[ الرئيسية ] [ أخبار ] [ مقالات ] [ آداب وفنون ] [ تقارير ] [ كتّاب الموقع ]








هل هناك ثورة وبعث حقيقيان بدون تضحيات ودموع وآلام؟
الكتّاب العرب والحدث الثوري

د. فؤاد خطيب *
الأحد 24/4/2005

أثبتت الاحداث الثورية العظام في العصر الحديث ومنذ الثورة الفرنسية حتى الثورة الاشتراكية ان الثورات الكبرى التي تحمل في جوفها طفرات اقتصادية واجتماعية وثقافية لا تحدث من فراغ ولا بد لظروف اقتصادية سياسية مؤاتية ولا بد لفكر ثوري لتحدث هذه الثورات وتقلب مفاهيم سائدة لعشرات ومئات السنين ولتضع مفاهيم اخرى تحمل في طياتها معنى الثورة والتغيير الثوري الجديد الذي يحل محل القديم.
هذا الشيء ينطبق على الحدث الاجتماعي الاقتصادي وكذلك في الطبيعة ينطبق على حركة الذرات وحتى المجرات الكبيرة في الكون الواسع الذي يغور بعضها ويتناهى ومن هذه النهاية تخلق اخرى جديدة.
نفس الميكانزم يحدث جدليا ومثبتا الآن علميا في داخل الخلية الحية الواحدة التي تتلاشى وتموت لتخلق من ذاتها اخرى جديدة قابلة للحياة المتجددة دوما.
هذا بعينه قانون النفي بالنفي الذي يعتبر اليوم الاساس المادي العلمي الذي بنى عليه الفلاسفة الماديون الديالكتيك التاريخي السياسي للمجتمعات البشرية عبر العصور والذي يعتبر النواة لكل عملية ثورية حقيقية.
اذا نعيش ثورة الاجساد الحية بالرغم من عدم شعورنا الشخصي بها لانها عملية تأخذ زمنا سحيقا لا يتناسب مع الحياة البشرية الواحدة الفانية.
كما ان العلم اثبت المرة بعد الاخرى ان الطبيعة لا تهدأ والمادة لا تنفك تتحول من صورة الى اخرى فان الظروف الاجتماعية للبشرية بصورة عامة لا بد لها ان تتطور وتتحول الى صورة ارقى.
أتانا هذا الهاجس للكتابة عن العملية الثورية بصورة عامة وعن وجوب ثورة قادمة سياسية اجتماعية في عالمنا العربي لما نراه من هذه التطورات السياسية الاجتماعية الحاصلة ولان هذه التطورات سلبية بمعظمها على الحالة العربية العامة اذا لا بد من حدوث شيء عظيم يبدل ويحول هذه الانحدار الرهيب الى هوة التاريخ في صالح امة العرب اذا كانت هذه الامة تبغي كغيرها التغير والتحول لتبقى قادرة على الحياة في هذه الظروف القاهرة التي يعيشها العالم الكبير هذا اليوم..
جان جاك روسو ومونتسكييه وهيجو وزولا وموليير وبلزاك وغيرهم لم يتنبأوا بالثورة فقط بل وضعوا مساراتها الفلسفية وحتى السياسية.
زولا كتب في رواية "الارض" عن معاناة الفلاحين في النظام الاقطاعي الذي ساد واشار الى ان بذور الثورة تنمو بالنفوس المغلوبة على امرها كما تنمو الذرة في حقول فرنسا. هيجو كتب عن معذبي الارض وبائسيها وعن فقراء المدن في بداية الثورة الصناعية الاوروبية وولادة طبقة العمال البروليتاريا التي بدأت تكون نفسها لقيادة ثورة بالمجتمع لتقلب المفاهيم السائدة كلها، وقبل كل شيء فصل الدين عن الدولة مرة واحدة والى الابد. هكذا كان الامر مع ماركس وانجلز ولينين ومياكوفسكي وغوركي الذين مهدوا للثورة الاشتراكية العارمة الاولى في تاريخ البشرية.
هكذا كان شأن الكتاب والمفكرين الذين كتبوا عن الثورة وبشروا فيها ونقصد هنا الثورة العامة التي تشمل ميادين الحياة الانسانية والتي تدعو الى مرحلة اكثر تقدما وجب على الشعوب المستضعفة الانتقال اليها حتى تحافظ على كيانها ووجودها بعد ان اصبح مجرد ذلك الوجود مهددا.
هكذا وجب الامر ان يكون في حالتنا العربية التي ترزح تحت وطأة احكام استبدادية ثيولوجية رجعية تخسرها كل شيء وتهدد مصالحها في عالم اليوم الذي يعود بفضل السياسة الامريكية المتغطرسة الى شريعة الغاب..
تحررت الامة العربية من النير التركي لتجد نفسها تدور من جديد في مزالق استعمارية غربية أشد وطأة وقسوة من حكم الاتراك الذي دام قرونا.
كتب عبد الرحمن الكواكبي وكتب محمد عبده ورفاعة الطهطاوي عن ضرورة التخلص من براثن الحكم التركي والعودة بالامة الى دورة حياة جديدة تحمل في طياتها ثقافة جديدة وبعثا اجتماعيا واقتصاديا. تطورت اللغة العربية وحاول كتابنا الكثيرون مثل طه حسين وأحمد امين وجبران ونعيمة وغيرهم في بداية القرن العشرين وعملوا بجهد جبار على بعث الثقافة العربية واللغة العربية واظهروا كنوز هذه اللغة الجميلة.. وكان النجاح حليفهم.
انبعثت اللغة العربية بالقرن العشرين وها هي اليوم من اللغات الحية الجميلة على مستوى العالم كله. ُكتب الشعر العربي المعاصر الجميل وها هو اليوم يضاهي بشكله المتجدد والمتحدث وبثوريته على القديم ارقى اشعار العالم. كتبت الرواية العربية وترجمت الى لغات العالم واصبحنا رغم كل العوائق في ذاكرة العالم الابدية. هذه الثورة التي حصلت في آداب الامة لم تجلب معها للاسف ثورة اجتماعية ولم تغرس بذرة لثورة اقتصادية – تقنية ملائمة لنقلة الشعوب من عهد الى آخر ومن مدى الى مدى اوسع منفتح وقادر على استيعاب ثورة شاملة بمفاهيم العصر. في هذه المقالة لا مجال لنا لنغوص غمار هذه المعضلة الفكرية الواسعة، ربما تتاح لنا مقامات قادمة لنضع بعض النقاط على الحروف حول هذه الاشكالية التي نتوخى كغيرنا حل عقدها وطرحها على مائدة التشريح الفكرية العربية المعاصرة علنا نجد اسباب ذاك الداء الذي اوصلنا الى عصر عربي رديء اصبحنا نتغنى به وكأنه قدر محتوم. علنا نصل الى تلك الجلطة التي اوقفت دماء الثورة والتجدد من السريان في عروق هذه الامة التي تعاني من قصور رهيب من اللحاق بالركب الانساني الذي تركها وراءه لعشرات وربما مئات من السنين.
في النهاية لا بد لنا ان نسأل ويدنا على قلبنا اين هم المفكرون العرب التقدميون؟
لماذا غابوا وتغيبوا في احلك ظرف تاريخي سياسي واجتماعي تعيشه الامة ومنذ ان تبلورت بعد الدعوة الاسلامية؟ لماذا غابوا واستغابوا في ظلمة هذا الواقع المرير الذي تعيشه الامة من المحيط الى الخليج وهي اليوم بين فكي كماشة تعصرها وتذلها وتهشم كيانها وحضارتها؟ لماذا غابوا وغيبوا في ظرف تحتاجهم به الامة الغريقة التي تبحث عن حبل نجاة ولا من مجيب؟
هل تاهوا كلهم واكلتهم طاحون الزمن؟ هل تبددوا وتاهوا في حضون الرجعية الحاكمة التي تقف اليوم عاجزة كما كانت ابدا عن مقارعة الحدث العالمي الكبير والذي اصبح رغما عنها في قلب العالم العربي بل في صميمه في بغداد اليوم وفي القدس وربما غدا في بيروت ودمشق وبعدها في الخرطوم والقاهرة؟؟ هذا الحدث العالمي الذي نحن بصدده معاد بأساسه لقيم العرب ولحضارة العرب مخترقا الثغور العربية الواحد بعد الآخر. ها هي أمة العرب تتقوقع خلف قادة رجعيين مدجنين مستعدين لبيع كل القيم العربية اسوة بالارض العربية وبالكرامة العربية.
اين هم اولئك المفكرون والكتاب حماة الثغور المستباحة في الارض العربية وفي الثقافة العربية وفي الفكر العربي؟ لماذا لا يرجع اولئك الى شعوبهم رغم كل الظروف ورغم قمع الانظمة الفاسدة؟ هل هناك ثورة وبعث حقيقيان بدون تضحيات ودموع وآلام؟ هل هناك صحوة بلا خطاب واع ٍ ومستنير من اولائك الى شعوبهم مباشرة في شوارع المدن العربية وليس عبر فضائيات وابحاث اكاديمية عقيمة تدور في اروقة جامعات بعيدة عن واقع الامة وحقيقة امرها ووضعها الحزين الراهن؟

(شفاعمرو)








© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 هاتف: 5740771-54-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني: aletihad@bezeqint.net
* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع