التي تعبر عنها قافية القصيدة- هذه المنهية بهاء السكت والمسبوقة بياء المتكلم، وهي قافية نادرة جدا في الشعر العربي القديم، وربما لأنها ليست يسيرة النظم- كما يخيل من بعيد-. وأضف إلى هذا التنغيم أو الإيقاع ما يتماثل أو يتجانس في العبارات، نحو:
لهمسته...وهمستيه، قلبي... هوى قلبي، أصوب.. أذوب، وكذلك رد الأعجاز على الصدور كما في الأبيات: الثاني والعاشر والحادي عشر. وهذه جميعًا فيها "رقص صوتي" إن صح التعبير.
وقد أشرت أعلاه إلى أن الشاعر قدم في القصيدة تشبيهات واستعارات وإبداعات ذات طاقة خيالية مألوفة. وقد يتساءل البعض: كيف يجوز "إبداع" و "مألوفية" معًا ؟!
وفي رأيي أن هذا حاصل في كثير من عباراتنا، فعندما يقول جمال: "حبيبتي طرب المساء" أو "هي تلألؤ النجمات" أو  أن وجنتها تلم الورد  ، وأن فرحته تفيض ملء الكون.. إلخ فإن هذه التعابير مألوفة ، وقد تكون مطروقة، ولكن أسلوب صياغتها وتركيبها المبنوي والدلالي فيه جمال استعاري. وفي قوله: "لتروي الحب جرتيه" ازدواجية معنى تكسب العبارة قوة أداء. إنها تعابير لا تدهشنا بقدر ما تقطر التجربة أو تفرغها في مسافات متباعدة متقاربة.
وفي أثناء دراستي للقصيدة- ومن باب الشيء بالشيء يذكر- تذكرت رسالة كان قد وجهها إلي الشاعر مؤرخة في 5/كانون الأول/ 1968. ضمّنها –بناء على طلبي- مرثيته في زوجته أم ربيع، والقصيدة على نفس البحر السريع والوزن والقافية ومطلعها:
جُرعت كأسي يا أخيّـتيهْ
                  وعلى دروب الحزن ضيعتيه
وقد وجدت من خلال قراءتي للقصيدة المحفوظة في أوراقي أن ثمة تناصًا أسميه التناص الذاتي (intratextuality)، ولا أرى في ذلك حرجًا ما، فتساؤل الشاعر الذي أوردناه:
فكأن حر النار في سقر           مستلهم من حر زفرتيه
كان الشاعر قد أورده بصورة التساؤل وهو يتحدث عن عتمة الليل في قصيدته الأولى:
والليل عتمات مكدسة           أترى استعار الليل عتمتيه؟!
(انتبه إلى نهاية القصيدة التي ندرسها .... حيث يرد ذكر العتمة وإزاحتها)
ويمضي الشاعر في قصيدته الأولى:
أترى استعار الشوق لهفتيه       والنار مني بعض حرقتيه
إذن هي المعاني التي تراوح الشاعر أو يراوحها، بل إن صيغة الاستفهام هي هي.
 والشاعر في قصيدته الثانية قد ذكر الأعياد وإعادة فرحتها، وكان قد أشار إلى ذلك في مرثيته، ولنقرأ:
والعيد ليل سر جهمتـه             ما أودعت شفتي مخدتيه
والعيد أطفال نشائدهم               غير الذي ترويه عَبْرتيه
(أرأيت "ترويه"، "عبرتيه"..؟ )
غير أن الكلمات المكينة في قراراتها ومواقعها تنبو عنها لفظة "أسيافي"، وكنت أفضل "غضباتي" مثلا للخروج عن الألفاظ المَـلوكة المطروقة، وتنبو كذلك "سقر" الغريبة عن قاموسنا ولغتنا الراهنة.
وأنا لا أدري حقًا ما ضرورة استخدام هذه الألفاظ- حتى على المستوى الرمزي- فانظروا معي لفظة (سيف) في ديوان لجمال، وكم يكررها شاعرنا:
الحرف ليس سيفنا      (بريق السواد ص3)
ما أغمد السيف المهند فترة
إلا ومد السيف أقبية القراب          (ص42)
هل يكره السيف الأبيّ مضاءه       (ص85)
كالسيف غمد التململ يُنتضى     (ص103)
ولن أعترض على قوله الملائم تاريخيًا لاستعماله: "وحيث سيف صلاح الدين روّاه" ( ص19)، لكني أتساءل ما سر هذا التشبث بلغة مهجورة؟ أم إنه الحنين؟ أم إنه الرمز والأسطورة؟!
                *                            *                                   *
وعلى الإجمال فقد قرأنا قصيدة مشبعة بالموسيقية والانتماء لتراثنا الشعري استذكر فيها الشاعر حبيبة له، فألمح من خلالها إلى حبه لوطنه، وعمد إلى تشبيهات فيها إبداع ومألوفية معًا، كما أن هناك تناصًا ذاتيًا تتبدى خيوطه لنا من قصيدة أو مرثية له- وهي إشارة إلى أن شاعرنا فيه صبوة المغرم وأغنية النغم.

 

 

 

 

 

 

القصيدة:
داود حايك: غابة من الألوان
إدمون شحادة
حين تُرى الأفكار
كَوَهج محدد الإطار
وحين تُرسم الأشعار
كغابة من الألوان
تغوص في تشابك الآمال بالأحلام،
فبقعة من عتمة المساء
ومن براءة الصباح..بقعتان
وصخرة تداعب الريح
وثائر يضمد الجراح
وحلوة شرقية الظلال
تطير نحو شهريار
بالأبيض الملفع الضياء
والأخضر الممزوج بالبهاء
داود بالفرشاة جسّم المزمور
وصاغ بالألوان قصة الدهور
بالأحمر المحروق بالبخور
بالأصفر المحفور ما بين السطور
بالأزرق المنقوع بالعطور
بلهفة الطفولة المنفيـه
بنشوة الصبيــه
لفارس مغرور
وكان حلمه الصغير
أن يرسم الأمل،
عصفورة شامخة فوق التلال
وروضة مليئة بالحب..بالزهور

(من ديوان "قمر بوجه مدينتي" مطبعة فراس، الناصرة- 1985 ص100)


*********************

قراءة في القصيدة

بدءا لا بد من التعريف بداود حايك الذي كتب إدمون قصيدته عنه وعن لوحاته. إنه رسام من الناصرة، كان قد أقام معرضًا في (بيت شاغال) في حيفا، فارتاده الشاعر، فتركت اللوحات في خاطرة أثرًا شعريًا يعبر فيه بهدوء منفعل يوازي أو يجازي هدوء الصورة الرائقة غير الصاخبة في اللوحة الماثلة أمام عينيه، هدوء يحمل عمقًا في كل.
       إنه يقدم الصورة النابضة الحية التي يطالعها. يقدم صورة شعرية، ويستدعي القارئ لاستلهام أجمل ما فيها -  كما تطمح اللوحة أصلا.... فعندما يختلط الرسم بالكلمات والكلمات بالرسم، وعندما نرسم الشعر لوحة ،  أو نجعل اللوحة قصيدة فإننا نقرن الموزا (إحدى الإلهات التسع بنات زيوس) مع أبولو أو أورانيا، وفي هذا العناق المتوهج ومن خلاله يطل علينا شاعرنا بهذه اللوحة- القصيدة.
وقد يصعب علينا هذه المرة أن نلخص القصيدة، ذلك لأنها تصف جوًا، وتنقل طاقة مكبوتة، لكنا سنتقرى عبارات اللوحة من خلال الثائر الذي يضمد الجراح، ومن خلال الطفولة اللاهفة، ومن خلال الأمل المرسوم كعصفورة شامخة فوق التلال... وروضة مليئة بالحب والزهور، ومجملها جميعًا: تشابك الآمال بالأحلام.
ولنعد إلى القصيدة - حيث التشبيهات ذات الشفافية في المعنى، فحين ترى الأفكار كوهج- وهذا الوهج مؤطر-، وحين ترسم الأشعار- كغابة من الألوان- فيها الخضرة والتعددية والغموض والعذوبة والراحة النفسية، ماذا يكون بعد؟
-نغوص في تشابك الآمال بالأحلام.
هل نأتي برسام ليواصل خطوطه مترجمًا ما سيقرأ له إدمون؟ إذا كان الأمر كذلك فبقعة من عتمة المساء (لون أسود) ومن براءة الصباح بقعتان (لون أبيض أكثر) وصخرة تداعب الرياح (صخرة تداعب؟! كيف نرسمها؟)، أغلب الظن أننا لا نطال الصورة ولا تضبطها أو نحصرها.
وثائر يضمد الجراح (لنقف قليلاً، لعله بحاجة إلى مساعدتنا، وإلى أن نكون سندًا له، ونضمد نحن جراحه، انتبه إلى "يضمد"، فهي تعني أنه دفع ثمنـًا حقيقيًا، وأنه جرح بعد فعل وفعالية):
وحلوة شرقية الظلال
تطير نحو شهريار
لماذا شهريار؟
-  أليقتلها كما قتل غيرها، أم لتكون شهرزاد أخرى تقص عليه وتتحايل عليه، ثم تبكي عليه.
لماذا شهريار؟
 ألأنه ملك- عنوان الأبهة، والعظمة- وهذه المرأة تفيض رقة وأنوثة؟
لماذا شهريار؟
 ألأنه أسطورة؟ ألأنها شرقية؟ والظلال هي الأثر، والظلال منتزعة من عالم الرسم حتى تكتسب الصورة إيحاء وأبعادًا. ويمكننا أن نتوقف على كل كلمة، ويمكننا أن نكتشف آفاقًا غريبة تشي بها هذا الشاعرية من غير قصديّة، فتصور هذه الطفولة المنفية اللاهفة، وهذا الصبا المنتشي لفارس مغرور، فهذا ما يرسمه داود في لوحته أملاً وحلمًا:
وكان حلمه الصغير
أن يرسم الأمل
وكيف يرسم الأمل؟ يرسمه عصفورًا وروضة. العصفورة شامخة فوق التلال، والروضة ملأى بحب وزهر و..
والقصيدة غابة من الألوان، وأذكر أن أستاذًا لي اسمه (بيري) كان عندما يرى اللون في القصيدة فكأنه وقع على كنز. اللون الذي كان النقاد يركزون عليه دلالة على تعايش الحس والواقع، ودلالة على استنساخ الوجود بموازٍ روحاني. اللون في حياتنا يكسبها معنى، ومن يظن غير ذلك فليتصور للحظة لو أن كوننا في لون واحد، ليتصور هذه الأحادية أو النمطية أو التكرارية الرتيبة. لنعد إلى الألوان في القصيدة كما تلمست ذلك من اللوحات:
بالأبيض الملفع بالضياء
والأخضر الممزوج بالبهاء
...............
بالأحمر المحروق بالبخور
بالأصفر المحفور ما بين السطور
بالأزرق المنقوع بالعطور
وقد يكون تمازج الألوان بفرشاة الرسام تجسيمًا لواقع، وقد يكون تجسيمًا لمزمور داودي- كما يخيل للشاعر عبر تناص "توراتي-، لكن هذه التشبيهات من معاني اللون تتجاوز مرحلة "يا ورد مين يشتريك".*
ولكن دهاء الشاعر هنا هو في اختيار الألفاظ المسوقة في عالم الألوان، ولنقرأ:

 

_______________
* بل تتجاوز كذلك ما قلته في وصف العلم الفلسطيني، وأنا أحاول أن أجعل للون معنى:
في أسود اللون عباس بيارقهم
                        في أبيض اللون من صافي الهوى الرغب
في أخضر اللون آمال بدوحتنا
                              في أحمر اللون دم مشرق اللهب
وقد مضى الشاعر جمال قعوار في توزيع آخر
الأبيض بوح ضمائرنا
                    والأسود قلب أعادينا
والأحمر مهر عروستنا
                   والأخضر روح أمانينا
كما تتجاوز وصف مطران:
والشمس في شفق يسيل نضاره
                       فوق العقيق على ذرى سوداء

 

 

 

 


- بالأبيض الملفع بالضياء
لماذا (ملفع)؟ أليس لهذه اللفظة علاقة بالغطاء الذي يغطي الإنسان ساعة ولادته، ثم ساعة موته؟!
- بالأحمر المحروق بالبخور
لماذا (محروق)؟ أليس في هذا الإشعال ما نشم به الرائحة حتى ونحن نقرأ؟
- بالأصفر المحفور ما بين السطور
لماذا (المحفور)؟ أليس في دلالة الصفرة الباهتة ما يوحي بالأمل على مستوى منظور؟
- بالأزرق المنقوع بالعطور
لماذا (المنقوع) وليس (المملوء) مثلا؟ أليست الزرقة دلالة حيوية سواء في البحر أو في السماء أو في الصفاء؟ أليست (المنقوع) تدل على حركة كونه مغمورًا أو مطليًا أو مجبولا؟ حركة لمرة واحدة- لفترة واحدة.
ثم، لاحظ معي هذه الصفات الموظفة بفعالية:
بنشوة الصبية
لفارس مغرور
(مغرور) ألا تدل هذه اللفظة أو هذا الوصف على التعالي إزاء صبية متلهفة منتشية، وهي حالة إنسان رغيبة.
وانظر إلى، الوصف (شامخة) في وصف العصفورة، فهي موظفة بهذه الفعالية الحية، فالعصافير لا تشمخ، وإنما هي في حركة طبيعية تلقائية. إنها في مرآة الشاعر شامخة، ربما لأنه يرى في اللوحة شموخًا وعزة، فنقل ذلك إلى طبيعة العصفورة الوادعة الهادئة.
وإذا كنت قد أشرت أولاً إلى معانقة الكلمة للخط فإنني- هذه المرة- أرى تلاحمًا آخر عبر تجانس صوتي  (Assonance) موقع من خلال قواف مقيدة: الأفكار، الأطيار، الألوان، الأحلام، المساء، الرياح، الجراح، الضياء، بالبهاء..الخ.
وفي هذه القوافي نسمع- أو على الأقل أسمع- أصواتًا وأحزانًا ذات إيقاع يجسم المزمور القديم.
وأخيرا:
فإن الصور المشحونة عبر المجاز والاستعارة في اللون ومن خلاله تدعو إلى تأمل واستبطان وصولا إلى القول المكثف:
وصاغ بالألوان قصة الدهور
وإذا كانت الفكرة الكامنة في الرؤية الحسية تتجلى من وراء مكنونات الشعور فإن إدمون المعجب بهذا الإبداع يعبر عن علاقة إنسانيته بشيء من الغموض، ولكنه يقدمها بكثير من البراعة الماتعة في لوحة مرسومة بالكلمات أو في صورة شعرية حافلة بالإيماءات.
 (انظر كتاب: سي دي لويس: الصورة الشعرية، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد-1982، ص21)

 

 

 

 

 

 

 


القصيدة:
"تراكمات":
شفيق حبيب
بعضي ينهار على بعضي...
أتراكم أجزاءً أجزاء
أطلالي تعلو أطلالي...
وصلاتي صوت من حالي،
والكفر دعاء...
أتلاشى مثل شعاع الضوء
الباكي في ثغر الظلماء
أنا لست سوى قطعة ثلج
تتعرى في كأس الصهباء...
**** 

أخطو..
لا أدري..
أهبط أم أعلو
فالكل سواء...
ضاعت من عيني الألوان
وغنت في صدري الأحزان
وماتت في قلبي الأضواء
يملأني خوف أبدي
وعويل يملأني وخواء...
**** 

ها أقف اليوم على نشز
وأنادي الأحياء الأموات
وأدعو الأموات الأحياء..
أخذتني الريح وألقتني
في فكي أمواج هوجاء..
يا صوتي الصارخ في البريــه
حزنًا..ودموعًا..ودماء..
ظلمًا صهّدني..
ضيعني..
فامتزجت صور شائهة
واختلطت في ذهني الأسماء
صدأ يجتاح شراييني..
والجدب أصاب مياديني..
والشعر هزيلا يتلوى..
يتمرغ في وحل الأهواء،
يستجدي المال
ويلحس أعتاب الأمراء..

                                   *****
لو تدري ذاتي
عن ذاتي
كم تحمل أعباء وشقاء
لانشق البحر،
وغابت أشرعتي الحيرى،
وانخرست ألسنة الشعراء..
*******

يا مرّ الشهد!!
وشهد المرّ!!
غريب يبحث عن عنوان
مكتوب بالماء...
*******

حطم أقلامك، ألق بها
في نار العشق الذاوي
خلف مصاريع الصحراء...
واهتف..!!
من جوف السغب العاصف ملحا
في أقداس الوحي
وفي الإيحاء:
لم يبقى أمامي يا دنيا!!
غير الأموات من الأحياء عزاء..
********

ينشطر الحرف إلى أصداء...
وأعثر أيامي مزقا
أحلامًا..
أوهامًا..
وهباء..
آه لو عاين آدم هول معاناتي
ما أخصب جدتنا حواء..

من مجموعة: آه..يا أسوار عكا!! مطبعة الحكيم- الناصرة-1994، (ص57-62)

 


قراءة في القصيدة

اعتاد قارئ قصائد شفيق حبيب أن يتوقع في شعره ذلك الإيقاع، الصاخب وتلك المباشرة والخطابية الممهورة كلها بصدق الموقف وأصالة الانتماء والالتزام.
ولكنا هنا إزاء قصيدة من نوع آخر تشف شاعرية خاصة وليست هذه متأتية-قصرًا- بسبب التمزق والمعاناة والضياع، بل بسبب هذا البوح التلقائي أو "الفيضان" الذي ذكره ووردزوورث في كتابه (السيرة الأدبية) ضمن وجود رومانسي صاف، لكن الفيضان في قصيدة تراكمات، وأصطلحُ عليه "فيضان التراكم" كان كبركان يندلق من ذات محرورة، ويتجمع فوق بعضه البعض، فتخيل كيف تتراكم أجزاء الراوي الشاعر أو "أبعاضه" أو أطلاله! وتأمل كيف تنعكس المفاهيم، فيضحي كفره دعاء، وها هو يتلاشى كشعاع الضوء، والمشبه به هنا ليس ذلك الشعاع الباسم المنير، بل هو "الباكي في ثغرة الظلمة" إنه يذوب تدريجيًا كقطعة الثلج، ولا يستطيع تحديد المقاييس والأبعاد، فالكل سواء وهباء، وبات الكون بلا لون .... معنى ذلك أن هناك نمطية شكلية مقيتة ومملة، والأضواء في قلبه ماتت..... معنى ذلك أن هناك ظلمة أبدية تستدعي بالتالي خوفًا أبديًا وعويلاً وخواء.

ثم ينتقل الشاعر إلى موقف آخر، حيث يقف خطيبًا "على نشز" – شأن خطباء العرب القدامى- وينادي الأحياء الأموات، ويدعو الأموات الأحياء- ويدعو الأموات الأحياء- معنى ذلك أن يعتبر الأحياء أمواتًا، وهذا نابع من عمق إحساسه بالعدمية واللاشيئية، فالأموات هم الأحياء الحقيقيون، هكذا بلغت المفارقة وحال التصور، وبينما كان ينادي الأموات والأحياء- ولا يهم تحديد المقصود في كلٍ- تسوقه الريح الهوجاء إلى فكَّي- لاحظ "فكيْ" –أمواج هوجاء. فماذا سيفعل إزاء ذلك؟ إنه يصرخ في البرية ولا من صدى، صوته يخرج حزنًا ودموعًا ودماء، فالظمأ أحرقه بحرارته وضيعه، فاختلطت عليه الأسماء والصور، واجتاحه الصدأ، وأصاب الجدب ميادينه. وهذا التنويع المأساوي هنا هو أقل حدة مما كان عليه الحال في القسم الأول من القصيدة وما جسّمه فيه. وها هو في الفقرة الثانية يلجأ إلى المبالغة- فلو عرفت ذاته عن مدى الآلام الحقيقية لهذه الذات نفسها لانشق البحر وغابت أشرعة حيرى، وهو بالتالي غريب يرى الشهد مرًا، والمرارة شهدًا، ويبحث عن لا شيء.
إذن ماذا سيفعل الراوي الشاعر؟ إنه يطالب ذاته أن يحطم أقلامه، يلقي بها في نار العشق الذاوي خلف أبواب الصحارى. إنه يطلب أن يهتف من جوف هذا الظمأ والملح: لم يبق عزاء إلا الأموات.
وأخيرا ها هو مشهد التكسر والتشظي يتواصل، فينشطر حرفه إلى أصداء، وتتبعثر أيامه مزقًا وأحلامًا وأوهامًا وهباءً. ويعود للمغالاة مرة أخرى ليؤكد أن آدم لو كان يعلم الغيب، ولو كان يعرف ما سيعانيه الراوي لما وجد ضرورة للنسل والتكاثر.
وإذا كان العمل الإبداعي- كما يرى علماء النفس- تجسيدًا لرفض المبدع لواقع ما، حيث يصطدم الوعي بدمامة هذا الواقع المحدق، فإن تجسيد النشاط الجواني الفائر ينبثق وينطبق في مادة مجسدة هي العمل الفني.
ومن هنا أصل هذا السؤال: ماذا دهى شاعرنا حتى طلع علينا بملامح أخرى تنضح يأسًا، بوجه متشظٍ تسيل منه ألفاظ المعاناة، بصورة يتراكم عليها الموت، وما ينوء به من معجم ألفاظ مهول؟؟
قراءة أخرى للقصيدة توجهني إلى أن الشاعر كتب قصيدته في لحظة يأس- أو دمامة الواقع- وذلك بعد أن لمس توجهًا سلبيًا ما نحو شعره، وقد عزّ عليه ذلك وهو يعرف مدى صدق موقفه الوطني الذي دفع لقاءه ثمنًا حقيقيًا من اعتقال ومصادرة وإرهاب وإزعاج وتهديد، فإذا بهذا الثمن- في حساب البعض- لا اعتبار له، وإذا الشعر "الآخر"- ولا يهم مَـن- من هذا النوع "اللاحس".
" والشعر هزيلاً يتلوى
يتمرغ في وحل الأهواء
يستجدي المال
ويلحسُ أعتاب الأمراء
وإذا قلبنا الصورة، وعدنا إلى شعره فكأني به يقول عن شعره (أو أقول أنا على لسانه):
والشعر عنيفًا يتصدى
يستنكف عن وحل الأهواء
يستغني بالنفس
ولا يستخذي للأمراء
ثم يعود الشاعر في الفقرة التالية ومن خلال حديثه عن مدى ما يعاني، فيقول:
لو تدري ذاتي عن ذاتي
كم أتحمل أعباءً وشقاء
لانشق البحر
وغابت أشرعتي الحيرى
وانخرست ألسنة الشعراء
ويمكننا أن نفهم عند المبالغة معنى "وغابت أشرعتي الحيرى" وذلك في إطار حديثه عن شخصه، وخوضه في لجة الشقاء، ولكن ما أحوجه إلى القول "وانخرست ألسنة الشعراء" ولماذا "انخرست" بالذات؟
لا أظن أن الشاعر يريد فقط أن يؤكد لنا أن ألسنة الشعراء ستكل أو ستعجز عن الوصف الحقيقي، وإنما يريد من وراء ذلك أن يتهم الشعر "الآخر" والشعراء الذين ليست حالهم كحاله، وهؤلاء كأنهم في بحبوحة، فالأجدر بهم أن يبكوا ، أو بلهجة عامية معبرة حادة "ينخرسوا"، يدفعنا إلى هذا التصور ما قاله في الفقرة السابقة بعد أن اجتاح شرايينه الصدأ، وأصاب ميادينه الجدب، حيث يصف حال الشعر عامة:
والشعر هزيلاً يتلوى
فالشعر الهزيل الضامر لا يمكنه أن يكون سببًا للإفصاح عن الموقف، أو على الأقل ليس مطلوبًا منه أن يصف العمق الحقيقي للمأساة.
ولعل الموقع الثالث الذي يشي بهذا الشعور الذي ألمحت إليه ما توجه به إلى نفسه:
حطّم أقلامك الق بها
في نار العشق الذاوي
خلف مصاريع الصحراء
واهتف...
لا حظ أن (الهتاف) سيكون في رؤيا قاتمة في أقداس الوحي وفي الإيحاء.
     ولا شك أن هذه التعابير ملازمة للشعر ولقاموسه (الثيمي) بشكل أو بآخر. وها هو يتابع الشعور عينه في قوله:
ينشطر الحرف إلى أصداء
* ومن خلال هذا التصور أستطيع أن أتفهم لفظة (وغنت) في السطر:
وغنت في صدري الأحزان
وكنت قد تعجبت -  في قراءتي الأولى -  بسبب موقعها غير المتماثل أو غير المتساوق في المبنى العويلي الهائل والمضطرب، ألم يكن بوسع الشاعر أن يستعمل مكانها:
"جاشت" و "بكت" "رنّت" و "اشتعلت" الخ... وقد وجدت في استعماله "غنّت" مفتاحًا لهذا التصور الذي طرحته في هذه القصيدة. إنه هنا ومن خلال هذه السوداوية يتطلع إلى التناغم، إلى تصحيح للواقع، والقصيدة وإن كانت إبداعًا فرديًا إلا أنها تهجس في قلق جماعي جلي أو مخفي.
*****

وفيما أنا أدرس هذه القصيدة نشر الشاعر قصيدة جديدة- "ضياع في بحر الذات" (الاتحاد- 2.12.1994)، وها هو يحلق في نفس الجو، وينسج على نفس النول، فيرى هنا أن أوتار صوته أصبحت شجرًا خريفيًا، وهو يحن إلى التراب، "وأحلامي ذرتها الريح في صحراء تاريخي".... وختامًا يناشد نفسه أن تُلهم بالصبر، ذلك لأن:
" الموت شهد العاشقين القابضين
على القصيدةِ
والعقيدة
والكتاب"
فالقبض على القصيدة- القصيدة أولا والكتاب آخرًا- جزاؤه الموت العذب، والشاعر الذي لا يجد لكلمته ولعقيدته صدى يجد نفسه غريبًا، فلا يملك إلا مناجاة نفسه:
"ما للغريب سوى نعيقك يا غرابْ "
وبالطبع فإن صورة الغريب التي نجدها في هذه القصيدة الجديدة تتلاقى وقوله في قصيدتنا التي نتناولها:
غريب يبحث عن عنوان مكتوب بالماء

***** 
ولعل ما يميز هذه القصيدة التي بين أيدينا -  بالإضافة إلى صدقها وعفويتها وإنسانيتها أنها كتبت بموسقة عبارة، وذلك من خلال تكرار إيقاعي أسيان (اقرأ مثلا الأبيات الثلاثة الأولى) ومن خلال المطابقات (الأحياء  الأموات.. مر الشهد وشهد المرّ..الخ)
ومن خلال حيل وأساليب بلاغية متباينة (نحو: لو تدري ذاتي عن ذاتي.. وصلاتي وصوت من حالي..الخ)، ومن خلال التناص الوارد هنا وهناك.
يقول روبرت شولز في مقالته "سيمياء النص الشعري" إن النصوص تنبثق من نصوص متداخلة (Intertexts) أخرى، أو من قوالب (Matrices) يقدمها الموروث المتواتر، وقد لاحظت أن قول شفيق:

يا صوتي الصارخ في البرية
معتمد على الإنجيل والتوراة معًا، فنرى في إنجيل لوقا:
صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب (لوقا6.3)، ويمضي الإنجيل في وصف تقلب الأحوال: "كل واد يمتلئ، وكل جبل وأكمة تنخفض، وتصير المعوجات مستقيمة، والشعاب طرقا سهلة".
والشاعر يفيد من هذا التغاير، وبدلا من أن تكون الصورة إيجابية- كما في الإنجيل- يوردها الشاعر بصورة سلبية:
فامتزجت صور شائهة
واختلطت في ذهني الأسماء
صدأ يجتاح شراييني
والجدب أصاب مياديني
إذن فصوته صارخ في البرية كصوت النبي أشعيا (الإصحاح3.40) ويقترن هذا الصوت العبثي بقول الشاعر العربي القديم الذي كاد ييأس:
"ولكن لا حياة لمن تنادي"
وها هو الشاعر كذلك ينادي الأحياء الأموات ويدعو الأموات الأحياء (سيان) ولا حياة لمن تنادي.
ومن الوسائل الفنية التي اعتمدها الشاعر بالإضافة إلى ما سبق، هذه القافية الهمزية المقيدة، وكأنها نُواح يعكس المعاناة.
وبقدر ما رأيت في القصيدة تماسكًا فإن هناك من اعتبره عبثًا على القصيدة، فما ضرورة لفظة (وشقاء) في قوله:
كم يحمل أعباء وشقاء
أو هذا التشبيه:
أنا لست سوى قطعة ثلج
فشتان بين هذه الصورة وبين صورة تلاشي شعاع الضوء الباكي في ثغر الظلماء. .....ولو تبـنّيت أنا القصيدة لقلت:
أتلاشى مثل شعاع الضوء
الباكي في عين الظلماء
أو (من عين) وبالطبع فهذا ما أحسه لا ما يحسه شاعرنا ، وليس لي عليه ضربة لازب.
وأخيرًا:
فهذه اللغة التي عمد إليها الشاعر مرتبطة ارتباطًا وثيقًا برؤياه وبحسيته، فقد حلق عبرها في مستوى مجنح انفعالي، وكذلك في إطار المستوى الإخباري عن واقع حال، يعبر عن معاناته الشخصية عبر دفاع عن شاعريته وإنسانيته في إطار المعادلة:
 شفيق=الشاعر، الشاعر=شفيق.
وتظل هذه القصيدة المعادلة حتى في سياقها التدميري استعارة ممتدة وحكاية رمزية للبحث عن الذات.

 

 

 

 

 

 

 

القصيدة:
يتلثم ‏كانون
حنا أبو حنا
تنزع الأرض معطفها الأصفر
تشرع تينةٌ في طقوس التعري
تنفض ريشها
تلحق السرب عصفورةٌ
تصهل في الدم شرنقة الورد
يستعر الجوع للعاصفة

يتلثم كانون.. يجمر عينيه
يتحزّم بالفضة.. بجذوع الشمس
من فاصلة البرق يهل
مدٌ.. مدَدٌ
يا بحر زنود البرعم
مـدٌ..مدَدٌ
مد.. مدد
يا فولاذَ الحلـم
مد.. مدد يا راعي الغيم
يا شاطئ رفح.. يا قمة عيبال
يا بوابات القدس انفرجي
تشرع نافذة
يتوارب باب
وتلوح مجاديف القمر الناريـه

تتفتح شفاه محاره
قنبلة الشوق تتك..

تلثغ زمجرة
أتحسس صوتي يغسل بـحّـته
في ساقيه الشرر القُزحي
 أتحسس صوتي يشحذ ظله
فوق براري السهد

صوتي يتعملق
يا حجل الجرمق

كانون تلثم- يحتضن الجمر
تتفتح سنبلة الجرح
وترف إلى شفة شفة

قِرّب أذنيك من الأرض
تسمع حشرجة الصمت
لا يصمت نهر الدم
دالية الحلم تعرش خلف الشباك

يتجلى عملاق بهاء فوق ذري كنعان
رب العاصفة، إلهُ الخصب
بعثته عناة
نبوّت البرق: "السائق" في يسراه
وبيمناه
النّبوتُ "الطارد"
وهدير الرعد صدى شفتيه.


قراءة في القصيدة

اجتزأت مقطوعة من مجموعة. والمجموعة هي "تجرعت سمك حتى المناعة"، وتتألف من ثلاث عشرة مقطوعة ورؤيا، يروي لنا الشاعر عبرها- في لقطات أو ومضات مشعة- حكاية الانتفاضة الباسلة التي حفرت في تاريخ شعبنا تاريخًا وفعلاً. وسِلك القصائد الذي يضمها هو موقف (الراوي الشاعر) الرافض والصابر، فالطفل الفلسطيني تجرع سم العدو كثيرًا حتى امتلك مناعة، وأصبح محصنًا لا يعمل فيه السم الناقع، وقد اكتسب حكمة المتنبي، وأصبح فؤاده في غشاء من نبال.
واجتزائي للمقطوعة تأتـى بسبب تمثيل هذه المقطوعة للطاقة الشعرية المذخورة في الديوان، كما أن لها إمكانية الاستقلال في النص ،  وتؤلف وحدة موضوعية معبرة، بيد أني سأعود إلى الديوان بين الفينة والأخرى للاستعانة بما يجلي المعنى، وبهذا أكون قد وفيت للنص وواكبته.

**** 

والقصيدة تعبير حي عن واقع المعاناة الفلسطينية. إنها تروي حكاية الانتفاضة ، هذه الحكاية التي لم يحسن الكثيرون التعبير عنها على المستوى الرمزي المتجاوز للآنية والمباشرة. قيلت قصائد كثيرة لم يشفع لها إلا سياقها، لكنا هنا إزاء قصيدة انتفاضة على وجه حق.؟
والانتفاضة التي بدأت في كانون الأول-في بدايات الشتاء- كانت بعد أن نزعت الأرض ثوب الخريف.... أن تساقطت أوراق الشجر (التين) ،  وبعد هجرة الطيور الرحالة (العصفورة تنفض) ريشها وتلحق سربها المهاجر) ، والوردة التي أصبحت شرنقة ستتحرك وستنطلق منها فراشتها- فراشة تصهل كالحصان في الأصالة والعنفوان. وتشتد الرغبة (أو الجوع) لعاصفة عاتية تزيح الظلم والظلام، لذا فلا بد من أن تنطلق مواكب الأطفال الملثمين ،  ويتلثم شهر كانون معهم، فالزمن أخذ يقاوم مع المقاومة، وأخذت عيونه تتجمر (مستعار من كانون النار هذه المرة)، إذًا هو الجمر، وليس لمجرد الوقوف للدفء - إنه الوقود للحياة. وهذا الزمن أضحى كالرجل الذي جعل حزامه من شعاع الشمس فضيًا، والشمس كأن لها جذوعًا بيضاء يتحزم بها كانون الثائر.
فماذا يحدث بعد هذا الاستعداد للتجلي الجديد، وبعد هذا الاستعار للعاصفة، وبعد هذا التلثم الكانوني-يهل من فاصلة البرق (والبرق على مستويات: حقيقي في الشتاء، ومجازي في اشتعال الثورة، وأسطوري موقف إله كنعان- إله البرق)، وماذا يهل؟ -يهل: مدّ مَدَد
المد الأول هو الزحف –زحف الجموع التي تطالب بحريتها وتنشد كرامتها.
ومدد تعني النجدة، وتحمل البعد الصوفي المستجير، وبدلاً من "مدد يا رسول الله" و "يا أهل الله! فكأني به يقول: "مدد يا وطن"!، "مدد يا شباب"! والحلم المعبر عنه بواقع الطفولة- ولكنه حلم فولاذي صلب لا يكسر.
وتستبد الدعوتان (مد، مدد) في القصيدة، فننتقل هذه المرة إلى معنى أبعد مستمد من التاريخ والأسطورة: مد مدد يا راعي الغيم!
(وراعي الغيم هذا مستقى من الأساطير الكنعانية، فهو إله الخصب)......فمدد يا مواقع فلسطين في البحر وفي الجبل وفي القدس وبواباتها- القدس الرمز، والدين، والمحتلة من شعوب تـترى.
فماذا جرى بعد هذا الاستنجاد الاستجارة؟
يبدأ الأطفال بالخروج، بالانطلاق، تُشرع نافذة هنا... ونافذة هناك.
- والنافذة رمز لهذا الخروج إلى واقع آخر، ويخرجون واحدًا تلو الآخر، وأخذت الأبواب تتوارب- بسبب خروج الأطفال-، وتلوح الحجارة مرمية عليهم سجيلاً يحصبهم، ويسميها الشاعر "مجاديف القمر النارية". إنها أشبه بمجداف، يمخر به الإنسان في رحلته البحرية، ولكن الرحلة هذه المرة ليست بحرية، وإنما هي للقمر- رحلة الجمال أو الصفاء والبهاء، والقمر رمز لكل ما نحبه -  سواء كانت معشوقة.. أو طبيعة ..أو طفولة.
إذن ينبثق اللؤلؤ من المحار، وكأن المحارة شفاه تتفتح عن كلمات ،  أو درر كالفعل وفعل كالدرر، وقنبلة الشوق تتكّ، فقد آن أوان انفجارها، وحانت ساعة الوصول.
ويسمع الراوي أصوات زمجرة، ومن العجيب أنها تلثغ- إذًا فهي من أطفال، وما أرق لثغتهم!-
 وما دام الراوي يسمع زمجرة، وقد كان صوته أبح، فها هو يطمئن إلى أن الأمور تغيرت، لذا فلا غرو أن تحسس صوته، وها هو صوته يغسل بحته، ويزيلها من رهقها. (البحة هذه ذكرتني شخصيًا بما أصابني وأصاب الكثيرين من أبناء جيلي على إثر النكسة، وقد كدت أفقد صوتي) وأين يغسل الصوت بحته؟
- في ساقية النار، في ساقية المقاومة، في ساقية الشرر التي يصفها بأنها قزحية ملونة بألوان الطيف الشمسي. إنه مرة أخرى يتحسس صوته وهو يشحذ ظله- يسنه على المشحذ-، فقد مضى الراوي فوق براري الأرق والقلق والحزن والسهد، كان يحاول أن يسن ظلاً لصوته المفقود من خلال عذابه ومعاناته. والنتيجة التي آلت: صوته يتعملق، فاسمع ذلك يا حجل الجرمق!- مرة أخرى يعود إلى المكان، الجرمق، لأنه أعلى جبال فلسطين، ربما لأنه علو صوته يعلو على الجبل بعد هذا الموقف البطولي-
 فماذا حدث كذلك؟- الزمن أبح في حكم الماضي المستمر، "كانون تلثم"، وبعد أن كان يجمر عينيه ها هو يحتضن الجمر، ويدفع الثمن، يستشهد، فتتفتح سنابل الجروح والدماء، وتلتقي الشفاه في عناق مستميت.
يجرد شخصًا وكأنه يخاطب نفسه: "قرّب أذنيك من الأرض"! (وهذا الفعل يذكرنا بما كنا نقوم به في صغرنا من إرهاق السمع حتى نستشعر الآتي). إنه السكون المتلاشي، وسيؤول إلى عاصفة- تسمع حشرجة الصمت- والصمت المسموع له حشرجة، له نهاية، ونهر الدماء لا يصمت أبدًا، هو تواصل الأجيال، وهو البحث عن المصب الذي حدثنّا عنه الشاعر في قصيدته "من هديل الحمامة المطوّقة" (انظر ديوان الشاعر: قصائد من حديقة الصبر، ص159). النهر هادر وذو طاقة وأحلام، وعناقيد الأحلام تعرش خلف النوافذ، ورب العاصفة الموعود يتجلّى بالأحلى- عملاق بهاء- وأين؟- في مرتفعات كنعان، بلادنا،- إن هذا الإله هو نفسه إله الخصب الذي بعثته عنات (1) يهدر بالرعد وبالبرق يمنة ويسرة، إنه يحمل البشرى والخلاص.
ويجدر بالذكر في نهاية عرض القصيدة ما لاحظناه من تكرار هذه الصورة في ديوان الشاعر (تجرعت سمك....، ص85) والأهم أنه هناك يفصح عن النتيجة المرتجاه:
يختال على قمة عيبال
على نخل أريحا
يطرد خيل الرجس
..............
لن يقلعني مني طاغ
لن يقلعني ذعر أو وعد قناع شقيق.
****** 
ومن أبرز ما يميّز هذه القصيدة حركة الأفعال، وهي كذلك فعل متحرك- جمل فعلية: تنـزع الأرض، تشرع تينة، تنفض عصفورة، تصهل شرنقة... يستعر الجوع، يتلثم...، ويبلغ مجموعها في القصيدة زهاء عشرين جملة، وهي من أحفل القصائد التي قرأتها بمثل هذه الفعالية الفعلية، وتقع عادة أفعالاً مضارعة تدل على استمرارية  نبعت من واقع أو من ماضٍ ممضّ، فانطلقت لتصحح المسار، فعل وفاعل حتى ولو كان مجهولاً: تشرع نافذة، يتوارب باب، تلوح مجاديف. من شرعها؟ ومن واربها؟ من لوحها؟ النتيجة ستكون أفعالا كذلك: تتفتح شفاه محارة، تلثغ زمجرة...
أما الراوي الشاعر فيقول هو كذلك: أتحسس (في تكرار بداية Anaphore موسيقى ومؤكد- هذه الموسيقية التي لاحظناها كذلك في تكرار تاء المضارعة وفي انسجام إيقاعي متواصل) ومع هذا، فقد ألفينا الجملة الاسمية- وتأخر الفعل أربع مرات:
أ‌- قنبلة الشوق تتك، ولعل السبب في تأخير الفعل هو الناحية الصوتية، ويمكننا ملاحظة ذلك إذا سّبقْنا الفعل.
ب‌- صوتي يتعملق، والسبب في تقديري يكمن في ضرورة الإخبار عن حال الصوت أولاً، خاصة ونحن نخشى فقدانه، إذن فلنبدأ به أولاً.
ت‌- كانون تلثم، بدأ الاسم لأنه الزمن، ولأنه الرمز، ولأنه الاستعارة، بينما عند بداية القصيدة على المستوى الإخباري التقريري كانت الجملة فعلية.
ث‌- دالية الحلم تُعرش، أولا لأنها مثيرة للغرابة والدهشة- دالية الحلم!! ما لها؟ وبعد ذلك تأتي أهمية "تعرش".
وقدرة الشاعر تتجلى كذلك في بناء الاستعارة وهذه المزاوجات، الجناسية والطباقية ذات الطاقة الإبداعية المتوالدة على نحو:"دالية الحلم"، تلثغ زمجرة، مدد، في ساقيه الشرر، كما تتجلى في خلق الكلمات التي قد تكون معجمية وقد لا تكون"، إنها تتواصل في كتابته، ويحسن كيمياءها على نحو: يتعملق، تتك، يتوارب (في هذه القصيدة) و "نَوْفَر" يتلّفع، يلغم (في المجموعة التي أخذنا منها القصيدة ص92،97،98،) وقد تكون أصداء القصائد القديمة تتعارض وتتوازى في تضاعيف كلمات الشاعر، فقرّب أذنيك تسمع حشرجة الصمت، وهذا يتصادى وقول جبران في نهاية المواكب:
وسكون الليل بحر      موجه في مسمعك
والحديث عن دالية الحلم فيها إشعاع من عالم جبران في قصيدته نفسها:
والعناقيد تدلت كثريات الذهب
قلت آنفًا إنني سأعود إلى المجموعة، التي اجتزأنا منها القصيدة، حتى أبحث عن هذا التواصل المنشود في العبارة الواحدة. فالورد الذي يذكره الشاعر في القصيدة كان رمزًا للروح. يقول في المجموعة (ص26):
عند المنبع أبدًا يبتدئ البدء
تتألق جوهرة الوردة
في دورتها الدمويـه (27)
من هنا نفهم صورة البراءة والطهارة في قوله "شرنقة الورد" -  إنها حتما ستتفتق عن فراشة تنشد حريتها.
أما قول الشاعر: "فولاذ الحلم" فهو معنى يرد في مكان آخر في ديوانه " يضفر بالنار الحلم" (39)، فالحلم إذن مرتبط بالقوة- قوة الأطفال فرسان اليقظة خلف اللثام.
وفي قول الشاعر: يا بحر زنود البرعم يوحي لنا أن البراعم رمز للأطفال، وقد ذكر ذلك في ديوانه وهو يخاطب شادي:
للبرعم أن تفتح جفنيه أكفُّ الطل
لا أن يحترق بماء النار
ويغرق في حمأ القتل
يا شادي
حقك أن تتفيأ ظل طفولتك الغضـه. (ص62)
وها هو مرة أخرى يعود إلى جوهرة الورد في علاقته بالبرعم- الطفل-:
يا حارق أحداق البرعم
تطلع جوهرة الوردة سيفًا مشتعلاً
تحترق طفولته في لهب بطولته (ص66)
أما معنى " أتحسس صوتي يشحذ ظله فوق براري السهد" فقد وقعت عليه في معنى مشابه وبصورة أخرى في المجموعة:
"لم تدرك أن بذور الجمر تبرعم في عتمات السهد". (ص90)

ومن هنا فإنني أرى الحاجة الملحة لنقد النص لشاعر ما من خلال تصاديه لأشعاره وتواصله معها، وفي ذلك خدمة للنص أولا.
***** 

ومن شهادات محمود درويش التي استمعت إليها في برنامج تلفزيوني أن الشاعر حنا أبو حنا علّمه "ترابية القصيدة"،  فهذه شهادة اعتز بها كل منهما، والترابية تعني الالتصاق بالأرض والجذر، وقصيدتنا التي توقفنا فيها وعندها تمثل هذا الالتصاق الحميم: تنزع الأرض (معطفها الأصفر-اليبوسة)- كناية عن بداية الشتاء، واستخدام التينة والعصفورة لاستمرار الرمز نفسه و "رَوْحَنَة" الورد الحر ، والاستعانة بالحجل والسنبلة والدالية وحتى "قرب أذنيك من الأرض"، وفي ذلك كذلك أقدم شهادة د. عبد الرحمن ياغي في تقديمه لديوان "نداء الجراح" منشورات مكتبة عمان-1969):
"...كما نحس حرصه على رفع رايات الهداية للأطفال، واطلاعهم على أصدق الأنباء فيما يتصل بحكاية أرضهم والنضال في سبيل إنقاذها وتحمل الأعباء كلها في سبيل أن تكون دروبهم وردًا ورياحين".
------------
(1) البعل وعنات ملحمة كنعانية، والبعل هو إله المطر والعاصفة والخصب، وعندما انتصر البعل على خصمه، راح يخلق البرق والرعد وينظم نزول المطر، وكان لا بد من مقاومة إله الموت، وكاد أن يقع في فخه، لكن عنات أخذت تفتش عن أخيها البعل، واستعانت بالشمس على استرداد، ثم راحت تبشر بعودته وتقول، ستمطر السماء زيـتًا وستسيل الأودية عسلاً.
(2) أما "السائق" و ""الطارد" فهما نبوتان كان يقاوم البعل بهما ويسوق ويطرد أعداءه.
(3) (راجع: أنيس فريحة: ملاحم وأساطير من أوغريت- بيروت، 1966 النص6، العمود3).

 

 

 

 

 

 


القصيدة:
ألا ليت لي خافقًا منْ خزف!!
حسين مهنا
"إلى نبيلة"


...وحينَ بكيتِ،
وقُلتِ وداعًا..
تذكرتُ ذات صباحٍ جميلٍ،
غداةَ وُلدت..
تذكّرت أَني وعدتُ القمرْ
بألا تكوني أشدّ نقاءً وأبـهى
فكذبتِ وعدي،
وكنتِ..
وأذكُرُ أني وعدتُ الزّهر
بألا تكوني أحب وأشهى
فكذبت وعدي..
وكنت..
وأذكر أني وعدتُ صفاء النهر
وأني وعدت اخضرار الشجر
وأني وعدت وفاء المَطَرْ
فكذبت كل وعودي
وكنت أرقَّ وأندى
وأنضر عودًا وقدًا..
وكنت..
بُنيّة!!
إني أراك بثوب الزِّفاف،
أراك كما رأيتك ذات صباح جميل-
غداة وُلدت
أراك تموئين خلف الزجاج-
ملاكا طريء الجناح،
وخلف الزجاج تشدين وجهك
نحو الحياة..
وثغرُك يرضع نسغَ الدّقائق..
يومًا..فيومًا..
نسجت الحياة بنَوْل الجمال شبابًا وريفَ الظلال
وفير الغلال
ينيع الثمر
بُنية!!
مهما ابتعدت
تظلي بصدريَ ضلعًا لصيقًا
لقلب يرف على مُقلتيك
رفيفَ النسيم قبيل السحر.
ومهما كبرت..
تظلي بعيني
كما قد رأيتك خلف الزجاج-
غداة وُلدت...
سلام عليك غداة وُلدت-
وحين نسجت الحياة شبابًا
وفي كل حين
وأنى ارتحلت
وأنى حللت
ومهما هجرتِ..
وعُذرًا..
لأني وعدتُ القمر
غداة ولدت،
بألا تكوني أشدّ نقاءً وأبـهى
فكذبت وعدي..
وكان الضياء
وكان البهاء
وكان الوفاء
وكان الصفاء
وكنت..


                                                                1993.7.28
----------
نشرت في ديوان الحب أولا-  (1995 )  -ص 109

 

 

 

 

 


قراءة في القصيدة:

القصائد التي كتبها الشعراء عن الابنة، نادرة، وأندر منها- إن لم تكن معدومة- تلك القصيدة التي تتحدث عن الابنة في يوم زفافها.
وقصيدة الشاعر حسين مهنا- "ألا ليت لي خافقًا من خزف"- لون جديد في شعرنا- في موضوعها وفي أدائها، فهي تروعنا بصدقها وانسيابيتها وعفويتها، يقدمها الشاعر إلى ابنته "نبيلة".
يبدأ الشاعر قصيدته بنقاط .... هي إشارة إلى أن الكلمات واتته بعد استرسال معاناة ومحاولة كظم للحزن، فينطقها الشاعر:
...وحين بكيت
وقلت وداعاً...
ولفظة "وداعًا" بحد ذاتها تثير الشجن، فكيف إذا انطلقت من ابنة عزيزة عاشت أيامها بطفولتها وشبابها الغض وعنفوانها في ظل عائلة تحضنها بكل الحب والحميمة.
ومع "وداعا" يتذكر الراوي الشاعر زيارته لمستشفى الولادة قبل عقدين، حيث كانت "تموء" الطفلة خلف الزجاج، فيذكر فرحته بها-  فرحته بهذا الملاك الذي جاء لينافس القمر والزهر والنهر والشجر والمطر- بكل عطائها.
ورغم أنه وعد عناصر الطبيعة تلك أن تبقى مثلاً أعلى في طاقاتها وبهجتها وعطائيتها فإنه يرى في "نبيلة" ما يفوق في هذه العناصر، وما يكذب هذه الوعود التي تعهد بها في محراب الطبيعة.
يعيدنا الشاعر إلى طفولة ابنته، حيث كان ثغرها يرضع نُسغ الدقائق، وتكبر فتزداد جمالاً وشبابًا، وهذا الجمال يعتز به الأب كما يعتز بشبابها وريف الظلال ووفير الغلال. إنها الإنسانية الصادقة على لسان أب شاعر لا يرى في جمال ابنته وحيويتها وشبابها مأخذًا أو أمرًا يسوقه للحياء في الحديث عنه أمام مجتمع ما زال يرى في المرأة عورة –بنسبة لا يستهان بها- فحبه لها عميق مهما ابتعدت، وستظل وكأنها تلك الطفلة التي كانت، وهي في حلها وترحالها يرعاها هذا الأب، ويدعو لها بالسلام، ويجعلها رمزًا للمعاني الجميلة من ضياء وبهاء ووفاء.
وإذا كان المضمون مُشْبعًا بهذه الأبوة الرقيقة الحانية فإن العاطفة تتبدى لنا وكأنها حلة العروس الشفافة فهي تتأجج لدى الراوي الشاعر بدءًا من العنوان الموحي بهذه المعاناة الأبوية، لأن خافق الأب من لحم ودم، وهو لا يحتمل هذه الفرقة المرغمة، فليت له خافقًا آخر وليكن من خزف، ولكنه سرعان ما يفطن إلى الحقيقة فيقول بعاطفة جيّاشة معتزة:
بنية!!
مهما ابتعدت...
تظلي بصدريَ ضلعًا لصيقًا
لقلب يرف على مقلتيك
رفيف النسيم قبيل السَحَرْ
ثم إن التذكر بحد ذاته فيه خلجات عاطفية خفيفة، يعلن عنها الأب في رحلة صمته من خلال متابعته لخط سير عمرها وللمراحل التي اجتازتها، وبعد أن تفاجئه حقيقة كبرها ، وأنها في بدلتها البيضاء، يقول معاندًا وكأنه هو الطفل –هذه المرة:
ومهما كبرت
تظلي بعيني
كما قد رأيتك خلف الزجاج
غداة ولدت...
وتقضي العاطفة أن يلجأ الشاعر إلى تكرار يموسق الكلمات ويرنّمها دمعة تلو دمعة بتساوق رقيق رهيف:
تذكرت...تذكرت
فكذبت...
وكنت...
وأذكر...
أني...وكنت
بنيّة...
مهما ... ومهما ... ومهما
وأني ... وأنـي
وكان...
وكان...
وكان...
وكان...
وكنتِ...
ويبدو لي إن الكلمات المكرورة وحدها تصوغ قصيدة أو تشكلها في شحنات تختفي وراء النص كأنها نشيج داخلي يكفّه الفرح، أو كأنها عناق عميق يدافعه أضطرار للتسليم بالواقع.
وهذه الموسيقية التي أُديَت عبر التكرار أضفاها البحر المتقارب في قصيدة من الشعر الحر الذي لا يخضع لتساوي التفعيلات. وهي هنا مصداق يؤكد ضرورة مثل هذا الشعر في تبيان الصدق النفسي والشعوري.
فانظر إلى توقفه عند السطر:
                       وكنتِ
فإنك واجد أن كل إضافة قد تقتل هذا الزخم الشعوري الذي أداه الاكتفاء.
والكلمات في القصيدة منتقاة لتؤدي هذه الموسيقية، ففيها تجانس صوتي وتناغم، وخاصة في ياء المد، نحو:
   ... شبابًا وريف الظلال
   وفير الغلال
   ينيع الثمر
أو:
   ... رفيف النسيم قُبيل السحر
لن أفتعل التصور بأن هذه الياء تماثل صوت البكاء الذي يُسمع في مثل هذا الموقف، بل أؤكد أن الإيقاع كان متوترًا، ولا يهمني هنا إن كان الإيقاع داخليًا أو خارجيًا- في مصطلحات النقد.
والآية الكريمة: ((وسَلامٌ عليه يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حيَّا)) (سورة مريم-15) وردت على لسان الشاعر بأداء مغاير وفي خدمة مؤدى مستجد:
سلامٌ عليك غداة ولدتِ
وحين نسجت الحياة شبابًا
وفي كل حين
وأنّى  ارتحلت
وأنّى  حللت.*
----------  
* ومن باب الشيء بالشيء يذكر، أُشير إلى أنني قد أفدت كذلك من هذه الآية الكريمة في قصيدة لي بعنوان "الستة في حوار"- (ديوان: يا وطني) وهي تدور حول حكاية ما جرى في "يوم الأرض" فقلت:
"فسلام يوم صرخنا
وسلام يوم صرخنا
وسلام يوم سنبقى أقوى".

 


وهذا الصدى القرآني جملّه الشاعر في السطرين الأخيرين بالمطابقة اللغوية المعروفة (الحل، والترحال) غافلاً عن موضوع الموت الوارد في النص الأصلي، فعكسه الشاعر –بحق- إلى معنى شباب الحياة التي نسجته.
وإذا كانت الألفاظ منتقاة بموسيقيتها فإنها توائم كذلك –في كثير منها- واقع الحال، فالشاعر يخاطب ابنته:
نسجت الحياة بنول الجمال شبابًا وريف الظلال
فهنا "النسيج" و "النول"، ولأن النسيج يطول عادة زمنيًا فإن البيت الشعري امتد في نَفَس أطول.
ومن الألفاظ المعبرة عن جو الطفولة العذبة:
تموئين خلف الزجاج

وهذه الألفة في "تموئين" يحسّها الأب من خلال معاينة، وحتى "طريء الجناح" فإنه يحسّها من خلال ملامسة لهذه النعومة والغضاضة.
الخيال في القصيدة:
كثيرًا ما انعكس الخيال في الأدب العربي القديم، من خلال التشبيهات، ومنها ما هو على غرار قول أبي بكر الخالدي:
يا شبيه البدر حسنًا          وضياءً    ومنالا
وشبيه الغصنِ لينًا            وقوامًا واعتدالا
أنت مثل الورد لونًا          ونسيمًا وغلالا

كما عرفنا التشبيه المقلوب الذي عمدوا إليه في المبالغات والغلو على نحو ما قاله محمد بن وهيب الحميري:
وبدا الصباح كأن غرته           وجه الخليفة حين يُمتدح

ويقرب من هذا النوع ما ذكره الحلبي في كتاب "حسن التوسل" وسماه "تشبيه التفضيل" –وهو أن يشبه بشيء لفظًا أو تقديرًا ثم يعدل عن التشبيه لادعاء أن المشبه به أقل، نحو:

حسبت جمالها بدرًا منيرا
                    وأين البدر من ذاك الجمال ؟

لكن شاعرنا يأتي بتشبيه مركب، فبدلا من أن يقول عنها- وبصورة مباشرة- أنها نقية وبهية كالقمر، فإنه يجري هذا الحوار الحميم بينه وبين القمر، فيعده بأن تظل له مكانته وهيبته، لكن الابنة النقية البهية تفوق القمر فيعترف أنها هي السبب في التجاوز:
فكذبت وعدي
وهكذا تستمر تشبيهاته المركبة بحيوية الطبيعة الدافقة الغارقة في جمالها، وهو ينأى عن أركان التشبيه المطروقة، ويغادر تقاليد البلاغة الآسرة التي قد تقيد من حركة أخيلته. تتنامى الصور لديه، وتتكامل بما يخدم رؤيته، وتتآزر لتقدم بُنى  فكرية وخلجات عاطفية تتجدد مع كل قراءة.
وأخيرًا،
فهذه قصيدة أوردتها ترجمانـًا لخافق أب- خافق ليس من خزف- وتسجيلاً أمينًا لما يضطرم بين جوانحه. وقد أدى الشاعر معانيـه ملبسًا إياها حلل اللفظ الرائق الشفاف كبدلة العروس، فرفع بذلك قيمة التعبير والصياغة، وقدم أبعادًا إيحائية ودلالية في  رباط محكم من البنى الفنية والشعورية.

 

 

 


القصيدة:
لميرا ملجأ في صدري
ميشيل حداد
أَنتظر مِن الشّمعة في الصّحنْ
حينَ يذوبُ الثوبُ الأبيضْ
أن تطرحَهُ في القاعْ
كَسَطيحٍ حينَ يَزُولُ هياجُه
حينَ يَعودُ حَكيمًا
فَهُناكْ
أغْرزُ في الشّمْع الذائِبِ شَمْعَـه
حَمْراءَ تَضِجُ بلَوْنِ الدّمِ المتدفِقِ
في الجَبَهات
لونًا يَنْزِفُ من جُرْحِ القَلْب
يَنْزفُ مِنْ نَشرة أخبارْ
منْ تَعتيمِ فوقَ مدينتنا
منْ وحشةِ جَزَعٍ مذياعًا
يعلكُ أنباءَ الحربْ
مثلَ صغيرٍ في فَمِه لبانٌ يَمضَغُهُ
يَمتصُ رَحيقَه
يَبصُقُهُ أينَ يشاءْ
وأَضأتُ الشمعة
لا لصغيرٍ يحتفلُ بعيدهِ
لا لإِلهٍ أخشى غَضَبه
لا لمسن أتملق إرثه
فالشمعة هذي حين أضاءت
ارتعشت مكتئبه
بَددتِ العتمة بصعوبته
عن ورقي الأصفر
أخَذَت ترقب قلمي
يُلقي الظل المندفع كما الصاروخ
يتركُ للكلماتِ الزاحفةِ
على الأسطُر
تنويها بالسلم
لا أرضى أن أكتُبَ تاريخًا
للحرب بِشعري
أيام الحَرب تَوَدّ
لو أن لم تبزُغ فيها
أَيّةُ شمسٍ فوق الأرض
لو لم تَشهد سببًا للقتل
فالحرب كما هِيَ للجالس
فوقَ المقعد في البيتْ
شيءٌ يسمعهُ من مذياع
وَيَراه على شاشة "تلفاز"
لكن في الجبهات،
ببساطةِ كلّ الأميين
كُلّ الأطفال
كل الجداتِ ذواتِ التسعين
تشويهٌ تقتيلٌ ودمار
والآن
أشتُمُ بالفصحى، أخجل
فالعربية لغة تأبى الإسفاف
رغم العلم بأن "الفانتوم" و "السوخوي"
كما "الميراج"
أسماء لطيور بشعة
تحملُ موتًا أحمر
لكن حين حذفنا حرْفَ الجيم
من "ميراج" أصبح "ميرا"
اسمًا عذبًا لصغيره
لفتاةٍ حلوه
حتى لو لم يُذْكَر
بين الأسماء العربيه
والآن
أتذكّر، أتذكّر
أن العالم زينته الأطفال
في السلمِ أُحب الأطفال
في الحرب
أتمنى لو أجعل صدري ملجأهم
أحميهم من صفارات الإنذار
من التعتيم من الغارات
ومن كل الأخطار

 

 

 


قراءة في القصيدة

من القصائد التي يستطيع القارئ أن يتعرف من خلالها على صاحبها هذه القصيدة التي نعالجها والتي أعتبرها بطاقة دخول إلى عالم ميشيل حداد.
يجعل الشاعر "الشموع" موتيف قصيدته الأول، فالشمعات يشعلها الناس أيام الحرب في ساعات منع التجوال وانقطاع الكهرباء، والشمعة البيضاء عندما تذوب وتتكوم في الصحن تكون أشبه بسطيح الكاهن الذي عرف عنه في الأسطورة العربية أنه خالٍ من العظام، ولا يقعد منبسطًا إلا إذا هاج وغضب، ثم بعدها يهدأ ويعود حكيمًا (2).
والشمعة الحمراء في احتدام ساعة الحرب تمثل لون الدم النازف من نشرة الأخبار التي تنقل أنباء القتل، وحين تتكرر هذه الأخبار تصبح كلبانٍ أو علكة سرعان ما تلفظ.
والشمعة في البيت المسيحي لها دلالة، فهي تُضاء أمام الأيقونات، وهي النذر أيضًا، وميشيل يضيء الشمعة تلو الشمعة. لا لصغير يحتفل بعيد ميلاده، ولا لإله يخشى غضبه –وهو المؤمن- ولا لمسن يأمل أن يوصي له ببعض الإرث.
ويصل الشاعر بين الشمعة وبين موضوع الكتابة –الدعوة إلى السلم فيكتب  على ضوء الشمعة، واصفًا للحرب بأنها تعني التشويه والتقتيل والدمار. وحين يغضب ويود أن يشتم باللغة العربية الفصيحة يتراجع مؤكدًا أن هذه اللغة –وبالتالي الإنسان العربي –لغة تأبى الإسفاف- رغم كل الادعاءات على هذه اللغة بأنها تحتوي على حروف صعبة كالضاد والظاء والعين والقاف- وهي لغة الأصالة والنقاء.
هو لن يشتم رغم أنه يعرف أسماء الطائرات البشعة- باللغات الأجنبية- والتي تسبب الدمار والثبور، بل يرى في إحداها وجهًا آخر ينتزع الخير من الشر، فالميراج كلمة يلعب بها الشاعر لعبة طفولية، فيحذف منها حرف الجيم فتصبح (ميرا) -  اسم فتاة من اللغة العبرية (في الأصل مئيرا أو عميره) وربما ترد اللفظة في لغات أخرى بمعنى عذب على الأسماع(3).
والطفولة هي الموتيف الثاني في القصيدة(4)، فيغدو ميشيل شيخًا حنونًا يحب الأطفال في السلم، ويفتح لهم صدره ليحميهم في الحرب، حتى لا يخشَوا صفارات الإنذار والتعتيم والغارات وكل ما يحدق بهم من أخطار.
اللغة والأسلوب:
تتسلسل القصيدة في اطّراد، فمن الحديث عن الشموع إلى الحديث عن الكتابة في موضوع السلم والحرب، ثم تنتقل إلى الطفولة وبها تنتهي. وهذا التسلسل فيه متابعة المعنى واكتمال الصورة، رغم أن ثمة إمكانية أن تكون القصيدة ثلاث قصائد مستقلة، تنتهي الأولى عند قوله- "تنويهًا للسلم" وتنتهي الثانية عند قوله- "تشويه تقتيل ودمار" ويمكن أن تبدأ القصيدة وموضوعها الطفولة بقوله- "والآن أتذكر" وكأنها تسترجع معاني وإيحاءات قبْلية.
وهذه المقطوعات الثلاث مترابطة بشكل وثيق حتى ولو استطعنا اجتزاءها، فموضوعها الحرب وموتيفاها –كما أشرنا -الشمعة والطفولة.وسواء أكانت القصيدة واحدة أو هي ثلاث قصائد فإننا نحس بالنفس الشعري الواحد، حتى ولو  كان على ثلاث مدات.
وتنطلق القصيدة من هدوء نفسي وتفكير مستقر، فالقصيدة كُتبت بُعَيد ساعات التعتيم ليس فيها أو خلالها، إذ لا نكاد نرى الانفعال المتواتر الذي يتجلى عادةً في أساليب الاستفهام والتساؤل والنداء وسواها من أساليب الانفعال الضاغطة، ولا يمكن للشاعر أن يرى "ميراج" تهدر وتئز فيتمنى أن يحذف حرف الجيم من نهاية الكلمة، كما أن الشتم بالفصحى لا يمكن أن يخطر بالبال ما دامت العامية هي الأقرب في تعبيرها عن حركة الواقع وضرورة الموقف.
وربما يكون وصف كتابته على ضوء الشمعة هو الجزء المقنع في القصيدة بأنه في ساعة الأزمة، رغم إنه ورد بلغة الفعل الماضي- خلافًا لسائر أقسام القصيدة- القلم اندفع كالصاروخ وهو في سبيل غاية نبيلة.
وفي هذا الوصف الذي أشرنا إليه مفارقة جديدة إذ أن الشاعر يستعمل أداة من أدوات الحرب في سياق لم يكن متوقعًا. كما لاحظنا مفارقة أخرى في مطلع القصيدة، فالشمعة الأولى التي كانت كسطيح من المفروض أن تعود إلى الحكمة بعد زوال هياجها، فإذا بها تستمر، وتكون عونًا لشمعة أخرى حمراء تُغرز في شمعها الذائب.
أما أسلوب التكرار على طريقة anaphore فإننا نجده باستعمال حرف الجر (من) بقصد التنويع والتوزيع:
"ينزف من جرح القلب
ينزف من نشرة الأخبار
من تعتيم فوق مدينتنا
من وحشة جزع صامت"
وتوصيل (من)في كل مرة يقدم دلالة متباينة لا تستطيع واو العطف أن تقدمها. وقد عاد الشاعر إلى تكرار (من) في نهاية القصيدة ليبين أنواع الحماية التي يقدمها للأطفال، وهو بهذا التكرار ثانية يُثري إيقاع القصيدة.
أما كلمة (رغم) ففي استعمالها الثاني لا تؤدي المعنى لأول، بل تحمل في دلالتها تذكيرًا بكون اللغات الأخرى هي التي تحمل الأسماء الصعبة.
وكذلك تكررت (لا) حين يبين نفي المآرب المعهودة من وراء إيقاد الشموع، ونتساءل بعد كل نفي: إذًا لماذا توقد هذه الشموع؟ وفي هذا الأسلوب إثارة.
وتؤدي كلمة (كل) بالإضافة إلى التنويع نوعًا من الشمولية والإحساس الطاغي الذي يعبر عنه الشاعر، وكأنه يتحدث بلهجته العادية التعميمية.
وفي قوله (أتذكر أتذكر) قرع الأسماع (ولفت الانتباه) لأهمية ما سيذكره في خاتمة القصيدة أو بيت القصيد.
ويستعمل الشاعر ألفاظًا من القاموس الشعبي فكلمات "بساطة، شدتنا، صفارات، تعتيم" لها استعمالات استقاها الشاعر من اللغة الحديثة، بالإضافة إلى استعمال "الصاروخ، الفانتوم، السوخوي، الميراج" بما يضفي جوًا واقعيًا. لكنه من جهة أخرى يستعمل "مذياع ، تلفاز" وفق توصيات مجمع اللغة العربية.
وفي القصيدة يلاحظ القارئ كثرة ما أسماه "حروفًا صعبة" ففي السطور الأولى، "كسطيح، تضج، المتدفق..الخ" وكأن الشاعر يتعمد هذه الأصوات ليعطي الدلالة بالتالي أن اللغة العربية تدعو للسلم رغم أن حروفها لا تروق لآذان البعض، أو كأنها موازنة لجو الهدوء المستمر حتى الملل في ساعات الخوف والانكماش.
وألفاظ الشاعر وتساوقها يجعلنا نشاركه في استشفاف الصورة، فتواتر الأفعال (بدون حرف عطف) يقدم شريطًا: (يعلك، يمضغه، يمتصه، يبصقه) وهذه من شأنها أن تجعلك تتخيل الصورة، وكأنك أنت الذي تقوم بذلك، أو قمت بذلك في طفولتك.
 وحديثه عن الحرب كما يتخيلها الجالس قبالة الراديو أو التلفزيون صورة حية تجعلك تتخيل نفسك وأنت تستعرض مشاهد الحرب، وذكر الجدات ذوات التسعين يجعلك تستوعي في ذهنك صورة عجوز تعرفها.... وهي تلخص لك أن الحرب قتل وخراب بيوت.
كما أن وصف الحرب تشويه تقتيل ودمار فيها تخيل وتصوير مركّزان.
وحين يتمنى الشاعر أن يجعل صدره ملجأ للأطفال يجعلك تستعيد صورة طفل في حضنه أو حضنك أنت حيث تضغط عليه بحنان.
ومثل هذا الشعر يدخل في باب الشعر التصويري  (Imagism) الذي أشارت إليه الشاعرة  lowel (1874-1925) في الأنثولوجيا التي أعدتها "some Imagist Poets” (5)  
أما التشبيهات والاستعارات أو المجاز فإننا نلاحظ أنها تكاد تنعدم عندما يتوصل الشاعر إلى القسم الثالث –الطفولة- وكأني به لا يرى ضرورة لإلباس اللغة كثافة الصورة، بل اعتمد على براءة المعنى العميق.
ومن هذه المجازات القليلة اعتبار الطائرات طيورًا، وهذه الصورة لا شك مستمدة من عالم الأطفال.
لكن هذه اللغة المجازية تزداد عند حديثه عن الحرب، فالمذياع يعلك الأنباء مثل صغير... والشمعة ارتعشت.... والقلم كالصاروخ... وأيام الحرب تود...".
وبصورة عامة فإن الشاعر لا يكثر من اللغة المجازية ،  بل يسترسل في لغة شبه نثرية معتمدًا على الإيحاء العام والتساؤل الملحّ بعد قراءة القصيدة.
وفي نسيج القصيدة أشرنا إلى أن الشاعر أفاد من الأسطورة العربية من قصة (سطيح) الكاهن الذي تنبأ بظهور النبي محمد (ص). وكان ممتلئا بالحكمة، ولعل استحضار صورة سطيح تستدعي بالضرورة السلامة والحكمة والخير، لكن القصيدة لم تستطع أن تفيد من هذا الرمز بشكل كاف، علمًا أن هذا الرمز ليس مستهلكًا أو مطروقًا في الشعر الحديث.
وهكذا يتبين لنا أن الشاعر استطاع أن يقدم خلال هذه القصيدة مضمونًا إنسانيًا رفيعًا بلغة تتماثل والموقف، فنقل لنا عبر تجربته شعرًا تصويريًا يتعمد ألفاظًا منتقاة من حركة الواقع.
________________  
الإشارات
1- حداد ميشيل "إن تسأل"، مطبعة الحكيم، الناصرة- 1975، ص29.
2- انظر مادة سطيح في لسان العرب، وكذلك كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ج6 ص765-766.
3- مثلا كلمة (مير)  في اللغة الروسية تعني (السلام).
4- يتبدى هذا الحنو على الأطفال كذلك في قصيدة "على الحدود" أنظر ديوانه أرصفة الحرية، دار المشرق، شفاعمرو- 1984 ص61 حيث يخاطب الضابط في القيادة الإسرائيلية.ف) والذي يحارب في لبنان:
                                *ارجع إلى طفلتك التي تنتظرك
                                 يلفها النسيم قرب الحاجز المشبوه
                                 تشتاق أن تعود كي تعانقك
                                 بفرحة لا بد أن يحظى بها الصغار
                               في بلادهم
                                في ظل عالم بلا أسلاك
                                في ظل عالم من الأشواق"
5- أنظر مقدمة الكتاب:
Some imagist Poets; volume I Boston and New-York
  ، HOUCHTON Mifflin Company، ، ، The Press Cambridge، 1915. Kraus Reprint -New York- 1961
إذ تشير إلى أن هدف الشعر هو إعادة الصور المرئية باستخدامها الدقيق، وأن الشاعر يستحضر صورة هي قاسية صافية ومركزة.

 

 

 

 

 

 

 

 

القصيدة:
نعي الشيخوخة
أحمد طاهر يونس
       

...كنت أقرأ في الجزء الخامس عشر من معجم الأدباء لياقوت:

كبرت وجاء الشيب والضعف والبلى
وكل امرئ يبكي إذا عاش ما عشت
أقول وقد جاوزت تسعين حِجَّة
كأن لم أكن فيها وليدا   وقد كنت
وأنكرت لما أن مضى جُلّ قوتي
وتزداد ضعفًا قوتي   كلما   زدتُ
كأني إذا أسرعتُ في المشي واقف
لقرب خطا ما مسها قِصرًا   وَقتُ
وصرت أخاف الشيء كان يخافني
أُعد من الموتى لضعفي وما   متُّ
وأسهر من برد الشتاء ولينه
وإن كنت بين القوم في مجلس نمتُ

فأضفت على هذه القصيدة ما يلي:

يخوضون في شتى الأحاديث ناظرًا
إليهم، حزينًا، ناب عن سمعي الصمت
لئن ضحكوا لم أدر ماذا أثارهم
كفى    حَزَنًا أني  إلى  هذه   صرت
أعود إلى الماضي، فلم أرَ   أنني
 بيوم من الأيام عن   مبدئي  حدت
وأسأل نفسي هل عن الفضل أحجمت
وهل حاولت ترنو إلى غير ما  شئت
أولئك آبائي وأعلام مجدنا
لعلي بما شاؤوا   لأحفادهم   قمت
فيا هذه الدنيا أراك سخيفة
وما فيك إلا الحزن والهم    والمقت
إذا غاب نجمي فيك لست بآسفٍ
فيا ليت مذ عامين عن عالمي  غِبْتُ
لكل امرئ بعد التأني نهاية
يعود ترابًا لا يصيف  ولا    يشتو
فيا رب لطفًا بي إذا الشمس كُوّرت
فلم أك إلا مؤمنًا  زانه    السمت
فإن لم  (أغالي) في العبادة والتقى
فإني عن  الآثام يا   خالقي   تبت
على قدر ما أوفيتني العزم والحجا
لأجيالنا  قيما   يعززها      همت
لئن جاء يومي وانطوت صفحة الأسى
فأهلا به يومًا إلى مصدري  أُبت
ولا تحزنوا يا معشر الأهل إنني
 سئمت حياة في تفهمها     حِرت
عزائي بأني مـُحصَن في عروبتي
وفي البِيض من أيامها الغر  آمنت


(مجلة المواكب، عدد 3-4/ 1994، ص82)                        


قراءة في القصيدة
            طالع الشاعر قصيدة قديمة هي  للشاعر الأثرم (علي بن المغيرة المتوفى سنة 232هـ) فاستجاشته هذه، لما فيها من مشابهة حاله بحاله، فلم يقل شاعرنا المعاصر: "فعارضت" وإنما قال "فأضفت" وبالطبع فإن في المعارضة محاولة المجاراة والتفوق على المعنى بمعنى مستجدّ، لكنه هنا ليس في معرض معارضة، بل في معرض التبنّي والتقدير والتمثل.  وعندما يصل الشاعر إلى تبني شعر غيره فهو يحترم شاعريته أولاً وقبلاً. وهذا الفرزدق لم يجد  ما رثي به زوجه أفضل مما رثى به جرير، فينشد الفرزدق من شعر خصمه بالأمس: "لولا الحياء لهاجني استعبار..."
وإذا كان الأثرم قد أتى بمعانٍ إنسانية صادقة، وذلك في وصفه: "كأني إذا أسرعت في المشي واقف أو "وصرت أخاف الشيء كان يخافني" أو "أُعدّ من الموتى لضعفي وما مت" أو " كأن لم أكن فيها وليدًا" أو "إن كنت بين القوم في مجلس نمتُ".    
فإننا نلاحظ أن شاعرنا أحمد يتعمق في أداء هذه الصفات بصدق الشاعرية والعفوية... فالقوم يخوضون في أحاديث شتى، وهو يرنو إليهم بحزن، لأنه لا يشاركهم، ولأن الصمت ينوب عن سماعه... هم يضحكون ولا يدري ماذا أثارهم... وهذه ذروة الأسى... يعود إلى الماضي (وهذه سمة لاصقة في الشيوخ) يرى أنه مازال سائرًا على مبادئه.. في درب الفضل... معتزًا بالآباء والأجداد الأمجاد، وبكونه حفيدًا لهم. إنه لا يأسف على النهاية، فالدنيا ليس فيها إلا العنت... فلماذا لم يمت قبل سنتين بعد أن لاقت زوجه لبيبة وجه ربها...
 إذن ليقبل على النهاية... فهو مؤمن زانه السّمت والهيئة... وصحيح أنه لم يفرط في العبادة والتقوى، ولكنه يعترف أنه تاب عن كل مأثمة، فالتائب عن الذنب كمن لا ذنب له.
إنه يهيم بما يحقق للأجيال حجى وسجايا وعزيمة... إذن فمرحبًا بهذا اليوم الذي سيمضي فيه، لأنه سيعود إلى الأصل والجوهر. وأنتم أيها الأهل والأحبة- لا تهنوا ولا تحزنوا، فقد سئمت تكاليف هذه الحياة التي حرت فيها وعييت عن تفهمها. ويبقى لي عزاء أنني محصن وأصيل في عروبتي، وفي تاريخ أمتي بصفحاته الغراء.
الشاعر في هذه القصيدة يمتح من معين الأدب القديم والتراث، لذا فيصح أن نعتبره من أنصار مدرسة الإحياء، فعندما يقول الشاعر: "أولئك آبائي" يستحضر في ذهنه قول الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وفي قوله: "على قدر ما أوفيتني العزم والحجا" فيه عودة إلى قول المتنبي- "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، وكما لا يخفى فإن في قوله "سئمت حياة" تذكير بقول زهير:
"سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولاً - لا أبا لك -  يسأم
أو قول لبيد:
ولقد سئمت الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس "كيف لبيد؟"
وعندما يقول الشاعر:
"وفي البيض من أيامها الغر آمنت "يذكرنا بما وصف السموءل فيه أيام قبيلِه:
وأيامنا مشهورة في عدونا
لها غرر معلومة وحجول.
ونجد في قصيدة الشاعر ما أفاد منه من مطالعاته ومستمعاته، فعندما يقول : "فيا هذه الدنيا" فإنما يستعمل قالبًا مرددًا:
فيا هذه الدنيا أطلي واسمعي
صوت الأعادي جاء يبغي مصرعي

وعندما يقول الشاعر:
فإن لم أغال.....في العبادة والتقى
فإني عن الآثام يا خالقي تبت
يذكرنا بعمر الخيام وما ترجمه أحمد رامي:
إن لم أكن أخلصت في طاعتك
   فإنني   أطمع في      رحمتك
 وإنما يشفع لي أنني
قد عشت لا أشرك في وحدتك

وهذا التأثير الخيامي انعكس كذلك في حيرته وعجزه عن فهم سر الحياة، فهذا عمر الخيام حائرًا حتى في ساعة موته:
لبست ثوب العيش لم أُستشَر
وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنضو الثوب عني ولم
أدرك لماذا جئت أين المفر؟!
وشعراء التراث عادة ينهلون من القرآن يستقون منه الصورة والعبارة، فهذا شاعرنا يستعمل ألفاظ. الحَزَن، غياب النجم أو أفوله، فيا رب لطفًا و "يخوضون" ...بل يستعمل تعبيرًا أو جزءًا من آية:
فيا رب لطفًا إذا الشمس كوّرت" فتكوير الشمس يتم يوم القيامة عندما تنكس الشمس أو تكسف، ولكنه يعتبر هذا التكوير يوم وداعه للدنيا، فشمسه هو هي التي كوّرت، وفي هذي معنى بلاغي فيه مبالغة.
***** 

وتبقى في القصيدة هَنات لغوية، وبعضها طباعية، ومنها: فإن لم أغالي ويجب تصويبها "لم أغال" و "دون الإخلال بالوزن، وفي أصل القصيدة" لأجيالنا فيما يعززها همت" وقد ارتأيت أن تكون" يعززها" ولا أدري ماذا كانت في الأصل.
 وأنا لا أفضل الوصف في قوله: "فيا هذه الدنيا أراك سخيفة" ولو تسنى لي- مع أني أنا الذي اقترحت عليه موضوع القصيدة – لجعلتها" عزيزة:
فيا هذه الدنيا أراك عزيزة
وما فيك إلا الحزن والهمّ والمقت،
ذلك لأنه كان يعز الدنيا، ويحبها رغم كل المشاق، فالحياة جميلة ورائعة وعزيزة... وهو يعتبر نفسه استمرارًا للتاريخ وللعظمة، حفيدًا له دور ومكانة... متعشقًا لعروبته، لهذا كان عزاؤه بأنه محصن في عروبته، وهذا المعنى ورد في القصيدة الأولى من ديوانه "هجير وظلال":
ضعوا علم العروبة فوق رأسي
إذا انسدلت على الدنيا جفوني
ليبقى في رفاتي مستقرًا
أنيسًا فهو   معتقدي    وديني
تعشقت العروبة لا أبالي
فكم أذكت  مآسيها شجوني

إذن حياته ليست إلا عزيزة، ولها معنى، ولها وظيفة، ولها محبة.
 ولعل سائلاً يسأل: ولماذا تمنى الشاعر أن تكون نهايته قبل سنتين؟
والجواب كما يبدو لي سجّله في قصيدته التي رثى فيها زوجه، وهي بعنوان "من واجبات الوفاء"، يقول فيها:
لقد بت لا أخشى المنايا إذا سطت
أما طفحت بالمذهلات     حقائبي
سأبقى مع الذكرى حزينًا ملوعًا
إلى أن يسيروا خلف نعشي أقاربي
وتبكي بُنيّاتـي دموعًا عزيزة
علي وأحفادي وحشد  النوادب

(المواكب عدد 11-12،ص58).
وفي هذه الأبيات- كما في القصيدة التي وقفنا عليها- صدق وانسيابية، يعمد إليهما من خلال ما يعايشه ويحس به، فلا يتكلف موقفًا أو صورة مغرقة في إبهام، فهو في موقف يستلزم الصدق مع الذات أولاً، ومع الناس ثانيًا، ومع الشعر ثالثًا.

 

 

 

 

 

 


كشاف بالأعلام

ابن الدمينة                        
ابن الرومي                       
أبو حنا حنا                      
أبو خضرة فهد                  
الأثرم (علي بن المغيرة)          
أدونيس                               
ألبرتي                            
برادة محمد                      
البياتي عبد الوهاب             
بيري مناحم                    
توري                          
جاكوب ماكس               
جبارين أميمة                 
جرير                          
جهشان شكيب              
حايك داود                    
حبيب شفيق                  
حجازي أحمد                 
حداد ميشيل                  
حسين أحمد                   
الحلبي                          
حلف موسى                  
الحميري (محمد بن وهب)     
الخوري بشارة                  
الخيام عمر                      
خمينيث                         
دالي سلفادور                       
دبيني سوزان                     
درو إلزابيث                     
درويش محمود                   
رامي أحمد                       
الرضي الشريف                  
روز اليس                         
ريتسوس                          
سعد علي                         
السموأل                          
سنير رؤوبين                      
شحادة إدمون                     
شولز روبرت                      
طه علي محمود                     
عبد الصبور صلاح                
علي جواد                         
علي طه محمد                      
عمر بن الخطاب                   
الفرزدق                            
فريحة أنيس                         
القاسم سميح                       
قباني نزار                            
قعوار جمال                        
كوليردج                            
لامرتين                              
لبيد                                  
لوركا                                
لويس سي دي                       
لويل إيمي                             
ماخادو                               
الماغوط محمد                          
مالك إبراهيم                          
مايا كوفسكي                         
المتنبي                                   
مخولي سليم                             
مطران خليل                            
مكاوي عبد الغفار                      
مندور محمد                             
مهنا حسين                              
مواسي فاروق                            
ناجي إبراهيم                            
النقاش رجاء                             
ووردزوورث                            
ياغي عبد الرحمن                        
ياقوت                                   
يونس أحمد طاهر                        
ييتس                                     
 

المحتويات
فاتحة القول:                                                           
أميرة الصباح:                    فهد أبو خضرة                        
غردت أم الشهيد:              سليم مخولي                          
الحلم:                            طه محمد علي                       
ثلث قرن:                        شكيب جهشان                    
ليلاً على باب فدريكو:          سميح القاسم                         
عن المخيم والقبيلة:              أحمد حسين                          
أنفاس الظباء:                    موسى حلف                         
قراءة في شعر:                   سوزان دبيني                          
يدك:                            إبراهيم مالك                          
يد تفتحت قرنفلة:              أميمة جبارين              
لمن تملأ الجرة                    جمال قعوار                            
داود حايك: غابة من الألوان:  إدمون شحادة                         
تراكمات:                       شفيق حبيب                          
يتلثم كانون:                     حنا أبو حنا                           
ألا ليت لي خافقًا من خزف:    حسين مهنا                           
لميرا ملجأ في صدري             ميشيل حداد                          
نعي الشيخوخة                  أحمد طاهر يونس                      
كشاف بالأعلام                                                         

 



إطبع