يعيدني الى الكتابة عن نفس الموضوع، وبعد مقالي الاول عنه الذي نشرَته "الاتحاد" يوم 3/4/2005، سببان الاول انني اختصرت من مقالي ذاك عناصر أساء اختصارها الى تكامله. واما الثاني فصدور تقرير وتواصي "مجلس الامن القومي" بخصوص المسألة الديموغرافية التي تواجهها "الدولة" ووسائل درء اخطارها، بعد يومين من نشر مقالي الاول. والامران حريان باطلاع القراء على اهم ما فيهما.
اني اود بداية ان اقول انه ليس اسهل على المعتدي والمتجني من اختلاق الذرائع لتبرير عدوانه وتجنيه على ضحيته. وهو – أي المعتدي والمتجني – يختلق الذرائع حتى لو لم تعطه ضحيته اسبابا يختبئ وراءها. وهذا ليس بالامر الجديد. وحكاية الذئب وافتراسه الحمل بذريعة انه عكر عليه مياه الجدول معروفة من زمان ومشهورة. وتنطبق تماما في زمننا على سادة دول يمارسون العدوان على شعوب واقطار عديدة. وفي مقدمتهم سادة الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل.
في العام 1948 جرى افتراس حقوق الشعب العربي الفلسطيني من قبل القوى التي ذكرتها في مقالي السابق. جرى تشريد اغلبيته وتحويلها الى لاجئين. وجرى تقاسم الاراضي المخصصة لدولته المستقلة (حسب قرار التقسيم) بين اسرائيل وشرق الاردن ومصر – حسب توازن القوى الذي كان قائما آنذاك بين الضاريَين الاستعماريين المتنافسين على المنطقة: الاستعمار البريطاني، القديم، الذي كان نجمه في أفول، والاستعمار الامريكي، الجديد، الذي كان نجمه في صعود.
وعندما ترسخت زعامة الامبريالية الامريكية لمعسكر الامبريالية العالمي في ستينيات القرن الماضي – العشرين، واقتضت مصالحها توسيع رقعة الارض التي يسيطر عليها حلفاؤها سادة اسرائيل، اشعل هؤلاء "حرب الايام الستة" التي احتلوا خلالها كل الجزء الذي تبقى من الاراضي الفلسطينية خارج سيطرتهم قبل الخامس من حزيران 1967. (ولا اتطرق الى الاحتلالات الاخرى ولا للاهداف التفصيلية لتلك الحرب، لانها لا تدخل في موضوع مقالي هذا).
ومنذ الخامس من حزيران 1967 وحتى اليوم والاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية المذكورة متواصل. والاحتلال بفظائعه وممارساته هو اشد واشمل مظاهر العنصرية حتى ولو حصّنه اصحابه "بالحضاري والمتنور" وقد تعاقب على السلطة في اسرائيل خلال السنوات الثماني والثلاثين الماضية العديد من الحكومات التي شاركت فيها كل الاحزاب الاسرائيلية – باستثناء الحزب الشيوعي. وجميعها واصل الاحتلال ومارس فظائعه، بما فيها تلك التي شارك فيها حزب امنون روبنشطاين وهو نفسه شخصيا. ومع هذا فان هذا المحترم لم ير في الاحتلال وممارساته امرا عنصريا! بل رأى في مطلب الفلسطينيين بحق عودة لاجئيهم الى ديارهم هو الامر العنصري والمزعزع!!
وليس باقل فظاعة من رؤيته هذه وصفه لتصريحات بعض الفلسطينيين بانها فاشستية!! بينما هو يعرف – او من المفروض انه كأكاديمي كبير يعرف – بان الفاشية اللعينة لا يمكن ان تقوم في مجتمع بمستوى تطور المجتمع الفلسطيني واوضاعه. فهي - الفاشية – الابن الشرعي للرأسمالية في اعلى مراحل تطورها أي في مرحلة سيطرة تجمعات رأس المال المالي والاحتكارات الضخمة. وهذا ما تثبته الوقائع التاريخية في العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين المنصرم، في دول اوروبية متقدمة – دول النهب الامبريالي والعدوان الاشد وحشية. فكيف يجرؤ هذا المحترم على قذف شتيمة الفاشستية نحو عناوين في المجتمع الفلسطيني، فهذا المجتمع كما يعرف امنون روبنشطاين وامثاله من مثقفي بلاط الصهيونية الكبار الغارقين في مهنة التضليل والتزوير، عالق بين حجري رحى العدوان الرأسمالي الامبريالي منذ تسعة عقود. وقد حول هذا الطحن الى مجتمع فقير كادح بروليتاري باكثريته الساحقة جدا جدا. واما برجوازيته الضعيفة بفعل نفس العامل – أي الطحن الامبريالي – فما زالت في اولى مراحل التطور الرأسمالي. وفوق هذا ما زال شعب هذا المجتمع بأكمله في مرحلة الكفاح الوطني من اجل التحرر واقامة دولته المستقلة. ومن الواضح ان وبأ الفاشية لا يمكن ان ينشأ في مجتمع هذه مواصفاته وهذه اوضاعه. ولكن ليس على الاقوياء المستبدين ولا على منظريهم حرج! فبامكانهم ان يدّعوا وان يكذبوا وان يزوّروا وان يبقى "الحق" رغم ذلك الى جانبهم! وبامكانهم انكار نواميس الطبيعة والادعاء بان الشمس تشرق من الغرب وتغرب من الشرق. وهم الصادقون! بل وبامكانهم حتى وصف ضحيتهم بالمعتدية، وانهم هم المساكين المعتدى عليهم!!
هكذا هو الحال مع سادة اسرائيل ومنظريهم وهكذا هو مع حلفائهم سادة واشنطن ومنظريهم.
اخلطوا الميكيافيلية بالمالتوسية تحصلوا على الشريحة المتحكمة هنا والمتحكمة هناك، وتحصلوا بشكل خاص على مفلسفي سياسة العدوانية الوحشية، فالى المرحوم ميكافيلي تنسب قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" أي إلجأ الى اية وسيلة، مهما كانت كاذبة ومنحطة، اذا كانت توصلك الى غايتك واما الى المرحوم مالتوس فتنسب نظرية تقول: ان تخلف وفقر وجوع مجتمعات بشرية ناشئ عن كثرة
تناسلها (أي لسبب ديموغرافي) وقد استند المستعمرون ومنظروهم الى هذه النظرية لتغطية فظائعهم ضد شعوب العالم التي استضعفوها ونهبوا ثمار كدحها وثروات اوطانها وحكموا عليها بالتخلف.
وعندنا، في اسرائيل، لجأ سادة الدولة ومنظروهم ويلجأون الى الامرين لتبرير رفضهم لاستحقاقات السلام مع الفلسطينيين ولكن مع تغيير طفيف للمالتوسية. فهم يعصرنونها حتى تنفعهم ليس فقط في تمويه ما سبّبه ويسببه احتلالهم من معاناة للشعب الفلسطيني، وانما ايضا وبالاساس لاسناد رفضهم لحق لاجئيه بالعودة.
وما دمنا نتحدث عن "المسألة الديموغرافية"، فمن المفيد ان انقل اليكم بعد الذي نقلته من فلسفات السيد امنون روبنشطاين – بعض ما جاء في خبر هآرتس من 5/4/2005 عن تقرير "مجلس الامن القومي" بخصوص هذه المسألة. وحسب الخبر فقد جرى اعداد التقرير خلال بضعة اشهر، من قبل طاقم رسمي من ممثلي دوائر السلطة ذات العلاقة (وبينها طبعا الشاباك ووزارتا الداخلية والقضاء) ومن ممثلين عن السلك الاكاديمي – بينهم بروفيسور امنون روبنشطاين الوزير السابق وكان الخط الموجه لعمل الطاقم "الحاجة الى الحفاظ على شخصية اسرائيل كالدولة التي يجسد الشعب اليهودي فيها حقه بتقرير مصيره القومي".
وجاء في الخبر انه رافق الطاقم في عمله تخوفان: الاول هو نسبة التزايد الطبيعي العالية لدى الاقلية العربية القائمة حاليا في الدولة. ومع تزايد عددها ستشتد الضغوط لتحويل اسرائيل الى "دولة ثنائية القومية" او الى "دولة لجميع مواطنيها"!
اما التخوف الثاني فهو من حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم داخل اسرائيل، والدعوة القائمة في العالم على اساسه الى "حل الدولة الواحدة" للشعبين!
ولدرء هذه الاخطار "ينبغي اتخاذ الاجراءات من اليوم" – قال رئيس مجلس الامن القومي، غيورا ايلاند – لضمان اكثرية يهودية ثابتة، وتبنى رئيس الحكومة هذا الموقف والتقرير بحذافيره وقال: "ينبغي عدم الاختباء وراء اسباب امنية. فالحاجة هي وجود دولة يهودية".
وبعد استعراض الارقام التي اعدها خبراء الاحصاء والديموغرافيا لتبرير مخاوف السادة من تزايد العرب في اسرائيل، ولاسناد سياستهم "اللاعنصرية" هذه يتخذ رئيس الحكومة والطاقم المشارك معه في سماع ومناقشة "تقرير مجلس الامن القومي" يوم 4/4/2005 القرارات لوقف "الزحف الديموغرافي العربي الفلسطيني" المهدد لكيان الدولة!!
بما في ذلك ليس فقط رفض حق اللاجئين بالعودة (فهذا مفروغ منه من زمان) وانما منع الجنسية الاسرائيلية والاقامة الدائمة في اسرائيل عن أي انسان عربي فلسطيني – طفل او زوج او زوجة – ضمن جمع شمل العائلات!! وهذا، وكثير غيره، من اجل الحفاظ على اسرائيل باكثرية يهودية دائمة – كدولة "يقرر فيها الشعب اليهودي حقه بتقرير مصيره القومي"!
وبعد.
لو كان هدف سادة اسرائيل ومنظري سياستهم هو حماية حق تقرير المصير للشعب اليهودي، كما يدعون، لقدمنا لهم اقتراحات بحلول تحفظ له هذا الحق حتى عندما يغدو العرب الفلسطينيون اكثرية في الدولة.
وليس ادل على زيف ادعائهم هذا من واقع رفضهم اعادة مهجري اقرث وبرعم وامثالهم من مواطني اسرائيل العرب الى قراهم واراضيهم. فهؤلاء هم من تعداد سكان الدولة العرب القائم ولا يزيدونه اذا عادوا الى ديارهم.
ولكن هذا الادعاء، مثله مثل رفضهم الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران 1967، ومثل رفضهم اعادة القدس الشرقية الى اصحابها، ومثل بناء المستوطنات وتكثيفها في الاراضي الفلسطينية، اسباب للتهرب من استحقاقات السلام، ولابقاء المنطقة جاهزة لانفجارات ومآس جديدة – وفقا لمتطلبات استراتيجيتهم المشتركة مع حلفائهم العظام في واشنطن.
(كفرياسيف)