*الامر الذي يكاد يكون ثابتا في التوجه الاسرائيلي الرسمي عدم الاعتراف بنا كجماعة قومية. حتى عندما كان البعض يذهب الى اعتبارنا "الاقلية العربية في اسرائيل" فانه فعل للتدليل على مفهوم الاقلية وليس على مفهوم الجماعة الذين هم عرب*
عطفا على ما سجلناه هنا الاسبوع الماضي بخصوص تعريفات الظواهر ودلالاتها المضمونية، رأينا ان نتابع الخوض في المسألة ذاتها وهذه المرة في مستوى تعريف الظاهرة من خارجها.
وما دمنا نتحدث عن ظاهرة تعريف الجماعة التي ننتمي اليها فاننا عمليا نتحدث عن موضوعة الهُوية بمعناها الوجودي. والهوية في تحولاتها تتحدد احيانا بفعل خارجي، بتعريف وافد عليه،ا بتعريف السلطة للظاهرة، بتعريف المجموعات الخارجية لمجموعة الانتماء.
ومن اللافت ان مثل هذه التعريفات نافذة بمعنى ان المجموعة المعرفة تنحو بوحي التعريف السلطوي لها، تدخل حدود الخانة التي يرسمها التعريف وتتربع على ارضيتها تنتظر تعريفا جديدا يحرك الحدود اتساعا او تضييقا. او ان التعريف السلطوي يأتي منافسا للتعريف الذي تعطيه الذات الجمعية للذات.
يحاوره ويزاحمه فاذا به يطغى عليه احيانا او يحضر على مرمى منه ندا لا يمكن تجاهله.
وفي حالتنا، الاقلية العربية هنا تشغلنا تعريفات لنا تأتينا من السلطة الاسرائيلية على مرجعياتها ومن المحيط العربي ومرجعياته. فهناك ادبيات في العلوم الاجتماعية كافة تطرقت الى هذه المسألة كمقدمة لخوض الحديث في الظاهرة. فغالبا ما نرى الكاتب او الباحث يخوضان في تفنيد وتقويض تعريفات السلطة الاسرائيلية ومن ثم يشرعان في بحثهما او طرح مقولتهما. وهناك من الكتاب والباحثين اليهود الذين يفعلون ذلك بعد ان انتبهوا الى عبث تعريفات السلطة ودلالاتها المكشوفة الباعثة على الضحك والبكاء في الوقت ذاته.
مع قيام الدولة شاع تعريف "عرب اسرائيل" رغبة في ضم حق من بقي بعد التهجير والترحيل الى الكيان الجديد، اسرائيل. وربما اراد المعرفون قطع كل صلة في الدلالة بين الذين ظلوا هنا، وبين المحيط العربي. وقطع كل صلة كانت جملة غاية في حملة من السياسات والاجراءات السلطوية على الارض. اضيفت اليها سلطة الانشاء، او سلطة اللغة المهيمنة. لكن بما ان التعريف يجمع الذي داخله ولم تقصد الدولة اطلاق صفة جامعة على الظاهرة في العلاقة بينها وبيننا فعرجت على خطاب التفكيك فرأت فينا "الطوائف العربية" و "الاقليات" التي عادة ما اردفتها بـ "المسلمين والمسيحيين والدروز" واضيف الى هذا مع السنين وتطور السياسات والشركس والبدو.." اما عندما كان الغرض فصل الدروز عن مجموعة الانتماء العربية فقد راج على نحو مغث مصطلح "العرب والدروز" و "الوسطين العربي والدرزي" وقد عمد على اشاعة المصطلح الفاصل هذا كل مسؤول وصحافي ومتحدث في الاعلام والدوائر والهستدروت وحيثما يصل الخيال (والمحاكم، هناك قرار محكمة عليا من اواسط السبعينيات اقر الفصل ووجوبه)!
الامر الذي يكاد يكون ثابتا في التوجه الاسرائيلي الرسمي عدم الاعتراف بنا كجماعة قومية. حتى عندما كان البعض يذهب الى اعتبارنا "الاقلية العربية في اسرائيل" فانه فعل للتدليل على مفهوم الاقلية وليس على مفهوم الجماعة الذين هم عرب. او في سياق الحديث عن كون هذه الاقلية "خطرا" او "عقبة" او اختبارا على الدولة ان تنتبه له "اقلية" ليس كمصطلح حقوقي او بوست حداثي بل كظاهرة تقض مضجع الاكثرية الامر الذي يستدعي الضبط والتحكم ودوام السيطرة والتيقظ من طرف اجهزة الامن. وقد شاع استخدام هذا المصطلح عند ذوي التوجهات الاستشراقية والامنية. اما الباحثون في الاكاديميا الذين كانوا في غالبيتهم استشراقيين او امنيين فقد تحدثوا عن "الاقلية الفلسطينية في اسرائيل" في محاولة للربط بين الظاهرة والشأن الفلسطيني العام ولم يفعل بعضهم ذلك من استقامة اكاديمية او قراءة صحيحة لهوية الجماعة بل ليطالبوننا بعد حين بالانتقال للسكن في الدولة الفلسطينية المفترضة عند اقامتها في الضفة والقطاع. فاذا كنتم تعرّفون انفسكم فلسطينيين وابناء الشعب الفلسطيني – قالوا لنا – ويهمكم حق تقرير المصير وقيام الدولة فلماذا لا تنتقلون للسكن هناك بعد قيامها؟
وصعّبوا السؤال فاضافوا: "خاصة ما دمتم تعتقدون اننا نميز ضدكم او نضطهدكم"؟ أي سنأتيكم على يدكم الطيبة ونعترف بفلسطينيتكم لكن حتى النهاية". وهذا يعكس خبث مفهوم الهوية عندهم بحيث يتطابق مع جواز السفر او مكان السكن او حدود سياسية واضحة او سيادة. على أي حال شاع المصطلح عندما طغى المركب الفلسطيني في هويتنا على المركبات الاخرى لا سيما مع نشوء القضية الفلسطينية بعد الانتفاضة الاولى التي افضت الى تفاهمات اوسلو وما اعقبها. وتجدر الاشارة الى ان هناك من ابقى التعريف "اقلية فلسطينية" في حدود مفهوم التراث الشعبي والنتاج الانتروبولوجي للمجموعة، أي في حدود قابلة للهضم لدى الاسرائيلي، فهناك "فن فلسطيني" يمتعنا و "ادب فلسطيني" و "سينما فلسطينية" كأنهم بهذا المفهوم ارادوا الجمالية التي في الظاهرة، الاستطيقا التي في الظاهرة. وهنا برزت قدرة القاهر على اللعب بالظاهرة وتطويعها حتى يكون قادرا على التعايش معها.
من الناحية المقابلة عرّفنا محيطنا العربي، مجموعة انتمائنا الفلسطينية والعربية، الانتماء السياسي المباشر والثقافي، على اننا "عرب الداخل" او "فلسطينيو الداخل" او "عرب 48" ليس الموقع! – كأنهم يردون لنا الاعتبار فينسبونا الى "المكان" وليس الى السيادة فوقه وعليه – مقابل "عرب اسرائيل" عرفونا بـ "عرب الداخل" – الداخل الفلسطيني الذي يريده الفلسطينيون في الخارج داخلهم هم ، مكانهم هم، حتى التسمية الزمانية "عرب 48" تفيد المكانية لانها تفيد "عرب مناطق الـ 48" او اكثر تفصيلا عرب المناطق التي احتلها الاسرائيليون – الصهيونيون في عام 48".
طبعا – العام المذكور يحمل دلالات اخرى اولها النكبة وآخرها كل ما يخطر على بال اللاجئ في عين الحلوة والمقيم في نابلس او دير الاسد وكل ما يفكر به المنفي في السويد. تسمية زمانية مشار بها الى عام تفيد المكان وربطنا به.
ومع هذا فان الحديث عن "داخل" يحمل اوتوماتيكيا مدلول وجود "تاريخ" فهم الـ "خارج" ونحن في الـ "داخل" واولئك الذين في الـ "الخارج" يعرفون الذي في الـ "داخل".
اما "عرب 48" فهو يحمل اضافة الى البعد الزماني او التاريخي مفهوم العرب والعروبة. وهي تسمية جاءتنا من العالم العربي يرفض ان يرانا "عرب اسرائيل" يرفض ان يرانا جزءا من هذا الكيان الذي قام بالقوة والعنف، بل جزءا منه، ردوا على مساعي فصلنا عنهم بربطنا بهم، بشد الوشائج بيننا متجاوزين الواقع السياسي الذي نشأ، فوق الحدود السياسية والعسكرية. وأمكننا قول ذلك عن تعريف "فلسطينيي 48". هنا ايضا اراد المعرفون ادخالنا الى خانتهم وتوكيد الرابط فيما بينهم وبيننا. وقد حصل هذا بعد زمن غير قصير كانت العلاقة بين الذين في "الداخل" وبين الذين في خارج هذا الـ "داخل" علاقة شك وتوتر، علاقة تخويف للذين ظلوا في الوطن رغم السيادة اليهودية فوق ارضه.
ولا تزال آثار هذا التوتر قائمة في حديث "التطبيق" فكلما التقينا اشقاء واخوة واقارب جرى الحديث عن عدم رغبتهم هناك في "التطبيع" مع اسرائيل عبر علاقات طبيعية معنا.
حتى الآن لم يتم الفصل التام بيننا هنا وبين الدولة الاسرائيلية بين العلاقة بيننا وبين العلاقة او عدم العلاقة مع اسرائيل!
ونحن هنا لا نرى بعين الرضى الى هذا التوتر ونصر ان نظل "عرب 48" و "فلسطينيي الداخل" ومن يرفض التطبيع يرانا بهذه العين وهذا التعريف ويصر على الصلة المباشرة معنا!
(دالية الكرمل)