حكايات وراء الكلمات: سيرينا/ السيرانة/ Siren/ Sirena


د. نزيه قسيس


سيرينا - أخذت الكلمة معنى مجازيا رمزيا للمرأة الفاتنة والمغوية

 

  • تقول الحكاية أن الساحرة كيركي Kirke قد حذّرت أوديسيوس من المخاطر التي سيواجهها في البحر قائلة: "أولا، ستلتقي بالحوريات اللواتي سحرن كل من اقترب منهن. إذا اقترب أي شخص من أي واحدة منهن، وسمع غناءها، فإن زوجته وأولاده لن ترحب به ثانية أبدا لأن الحوريات ستجلس في حقل أخضر وتغني على عظام الرجل الميت من حولها!"

 

  • مقدمة:

قبل مدة، كنت مسافرا إلى العمل، وكان زميلي يجلس إلى جانبي، وفجأة لحقت بنا سيارة شرطة، وهي تشغل صفارة الإنذار، فقال صديقي:

"انتبه، ابـَعِد! البوليس مشغِّـل السيرينا!"

قلت له: قل: "صفارة الإنذار"!

قال: "لأ، سيرينا!"

قلت له: "سيرينا من Siren، ومعناها "حورية البحر التي تُغري البحارة!"

ابتسم صديقي وقال: "اسمع هالنُّكته": في واحد من قرايبنا بيشتغل بوليس، وأخو مرتو بيشتغل شوفير أمبولانس، وكل مَ تقاتل مع مرتو، بيصير يقولها: إسّا بَشغِّـل سيرينا السيّارة!" فتجيبه:: وأنا بخَـلّي أخوي يْـشغِّـل سيرينا  الأمبولانس!"

 ضحكنا، ونسينا سيارة الشرطة، وبدأتُ أفكر كيف أصبحت حورية البحر المُغوية "صفارة إنذار" لسيارة الشرطة و"سيارة الإسعاف"؟! وهذا ما وجدته من معلومات:

 

 

1 . "سيرينا/ siren  حسب تعريف المعاجم الانكليزية


قاموس أوكسفورد أونلاين (2013)


أداة تقوم بإطلاق صوت حاد وطويل كعلامة تحذير من حدوث حادث خطير:
حسب الأسطورة اليونانية (الإغريقية)، تطلق كلمة  siren" / سيرانة/ حورية" على عدد من المخلوقات المجنحة التي كان غناؤها الجميل يسحر البحارة ويذهب بعقلهم ويقودهم إلى الاصطدام بالصخور. تطور هذا المعنى وأصبح يُطلق على المرأة التي تُعتبر فاتنة الجمال ولكنها خطيرة الأهداف.
هنالك عدد من التراكيب الاصطلاحية المجازية المكونة من كلمة siren// سيرانة ، مثل: أغنية السيرانة  siren-song، التي تستعمل مجازيا للإشارة إلى "جاذبية شيء فاتن يقود الإنسان إلى الهلاك."


 قاموس تشيمبرز Chambers' ،  و كولنز Collins يعطيان تعريفات ومعلومات شبيهة بقاموس أوكسفورد، هي:

صفارة إنذار
إمرأة فاتنة مُغرية وخادعة
مُغنِّية ساحرة
حوريّة بحرية نصفها امرأة والنصف الآخر طير، وغناؤها الساحر يقود البحارة إلى الهلاك عن طريق الاصطدام بالصخور التي تعيش عليها الحواري.

 

 

2. المعاجم العربية

قاموس المورد (1967) يعطي ترجمة لهذه التعريفات، وتعريبا منقحَرًا للكلمة في اللغة العربية، هي:

السيرانة واحدة من مجموعة كائنات أسطورية (عند الإغريق) لها رؤوس نسوة وأجساد طيور، كانت تسحر الملاحين بغنائها فتوردهم موارد الهلاك
امرأة مُغويَة أو خطرَة
صفّارة الإنذار


قاموس المُغْـني الأكبر

هَنّادَة = امرأة عند قدماء الاغريق من عرائس الماء تغوي الملاحين بحسن غنائها وتودي بهم.
صفارة المركب أو السفينة (زعّاقة)
نلاحظ من هذه التعريفات أن السيرانات (الحوريات) مخلوقات أنثوية فقط ولا يوجد منها مذكر، وكانت هذه الحوريات تكمن لبحارة البحر المتوسط المتعبين لتغويهم بغنائها الساحر وعندما يفقدون حواسهم يفقدون قدرتهم على قيادة السفن فتتحطم السفن على صخور الجزيرة "سيرين Siren المسماة على اسمهم.
 

 


3. تأثيل كلمة Siren/Sirena
حسب ويكيبيديا Wikipedia، وكل المعاجم المذكورة سابقا، يعود اصل كلمة siren  إلى اللغة اليونانية القديمة وكانت تكتب Σειρήν / Seirēn  ويضيف قاموس وبستر "تواريخ الألفاظ Word Histories" أن الكلمة انتقلت إلى اللغة اللاتينية القديمة على شكل siren  ثم تغيرت في اللاتينية الحديثة إلى sirena (سيرينا) التي ظهرت في الفرنسية في القرن الثالث عشر على شكل sereine. انتقلت الكلمة إلى اللغة الانكليزية في القرن الرابع عشر على شكل serein و siren، وفي الايطالية sirena والإسبانية sirena والفرنسية sirene, والألمانية Sirene.
أما في الدول العربية، فالكلمة المقابلة لكلمة sirena/ siren هي "صفارة إنذار" وفي العبرية الفصحى צופר  وفي اللغة العبرية اليومية סירנה.
من الملاحظ، أننا عندما نتحدث بالعربية عن جهاز "الإنذار" فوق سيارة الإسعاف وسيارة الشرطة نستعمل كلمة "سيرينا ونستعمل لوصف الصوت كلمة "صَفْرَة طويلة" وعندما نتحدث عن  جهاز الإنذار بالعبرية، نستعمل"סירנה" وعندما نشير إلى "الصَّفرة" أي، صوت إنذار سيارة الشرطة أو سيارة الإسعاف أو الدفاع المدني، أو المباني، نستعمل "אזעקה" ويقابلها بالعربية "زعقة".

 

 

4. اختراع صفارات الإنذار (السيرانات) الحديثة
يذكر قاموس ويبستر (تواريخ الألفاظ) أنه في سنة 1819، قام شخص فرنسي باسم تشارلز كونيار دي لا تور  Charles Cogniard de la Tour  بابتكار جهاز لإصدار صوت عالٍ وحادّ عن طريق مقاطعة سريعة لتيار الهواء أو البخار أو السائل بواسطة قرص معدني ذي ثقوب وسريع الدوران، واختار هذا المُبتكر لهذا الجهاز الاسم siren ليطلقه على جهازه، وربما تذكر حكاية أصوات "السيرانات" البحرية التي توحي بالخطر على البحارة. منذ ذلك الوقت، أصبحت كل أدوات وأجهزة الإنذار تسمى بهذا الاسم (siren) والتي ترجمها أغلب المعجميين العرب بالمصطلح "صفارة إِنذار" حسب وظيفتها.
مع التطور العلمي، أصبحت السيرانات (أجهزة الإنذار) الحديثة تعمل بدون أي قطعة متحركة، والأصوات التي تُطلقها إلكترونيا بعيدة عن الأصوات الساحرة الجميلة والرخيمة التي كانت تطلقها السيرانات (الحوريات) لكي تسحر آذان البحارة وتغويهم!

 

  • استعمال السيرانات في المصانع والحرب والمراصد الكونية


لقد أُطلقت كلمة سيرينا في العصر الحديث على الصفارات الآلية في المصانع والمباني العامة. كذلك، تم استعمال صفارات إنذار في الحرب العالمية الثانية لتحذير السكان من هجوم تقوم به قوات جوية معادية.  تطورت أنواع السيرانات لتشمل:   سيرانات التجارب النووية وسيرانات الزلازل وسيرانات الإنذار بهجوم بالصواريخ، وأما السيرانات المألوفة للمواطنين في المدن فهي السيرانات المحمولة على سيارات الطوارئ مثل: سيرانات سيارات الاطفائية، وسيارات الشرطة، وسيارات الدفاع المدني، وسيرانات الإطفائيات.

 

 

6. حكايات السيرانات/ الحوريات في الأدب
هنالك عدة حكايات عن السيرانات / الحوريات المغوية والمغرية ظهرت في الآداب اليونانية والرومانية القديمة وحكايات أخرى ظهرت في القرون الوسطى والعصر الحديث، ولكن اشهر الحكايات هي الحكايات التالية:

حكاية أوديسيوس والحوريات Odysseus
يذكر الشاعر اليوناني هوميروس (850 ق.م) في ملحمة (الإلياذة والأوديسة The Odyssey  (وفي اليونانية Ὀδύσσεια, Odýsseia) أن أوديسيوس  Odysseus عرف أثناء رحلته وضياعه في البحر المتوسط كيف ينجو من سحر غناء الحوريات عندما اقترب من جزيرتهن، وهو الكائن البشري الوحيد الذي سمع غناءهن ولم يقع في غوايتهن!
تقول الحكاية أن الساحرة كيركي Kirke قد حذّرت أوديسيوس من المخاطر التي سيواجهها في البحر قائلة: "أولا، ستلتقي بالحوريات اللواتي سحرن كل من اقترب منهن. إذا اقترب أي شخص من أي واحدة منهن، وسمع غناءها، فإن زوجته وأولاده لن ترحب به ثانية أبدا لأن الحوريات ستجلس في حقل أخضر وتغني على عظام الرجل الميت من حولها!"
لقد نجح أوديسيوس في حماية نفسه  والبحارة المرافقين له  من سحر غناء الحوريات بأن وضع في آذانهم شمع النحل، وعندما أراد أوديسيوس أن يسمع غناءها لوحده ربط نفسه بالصارية حتى ابتعد عن المكان الذي تسكنه الحوريات، وكانت نتيجة هذا أن غضبت الحوريات كثيرا لأنها فشلت في الإيقاع  بأوديسيوس وقامت بالانتحار!
ب) حكاية أبطال سفينة آرغو : Argonautica  / Ἀργοναυτικά
يُطلق الاسم آرغوناوت (Argonaut) على كل بحار من بحارة سفينة  Argo وهم مجموعة من الأبطال (حسب الأسطورة الإغريقية) الذين رافقوا جاسون Jason إلى كولخيس Colchis / Kolkhis في جورجيا وذلك قبيل حرب طروادة، للبحث عن "الصوف الذهبي" وهو صوف خيالي لكبش مجنح  طار من اليونان إلى كولخيس حيث قتل وعلق صوفه على شجرة في بستان هناك واسترجعه جاسون بمساعدة الساحرة  ميديا Medea الجورجية.
ذُكِرَت الحوريات في ملحمة آرغونوتيكا Argonautica البحرية التي كتبها أبولونيوس  Apollonius Rhodius اليوناني في القرن الثالث قبل الميلاد، وتقول الحكاية أن أورفيوس Orphyius الشاعر والموسيقار الساحر، الذي رافق جاسون قد تفوق في عزفه الساحر على قيثارته على سحر أصوات الحوريات، وذلك بفضل نصيحة الساحرة ميديا Medea الجورجية التي أحبت البطل الأسطوري جاسون وأخبرته كيف يتخلص من الحوريات، ويصل إلى الصوف الذهبي.

 

 

أوفيد (17-43 ق. م.) Ovid
لقد تحدث الشاعر الروماني أوفيد Ovid في كتابه "التحولات" (Metamorphosis) عن الحوريات Sirens وعن سبب تحويل أعضائهن إلى أجنحة طيور. يقول أوفيد أن السيرانات كُنّ صديقات وحارسات لبيرسيفوني Persephone ابنة ديميتر Demeter  إلهة الزواج  وزوجها زيوس Zeus كبير الآلهة، ولكن السيرانات لم تقمن بحماية بيرسيفوني عندما اختُطفت، فغضبت ديميتر وعاقبتهن،  فحولت سيقانهن إلى أجنحة عقابا لهن وأمرتهن بالبحث عن بيرسيفوني في البحار.
في رواية أخرى، قامت افروديت Aphrodite، إلهة الجمال، بتحويل هذه العذارى إلى طيور بسبب عنادهن وعدم استعدادهن للخضوع لرغبات الرجال العاطفية.

 

 

 ليوناردو دا فنشي (1452- 1519) Leonardo de Vinci
كان الرسام الإيطالي ليوناردو دا فنشي مهتما بالحضارة اليونانية وكتب في مذكراته ما يلي: "الحورية تغني بحلاوة فائقة، بحيث أنها تجعل البحارة ينامون،  ثم تتسلق السفينة وتنقض على البحارة النائمين،" وهذا الوصف يشير إلى أن الحورية شخصية خطرة، تجلب الموت لمن يقع في إغرائها!

 

 

 شكسبير والحوريات (1564-1616)
في القرن السادس عشر، أخذت الكلمة siren  معنى مجازيا رمزيا للمرأة الفاتنة والمغوية، وهذا ما نلمسه في مسرحية شكسبير تيتوس أندرونيكوس Titus Andronicus، حيث يتحدث Aaron ، العبد الأسود، مع نفسه عن شهوته نحو تامورا Tamora المستعدة لأن تقوم بأي عمل لتصبح إمبراطورة :
Away with slavish weeds and servile thoughts!
I will be bright, and shine in pearl and gold,
To wait upon this new-made empress.
To wait, said I? To wanton with this queen,
This goddess, this Semiramis, this nymph,
This siren, that will charm Rome's Saturnine,
And see his shipwreck and his commonweal's.
Holloa! What storm is this?
سأتخلص من أشواك العبودية والأفكار الذليلة!
سوف ألمع وأشعشع باللؤلؤ والذهب،
كي أخدم هذه التي أصبحت إمبراطورة جديدة.
هل قلت سأخدم؟ سأقوم بالدعارة مع هذه الملكة!
هذه الإلهة، سميراميس، هذه الحورية،
هذه السيرانة التي ستسحر ساتيرن، إله  روما،
وتحطم سفينته، وجماعته!
هوللللا! ما هذه العاصفة؟

 

 

د) فرانز كافكا (1883-1924)
لقد فُتن الروائي التشيكي فرانز كافكا بأسطورة الحوريات فكتب قصة "صَمْت الحوريات" حيث يعيد تحليل أسطورة الحوريات وامتناع أوديسيوس عن سماع غناءهن، ويقول في قصته أن الحوريات قد صمتن عندما رأين أوديسيوس بوجهه البريء، وقد أبقى أذنيه مسدودتين بالشمع، ولكن "صَمْت الحوريات" كان سلاحا قاتلا أكثر من الأغنيات، فأوديسيوس لم يعرف أن الحوريات كن صامتات عند مروره  أمامهن، وكان حرمانه من السماع أشد وقعا عليه!

 

 

6. סירנה / אזעקה  في اللغة العبرية
تستعمل الكلمة العبرية סירנה المقترضة من اليونانية تشير إلى الصفرة المتواصلة للتحذير والتنبيه وتشير أيضا إلى الجهاز الذي يطلق صفرة الإنذار التي تسمى אזעקה / (زعقة)، وهو صوت عال للتنبيه والتحذير من خطر ما، وأعتقد أننا نستعمل لفظة "سيرينا" تحت تأثير العبرية التي وسيرانات سيارات الشرطة والإسعاف التي نسمعها في البلاد يوميا.
كما نرى، فإن هذه الأسطورة ما زالت تعيش معنا بصورة لغوية وأدبية، وبفضل اعتقاد  اليونانيين أن مدينة سورينتو  Sorrento الإيطالية الحالية كانت موطنا للحواري، فقد تحولت المدينة إلى مدينة سياحية ساحرة تجذب السائحين من جميع أنحاء العالم!

السبت 13/4/2013


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع