في مسرحية <امرأة سعيدة>
نسرين فاعور وملامسة البرميل الذي يهدد بالانفجار

"أوه: انا لا اتشكى، انا لست اكثر من امرأة:" هذه الجملة شكلت مفتتحا ساخنا لمسرحية "امرأة سعيدة"، التي كتب نصها "داريو فو، وفرانكاراما"، والتي انتجها المسرح الوطني الفلسطيني وأخرجها الفنان "كامل الباشا" ومثلتها الفنانة "نسرين فاعور" هذه الجملة تشي باننا امام موضوع هام وخطير.

المرأة واقعها، معاناتها، انسانيتها، علاقتها بزوجها وبالآخرين المحيطين بها، هذا الموضوع الشائك الذي لطالما تكتمنا عليه، وخفنا الاقتراب منه، يُطرح ولاول مرة على مسارحنا بشكل حاد وصارخ.
"امرأة سعيدة" تأتي في وقتها لتقول مقولتها بلا اصباغ، ولتصرخ في وجوهنا بحدة: اين انتم؟ ما هذه الغفلة؟ تأتي لتستفز كل واحد منا ولتصارح: ما موقفكم من المرأة؟ ماذا فعلتم لغاية الآن من اجلها؟ ومن اجل تحسين اوضاعها الاجتماعية وعلى جميع الصعد؟ لقد كافحتم وناضلتم من اجل قضايا عديدة ووصلتم في سعيكم المثابر والمضني الى تحقيق جملة من الانجازات ولكنكم في غمرة هذا السعي وفي نشوة نجاحاتكم، فاتكم أمر واحد ملح ومهم، ولعلع الاهم هو الواقع الانثوي، فماذا مع هذا الواقع؟ ماذا مع معاناة عدد لا بأس به من النساء في مجتمعنا؟ أي نجاح سيكون لكم اذا اغفلتم قضية القضايا هذه؟
كل هذه الاسئلة وغيرها الكثير تصفعنا على وجوهنا، بعد ان ننتهي من مشاهدة مسرحية "امرأة سعيدة" التي تم عرضها مؤخرا في المركز الثقافي في الناصرة. المسرحية الجريئة في موضوعها، الجريئة في طروحاتها وأبعادها. و "مونودراما" "امرأة سعيدة"، ليست مجرد عمل فني نشاهده فنتلهى به ويخرجنا من الرتابة لساعة من الزمن. او هي ليست مجرد مسرحية نشاهدها فننسى مع مشاهدتها همومنا اليومية ونحلق في اجواء الفن لنعود بعد ذلك الى بيوتنا وقد أفرغنا مأزومنا، لنستأنف الحياة من جديد ولنغوص في خضمها وحمأتها، انما هي عمل جاد يفتق جرحا كبيرا على مصراعيه، ويثير تساؤلات كثيرة، على رأسها سؤال جارح: أهكذا نحن؟ أهذا هو موقفنا، ثم تعاملنا مع نسائنا؟ اما زلنا رغم المسيرة الطويلة ننظر الى المرأة بذاك المنظار القديم؟ اما زالت عقليتنا ترى الى المرأة على انها شيء ثانوي في حياتنا؟ او على انها مخلوق مجرد من الاحاسيس والمشاعر؟ اما زال منظورنا يرى فيها كيس ملاكمة نفرغ فيه عصبياتنا وامراضنا وعقدنا وتفاهاتنا وتخاذلاتنا ورخاوتنا وميوعة مواقفنا؟ اما زلنا ننظر اليها تلك النظرة الاقطاعية، على انها مجرد كتلة من لحم وشحم، نتملكها وننفرد بها لنفرغ فيها طاقاتنا الجنسية المحمومة والمكبوتة في آن، ثم نتركها تلوب وتتلوى دون ان نكترث بمشاعرها وبانسانيتها؟
هذه هي المسرحية بمحمولها الفكري، النظري العميق والجارح.
زمن المسرحية هو زمن الجمود، زمن التشيؤ في جميع المجتمعات وخاصة في مجتمعنا، انه زمن تشيؤ المرأة وطاقاتها المشيأة ايضا. فالمرأة ما زالت ذلك البرميل الساخن الذي نخشى الاقتراب منه خوفا من ان ينفجر. هي ذاك الورم الذي يغطي جلدنا. وموضوع المرأة عندنا اشبه بذاك الدمل المنتفخ الناتئ والشائه الذي نخشى الحديث فيه ونتهيب خوفا من ان ينكأ حديثنا قشرته فيغمرنا القيح المتراكم فيه. ولكن المسرحية رغم كل ذلك تنفجر امامنا وتزلزلنا وتصفعنا لنصحو من غفلتنا. تصرخ بكل ما فيها لتعرّينا ولتسقط اقنعتنا التي نختبئ وراءها لتجعلنا نقف وجها لوجه مع واقعنا المشوه. ترج اعمدة الصمت الذي يغمرنا من المحيط الى المحيط، لتخرجنا من كهفنا، ولتصدّع جدران قوقعتنا لتصل الى المحارة المدفونة فيها وتبعث فيها الحيوية.
وان يطرق كاتب موضوع المرأة بهذا العنف في مجتمع يسيطر عليه الرجل ويرى فيه مزرعته الخصوصية، موقف لا شك شجاع وجريء. وان يجازف المسرح الوطني الفلسطيني بطرق جدران هذا الخزان الملغم موقف هو الآخر شجاع وجريء، ذلك لأن القائمين عليه يعرفون تماما صعوبة الموضوع وحساسيته، خاصة في هذا الزمن العربي الرديء، زمن البطولات المتثائبة التي تتمطى في اجسادنا التي غزتها الطحالب وخيوط العناكب. زمن الجزر العربي عامة. زمن العهر والتعاهر، الذي فيه فقدنا الرجولة وصرنا نعيش على اجترار الماضي وعلى النواح على ما كان. زمن الانسان العربي المخصيّ والمدجّن، الذي لا يجرؤ فيه الواحد منا على ممارسة رجولته وفحولته الا على من هم أضعف منه، وفي هذه الحالة الاّ على المرأة.
ان طرق موضوع كهذا وتفجيره يأتي في الوقت المناسب، مع العلم ان الموقف من المرأة في مجتمعنا اشبه ما يكون بعقدة أفاع لا تميز رؤوسها من أذنابها، لذلك حلها لن يكون هامشيا وسطحيا، انما حلها يكون في الغوص الى الجذور لاستئصالها.
والمسرحية في محمولها النظري الفكري تسعى الى ذلك فهي تغوص في العمق وتتغوره، وذلك من خلال تجسيدها للواقع بصدق وبسخرية حامضة، وكذلك من خلال وضع المرأة – الوجع الدائم – في المركز لتتبوأر حولها الاضواء، ولتسلط عليها الانوار الكاشفة، كي تعري عجزنا وضحالة فكرنا وتخلفنا الاجتماعي.
المسرحية تسعى الى ذلك كله من خلال تجسيدها لمعاناة امرأة عادية بسيطة، محاصرة في غرفتها، يمنع عليها الخروج والكلام. لذلك هي تستحضر الشخصيات لتحاورها ولتفرغ ما في مكنونها من وجع. ومن خلال حديثها مع تلك الشخصيات نستشف واقعها المريض، رغم محاولتها تجميله واخفاءه وستره بشتى الاقنعة، كي تتسامى عليه. المسرحية دفق من الاحاسيس والمشاعر وبوح لما تكتنزه المرأة من اوجاع، وذلك من خلال التصريح والتلميح الى المشكلة، فالمرأة فيها عالقة في أذرع أخطبوط رهيب لا يرحم، مجتمع ذكوري قامع، زوج قامع، صهر مشوه جسديا ونفسيا وجنسيا، وعاشق غِر لا يرى في المرأة سوى جسدها. وبين هذه الأذرع تتخبط المرأة وتتوجع وتلوب وتتلوى، وفي خلال ذلك تتطرق الى ما يؤكد مشكلتها ويلح عليها (المجلات الجنسية التي تعرض فيها النساء العاريات كسلعة رخيصة، الرجل وتلصصه بالمنظار على اجساد جاراته)، وفي خضم كل ذلك تثور وتهدأ، تبوح وتتستر فاذا بوحها يشف عن انها زوجة الرجل لا يرى فيها سوى وعاء جنسي وخادمة تلبي احتياجاته دون احتفال بانسانيتها، بمشاعرها، باحتياجاتها الجينية والعاطفية على السواء. وكذلك يكون الأخ المشوه المقعد الذي لا يتقن سوى ملامسة جسدها ليرضي عقده، وايضا العاشق الذي ترى فيه المنقذ فاذا هو كالآخرين، جسدها مبتغاه، عندها تشعر بأنها مستغلة، وبأنها تعيش في سجن انفرادي، وبأنها لا شيء سوى وسيلة للذة الجماع. وتحت هذا الضغط الذي لا يرحم تثور وتتمرد وتتحرر من سجنها ومن سجانها ومن بساطتها.
وتمردها هذا يكون واعيا لانه لا يأتي من فراغ، بل ينبع من عنت وضغط. تمردها يأتي ليفضح حركاتنا الاجتماعية والسياسية معا، ذلك لانها جميعا لم تر في الارث الفكري والنظري والعملي سوى واقعة الاضطهاد الطبقي وحلولها. لم تر الا لماما وتلمسا واقعة تأخر المجتمع العربي. ولو انها رأت ذلك بقدر ما رأت واقعة الى الاضطهاد الطبقي، لما كانت حركاتنا النسوية العربية بقيت اقرب الى حركات خيرية منها الى حركات سياسية اجتماعية.
المسرحية تأتي لتؤكد على ان التجربة اثبتت ان المطلوب اليوم ليس تغيير بنية الحكم والسلطة فحسب، بل كذلك بنية المجتمع العربي، وفي المقام الاول بنية العقل العربي بالذات. كما انها تؤكد على ان المنظور الذي يمكن ان يرتكز اليه تغيير كهذا لا بد ان يكون منظورا ثقافيا حضاريا بالاضافة الى كونه طبقيا. والحال انه في الموقف من المرأة يتقاطع ويتصالب المنظور الطبقي مع المنظور الثقافي الحضاري. فالمرأة هي من جهة اولى، مضطهدة المضطهدين فهي في اسرتها البروليتاري، بينما الرجل هو البرجوازي. ووضع المرأة في المجتمع هو من جهة ثانية معيار تقدم المجتمع او تأخره حضاريا. اذ ان درجة تحرر المرأة في مجتمع ما هي المقياس الطبيعي للتحرر العام.
هذه هي الابعاد الفكرية التي تطرحها المسرحية، الى جانب الاسئلة الحارقة الكثيرة التي تثيرها، والجراح العديدة التي تفتّقها. وقد بذل المخرج "كامل الباشا" جهدا كبيرا في ابراز ذلك مسرحيا واعلانه. وقد وصلت الرسالة بيسر الى المتلقي، المشاهد وبكل عنفها، وذلك من خلال الأداء المتميز البارع الذي قدمته الفنانة "نسرين فاعور" فعلى ما يبدو اخترقها النص وابعاده حتى النخاع، فرأت الى خطورته واهميته فتماهت مع دورها فيه وجسّدته بنجاح كبير، سواء أكان ذلك بحركات جسدها او بثورتها وسخريتها المرة اللاذعة. لقد تألقت "نسرين" في دورها واستطاعت بالايحاءات الحركية الجسدية وبالبوح الدافق الساخر الساخن، المر، ان تجسد واقعا انثويا وان تزيل اكواما من التراب كانت تستره وتخفيه لتبرز معاناة المرأة لا بل لتبرز معاناة عدد كبير من النساء في مجتمعنا. والى جانب نسرين تضافرت جهود كثيرة لايصال الرسالة ولانجاح العمل "رمزي الشيخ قاسم" والاضاءة الموحية "عماد سمارة" والديكور البسيط المعبر "ريم تلحمي" والموسيقا التي لاءمت ورافقت "نسرين" في ثورتها وفي هدوئها. وفي تمردها، وفي ضحكها المر في بكائها، في سخريتها، وفي وجعها.
وان كانت لنا على هذا العمل الفكري الكبير ملاحظات فهي تتلخص بما يلي:
المبالغة في تمزيق الكؤوس البلاستيكية على مدى المسرحية تعبيرا عن الاصطراع النفسي والتمزق الجواني، لقد بولغ في استخدام هذه الوسيلة كثيرا لدرجة انها شكلت نتوءا بارزا افقدها مصداقيتها في الكثير من المواقف. وكذلك الصراخ الزائد عن الحد، الذي لم يضف الى المواقف التي خرج عنها، بل اضر بعمقها وبانسيابيتها، وكذلك التحرك السريع المتلاحق على المسرح، الذي لم يكن له مبرر والذي شتت تركيز المتلقي وجنح به الى الضيق. ولكن رغم هذه الملاحظات يظل العمل عملا فنيا راقيا فكرة واخراجا وأداء. يظل ناقوسا ينذر بالخطر الداهم، ان نحن اغفلنا قضية المرأة – القضية الملغمة – وظللنا متكتمين عليها.
والجرح الكبير الملحاح الذي تفتقه المسرحية – انسانية المرأة – يجب ان يصدمنا لنصحو ولنجعله الأوْلى في اهتماماتنا فهلا اتعظنا!!
"إمرأة سعيدة" نعم - حين تتحرر. لكن سعادتها مرهونة فينا، بعقليتنا، بمواقفنا الحضارية ومشروطة بتمردها الواعي على قيودها على سجنها وعلى كل أذرع الاخطبوط. التحية للمسرح الوطني الفلسطيني والى أمام.




د. حبيب بولس
الأحد 2/1/2005


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع