التَّأثيل والتَّأصيل والمعجم التاريخي للغة العربية


د. نزيه قسيس


يُعتبر أفلاطون من أوائل الباحثين اليونانيين في هذا المجال

 

  • تعالج هذه المقالة الموجزة مسألة الفرق بين المصطلحات في اللغة العربية والانكليزية بالاعتماد على ما ورد في عدد من معاجم العربية والإنكليزية المشهورة ومصادر لغوية أخرى. كذلك، تقوم الدراسة بتقصي بدايات علم التأثيل قديما وحديثا، وتقدم للقارئ معلومات عن علماء التأثيل المعروفين في العصور الكلاسيكية المختلفة في الثقافة الشرقية والغربية.
  • لا شك أن إنجاز مشروع المعجم التاريخي للغة العربية سيكون حدثا عظيما في تاريخ اللغة العربية وسيكون للمعجم الذي طال انتظاره دور عظيم في معرفة أصول اللغة العربية وتطورها والتغيرات التي طرأت عليها، وكذلك سيساعد الباحثين في تقصي علاقة اللغة العربية المتبادلة مع اللغات الأخرى قديما وحديثا.

 


 


1. مقدمة

 

إن من يتابع الدراسات التي تبحث في أصول الألفاظ العربية عامة والدخيلة خاصة يلاحظ أن بعض الدارسين يقولون ان دراستهم تقع في مجال علم "التأثيل" والبعض الآخر يقولون انها تقع في مجال علم التأصيل وآخرون يستعملون المصطلح اللغوي الانكليزي "إيتيمولوجي etymplogy" أو المصطلح الفرنسي eytmologie، ويكتبونه "إيتيمولوجيا"، وكل هذا يدل على أنه لا يوجد اتفاق عام بين اللسانيين العرب على استعمال مصطلح واحد.
تعالج هذه المقالة الموجزة مسألة الفرق بين المصطلحات في اللغة العربية والانكليزية بالاعتماد على ما ورد في عدد من معاجم العربية والإنكليزية المشهورة ومصادر لغوية أخرى. كذلك، تقوم الدراسة بتقصي بدايات علم التأثيل قديما وحديثا، وتقدم للقارئ معلومات عن علماء التأثيل المعروفين في العصور الكلاسيكية المختلفة في الثقافة الشرقية والغربية.
خاتمة المقالة تشير إلى أهمية علم التأثيل في فهم أصول اللغات القومية لكل شعب، وتُبرز أهمية وضرورة العمل على تكثيف البحث التأثيلي/ التاريخي في اللغة العربية وأصول ألفاظها، وضرورة تأليف معجم تاريخي يكشف عن أصول اللغة العربية وروافدها وتطور ألفاظها على مر العصور.

 

 

2. تعريف  المصطلحين: "تأثيل" و "تأصيل"


أ‌. لسان العرب: يعود أصل كلمة "تأثيل" في اللغة العربية إلى الفعل "أَثُلَ" ويعني "كان ذا أصل كريم" وكما جاء في لسان العرب فإن "أثلة الشيء" "أصله" و"التأثيل" تعني "التأصيل" غير أن لسان العرب لا يشير إلى علاقة كلمة "تأثيل" باللغة، وهذا يعني بأن هذا المصطلح حديث الاستعمال في إطار اللسانيات.
ب‌.  يذكر المنجد في اللغة والأدب والعلوم (1927) تحت مادة "أثل" أن معنى الفعل هو: تأصَّلَ في الشرف وتحت "تأثَلَ": يقول:تأصَّلَ"، وكما نلاحظ فإن المنجد لا يشير أبدا إلى علاقة هذا الفعل بدراسة أصول الألفاظ وتاريخها.

ت‌.  د. طه باقر، الخبير في اللغات البابلية والآشورية القديمة يستعمل المصطلح "تأصيل" في كتابه "من تراثنا اللغوي القديم" (1980) حيث يتحدث عن"صعوبات التأصيل اللغوي" بمعنى معرفة أصل كلمة ما في اللغة العربية.

ث‌.  معجم مصطلحات علم اللغة الحديث (1983)  لنخبة من اللغويين العرب، نجد كلمة "التأثيل" للمرة الأولى في معاجم اللغة ومعناها:etymology وفي فهرس الكلمات بالانكليزية نجد أن تفسير etymology  هو "علم تاريخ الكلمات" وكذلك مصطلح "التأثيل".

ج‌. "معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب" للمؤلفين مجدي وهبة وكامل المهندس (1984) لا يذكر المصطلح "تأثيل" أو "تأصيل" في متن المعجم ولكنه يذكر المصطلح etymology في فهرس الإنكليزي-عربي ويترجمه بالكلمات: "علم تأصيل الكلمات".
ح‌.  في "قاموس المصطلحات اللغوية والادبية" (1987) نلاحظ أن اللفظة في الانكليزية مختلفة شيئا ما عن الفرنسية. فكلمة (التأصيل) مفسرة كما يلي:
"هو الصرف، تنزيل المبدل منزلة الأصل، نحو اشتقاق "تخذ" من "اتخذ" التي أصلها ائتخذ. "

خ‌.  قاموس المورد (1988) (عربي- إنكليزي) يفسر كلمة "أثل" بكلمة " تأصَّلَ" وكان راسخا، والفعل "تأثّلَ"، حسب المورد أيضا، يعني "تأصَّلَ" ولكن المورد لا يذكر المصدر "تأثيل" أو الإشارة إلى علاقة الكلمة بدراسة تاريخ اللغة.

د‌.  المعجم العربي الأساسي (1989)  يُعرِّف كلمة "تأثيل" على أنها "دراسة أصل الألفاظ وتاريخ تطورها ويسمى كذلك إيتيمولوجيا"، كما نرى فإن المعجم  نفسه يعرف كلمة "تأثيل" العربية بنظيرتها الإنكليزية لكنها منقحرة بلفظها الأصلي – في اللغة اليونانية القديمة التي انتقلت إلى الانكليزية ولغات أوروبية أخرى. 

وحسب هذا المعجم أيضا، فإن كلمة "تأصيل" مشتقة من الفعل "أصَّلَ"، ومعناه: "جَعَـل له أصلا ثابتا يُبنى عليه، وفي علم اللغة، "أصَّلَ الكلمة: تتبَّعَ تاريخيًّا أصلها اللغوي."

ذ‌.  في كتابه تأسيس القضية الاصطلاحية (1989)، يستعمل د. عبد السلام المسدي المصطلح (علم تأصيل الكلمات)، أو (علم تاريخ الكلمات) كمرادف أو ترجمة للكلمة الانكليزية Etymology.

كما نلاحظ، فإنه لا توجد إشارة إلى تاريخ الألفاظ ولا يوجد مقابل للكلمة في اللغة الانكليزية أو الفرنسية. أما كلمة "تأثيل" فغير موجودة في هذا القاموس، بينما في فهرس المصطلحات انكليزي-عربي، نجد أن كلمة etymology  لها معنيان هما: "علم الاشتقاق" و "علم تأصيل الكلمات"، وفي الفهرس:فرنسي – عربي نجد أن كلمة etymologie (الفرنسية) لها نفس المعاني: "علم الاشتقاق" و"علم تأصيل الكلمات".

ر‌.  د.الياس عطاالله يعرِّف علم التأثيل في كتابه "معجم الأفعال الرباعية في العربية: تأثيلي ودلالي"(2005) على أنه "علم أصول الكلمات، ويقابله بالانجليزية: etymology" ولا يذكر مصطلح "التأصيل" على أنه يعني نفس المعنى.

 

 

3. تعريف علم الإيتيمولوجي في المعاجم


 
أ‌. قاموس أوكسفورد التاريخي(1993) يعرّف المصطلح "إيتيمولوجي/ Etymology) في اللغة الإنكليزية(، على أنه:" فرع من فروع اللسانيات الذي يفحص تاريخ وتطور وأصول الكلمات. هذا العلم هو الذي كشف بصورة رئيسية العلاقات المنتظمة بين الأصوات في اللغات الهندو- أوروبية (حسب قانون غريم  Grimm's Law, 1822) والذي أّدى إلى ظهور البحث التاريخي في اللغات في القرن التاسع عشر.

في القرن العشرين استمر اللغويون في استعمال المصطلح "علم الإيتيمولوجيا" (تاريخ الألفاظ) لمعرفة كيف تتغير المعاني، ثم تم استبدال المصطلحetymology  بالمصطلح:اشتقاق/ Derivation ليشير إلى أصول الكلمات، أي جذورها، والتركيبات المشتقة التي تُبنى من الكلمة الأصلية كالأسماء المنتهية بمقاطع في نهاية الكلمة (لاحقات)  مثل  kind + ness,، وإضافة مقاطع في بداية الكلمة (بادئات) مثل:  un+kind = unkind وغير ذلك.

ب‌.  قاموس كولنز التأثيلي Collins English Dictionary (1998)   يعرِّف المصطلح كما يلي:
• الإيتيمولوجي هو دراسة أصول وتطور الكلمات والمورفيمات morphemes (والمورفيم هو أصغر وحدة صوتية لها معنى).

ج. قاموس تشيمبرز Chambers Dictionary التـأثيلي يعرّف المصطلح هكذا:

 


• علم فحص الاشتقاق ودلالة الكلمات الأصلية.

بصورة عامة، التعريف الوارد في قاموس أوكسفورد الجديد المختصر Dictionary New Shorter Oxford  هو التعريف المعتمد في غالبية المصادر الدراسية والمعاجم الأخرى مثل: قاموس لونغمان Longman  وقاموس أميريكان هيريتيج  American Heritage وموسوعة كامبردج للغة الإنكليزيةCambridge Encyclopedia  وقاموس ويبستر Webster، أي أنه يوجد شبه توحيد للمصطلح وتعريفه.

ت‌.  في المعاجم الثنائية (انكليزي – عربي)

• يترجم قاموس أطلس الموسوعي (2005) (إنكليزي – عربي) المصطلح etymology كما يلي:

- الإيتيمولوجيا: دراسة الأصل والتطور التاريخي لشكل لغوي.
- علم الاشتقاق: فرع من علم اللغويات يبحث في أصل الكلمة وتاريخها.
•  قاموس المورد (1996) (إنكليزي – عربي) يترجم المصطلح كما يلي:
- الايتيمولوجيا: بسط أو تعليل لأصل لفظة ما وتاريخها
- دراسة تعنى بأصل الكلمات وتاريخها

• قاموس أوكسفورد المحيط (1996) (إنكليزي – عربي) يترجم المصطلح كما يلي:
- اشتقاق الكلمات
- علم الاشتقاق؛ علم التأثيل

كما نلاحظ، فإن الترجمات ليست واحدة  وقاموس أوكسفورد هو الوحيد الذي يعطي لفظة "تأثيل" العربية، ولكنه يعتبر الاشتقاق والتأثيل فئة واحدة.

 

 

4.  تأثيل كلمة إيتيمولوجيا Etymology  الانكليزية

 

يعود أصل كلمة إيتيمولوجي/إيتيمولوجيا، والتي تُستعمل أحيانا في المصادر العربية بدلا من كلمة "تأثيل"، إلى اللغة الإنكليزية المأخوذة عن اللغة اليونانية عن طريق اللغة اللاتينية، وكما جاء في  (ويكيبيديا) وغيرها من المصادر، فإن الكلمة الأصلية في اللغة اليونانية القديمة هي ἐτυμολογία (etumologia) وهي مكونة من كلمتين "إيتومون"  ἔτυμον (etumon)," (وجمعها = إيتيما etyma)، وتعني (المعنى الحقيقي) وكلمة لوغيا -λογία (-logia), و كلمة "لوغيا" هذه مأخوذة عن  لوغوس  λόγος =Logos  اليونانية التي تعني (علم أو دراسة المعنى الحقيقي).

مع أن المعاجم العربية تكتب الكلمة بالانكليزية فهي، في الترجمة،  تميل إلى استعمال الكلمة المعربة المنقحرَة عن اليونانية القديمة ἐτυμολογία (etumologia) = (إيتيمولوجيا) والدارسين كذلك يستعملون اللفظة اليونانية القديمة مع تعديل صوتي بسيط لها.

 


5. مشكلة تعدُّد المصطلحات العربية مقابل المصطلح الأجنبي

 

لقد أشار عدد من الباحثين إلى مشكلة تعدد المصطلحات العربية التي تشير إلى نفس العلم الذي دخل إلى الدراسات العربية عن طريق اللغات الأوروبية (كما رأينا أعلاه)، وعلى سبيل المثال، فإن د. ناصر إبراهيم صالح النعيمي يقول في مقاله المنشور على الشبكة العنكبوتية (الانترنت) بعنوان "المصطلح اللغوي العربي بين الواقع و الطموح"   إلى ما يسميه "التشتت" في المصطلح العربي ويعني بذلك  وجود أكثر من مصطلح عربي مقابل المصطلح الأجنبي الواحد وهذا ما نراه في المصطلح العربي الذي يقابل المصطلح الانجليزي فيقول "وبعضهم يطلق على ما يقابل المصطلح الأجنبي (Etymology)، (علم تأصيل الكلمات)، أو (علم تاريخ الكلمات) كما نرى، فإن المعاجم العربية تخلط ما بين المصطلحات: "تأثيل و تأصيل" و "تاريخ" و"اشتقاق" وتتعامل معها على أنها مترادفات.
على أي حال، أصبح مصطلح "التأثيل" مقبولا في الدوائر والمراجع اللغوية في العالم العربي لأنه الأقرب إلى باب تاريخ الألفاظ، وقد استعمله د. علي القاسمي، عضو لجنة إعداد المعجم التاريخي للغة العربية، في محاضرته التي ألقاها  في اجتماع مجامع اللغة العربية في القاهرة 4-5 نيسان 2011، ويعتبر الدكتور علي القاسمي  من الخبراء المعروفين في علم المعاجم العربية والانكليزية، كما استعمله آخرون بهذا السياق.

 


6.  علماء التأثيل القدماء

 

أ‌)  العلماء الهنود

كان علماء اللغة الهنود القدامى أول من قام بدراسات تأثيلية تحليلية في اللغة السنسكريتية Sanskrit، لغة الطقوس الهندوسية والبوذية. تعني كلمة (سنسكريت) "اللغة المتقنة أو المصقولة" وقد سميت هكذا لتمييزها عن لغة Pankrit   وهي اللغة المحكية الشائعة في مناطق شمال الهند حتى اليوم. تعتبر السنسكريتية الشكل الأولي Prototype لكل اللغات الهندو-أوروبية.

تعتبر دراسات التأثيل الهندية في السنسكريتية أقدم أبحاث في أصول الكلمات وتاريخها، وقد جرت في القرن الخامس قبل الميلاد حين قام الكهنة الهنود بشرح الكلمات العصية على الفهم في كتاب  Veda ("المعرفة" بالسنسكريتية) ويعد هذا الكتاب أقدس كتبهم آنئذ لأنه يستخدم كلمات كانت تُستخدم في الطقوس الدينية" (ويكيبيديا) وكانت تعتبر كلمات مقدسة لأنها تتحدث عن الروح وعن الله. لقد شكلت هذه الدراسات أساسا للدراسات التأثيلية في أوروبا في العصر الحديث.

•  أشهر علماء التأثيل الهنود هم:

1. ياسكا  Yaska (حوالي القرن 5-6 ق. م.)
2. بانيني Pāṇini (حوالي 520 – 460 ق.م.)
3. كاتيايانا Katyayana (القرن الثاني ق.م.)
4. باتانجالي Patanjali (القرن الثاني ق.م.)

ب‌)  في العصر اليوناني القديم

• بندار  Pindar  (518- 483 ق.م.)

جاء في الموسوعة الشعبية (ويكيبيديا)، أن بندار Pindar، الشاعر اليوناني كان مولعا بتأليف حكايات تأثيلية خيالية لكي يجامل فيها المسئولين في أيامه ويتملقهم.


•  أفلاطون (424/423 – 348/347 ق.م.)

يُعتبر أفلاطون من أوائل الباحثين اليونانيين في هذا المجال، ومنهجه يقترب كثيرا من المفهوم العلمي المعاصر لهذا العلم، وقد ناقشه في حوار من حواراته المسمى Cratylus، وهو حوار يناقش مسألة علاقة اللغة بالفِكر. في هذا الحوار، يقوم رجلان باسم "كراتيلوس" وهيرموجينيس Hermogenes)) بسؤال سقراط Socrates عن الأسماء فيما إذا كانت "تقليد" أو شيئًا متفقًا عليه بين الناس أم شيئًا "طبيعي"، بمعنى موجود في الطبيعة، والفكرة الجوهرية في السؤال هي: هل اللغة نظام اعتباطي لعلامات ورموز أم أنها كلمات موجودة في الطبيعة ولها علاقة جوهرية فعلية  مع الأشياء التي ترمز إليها، وبكلمات أخرى: "هل اللغة مخترعة وتتطور مع المجتمع البشري أم أنها مخلوق موجود ومتمم للموجودات الطبيعة؟

• الفلاسفة الرواقيون Stoics

 بعد أفلاطون اعتبر الفلاسفة الرواقيونStoics  أن الكلمات من مكونات الطبيعة، وهي نظير متمم للموجودات المادية، والأفكار المجردة تساعد في التعرف عليها، وبذلك يرفض الرواقيون مفهوم اختراع اللغة والاتفاق الإنساني على معاني الكلمات بواسطة مجموعة بشرية محددة.

ج)   في العهد الروماني

بلوتارك (46-120 م)  Plutarchولد المؤرخ بلوتارك يونانيًّا وتعلم في أثينا ثم انتقل إلى روما وأصبح مواطنا رومانيا. كان بلوتارك مؤرخا وكاتبا وقام بكتابة كتاب عن حياة مشاهير اليونانيين والرومانيين، وابتدع فيه حكايات تأثيلية خيالية بسبب تشابه الكلمات مع بعضها وقد وردت تأثيلياته في كتابه "الأباطرة الرومانيون من أوغسطس حتى فيتيليوس".

د)  في إسبانيا

• إيزودور الإشبيلي   Isodore of Seville (560- م 636)

كان المؤرخ الاسباني إيزيدور الإشبيلي  Isodore of Seville   (إيزيدور من إشبيلية) مطرانا لمدينة إشبيلية الإسبانية لمدة ثلاثة عقود، وقد قام بوضع كتاب تأصيلي ضخم بعنوان Etymologiae  وفيما بعد أصبح يُعرف باسم كتاب "الأصول" الذي يتتبع أصول 1640 كلمة إسبانية. مذلك، اعتمد إيزيدور على الترجمات العربية للفكر اليوناني وأشار إليها في كتابه هذا الذي بقي مصدرا تاريخيا مقبولا حتى القرن السادس عشر.
دفن إيزيدور في إشبيلية وكان قبره مزارا للمسيحيين المستعربين   Mozarabs الإسبان، وعند سقوط الأندلس، وافق عباد الثاني المعتضد  بنقل رفات إيزيدور في تابوت حجري إلى باسيليكا مدينة ليون، وكما روى أحد الشعراء الإسبان، فإن عباد الثاني المعتضد، (1042–1069)  قام بتغطية تابوته بغطاء مزركش قائلا:
"الآن أنت تتركنا، أيها المطران إيزيدور الموقر. أنت تعرف جيدا أن شهرتك كانت شهرتي".

هـ)  في العصر الحديث

• السّير وليم جيمس Sir William James (1746-1794)

بدأت الدراسات التأثيلية الحديثة بشكلها الحقيقي في أوروبا في القرن الثامن عشر في "عصر التنور Age of Enlightenment"، أما علم "اللسانيات التاريخي  Historical Linguistics" فقد بدأ عندما قام العالم "سير وليام جيمس Sir William James" الذي كان يعيش في الهند سنة 1782 بدراسة اللغة السنسكريتية، إذ كان فقيها في اللغة الانكليزية ورئيسا للجمعية الآسيوية، التي كانت تعنى بدراسة الثقافة واللغة الهندية.
لقد لاحظ وليم جيمس العلاقة بين اللغة السنسكريتية واليونانية واللاتينية، فكتب كتابه اللغة السنسكريتية The Sanskrit Language  سنة 1786 وقال فيه ان اللغات الثلاث تطورت عن لغة واحدة أصلية هي اللغة السنسكريتية التي جاء بها الآريون عند احتلال الهند في سنة 1500 ق.م. ويعتبر هذا الكتاب أساسا للدراسات اللسانية الحديثة التي تبحث في اللغات الهندو- أوروبية.


7.  المعاجم التأثيلية الأجنبية

لقد أظهر علماء اللغة الأوروبيون اهتماما كبيرا في معرفة أصول لغاتهم وتاريخها منذ القرن الثاني للميلاد، وعند ظهور المطابع في أوروبا في القرن الخامس عشر، ظهرت محاولات لحفظ المعلومات التأثيلية عن ألفاظ اللغات في معاجم تم جمعها في عدة دول أوروبية. فمعجم أكاديمية ديلا كروسكا  academaia della crosca (الإيطالية) صدر عام 1612، ونُشر معجم الأكاديمية الفرنسية بين عامي 1638 و 1694، وألَّف الدكتور سامويل جونسون  (1709-1784) معجمه بعنوان قاموس اللغة الإنكليزية  عام 1755، أما معجم وبستر الأمريكي فلم يصدر إلا عام 1828.

أما في العقود الأخيرة، وبالإضافة إلى المعاجم التاريخية على الشبكة العنكبوتية (الانترنت)، فقد ظهرت معاجم تأثيلية كثيرة في اللغة الانكليزية وغيرها، وأشهر المعاجم الانكليزية  في هذا المجال هي:

• The New Shorter Oxford English Dictionary on Historical Principles. Two Volumes (1993)
• The Chambers Dictionary, 1998
• Collins English Dictionary, 1998

 

8.  المعجم التأثيلي العربي أو المعجم التاريخي

بداية، يجب الإشارة إلى أنه توجد دراسات كثيرة لعلماء اللغة في مجال أصول الكلمات العربية الأصل أو الدخيلة عبر العصور الثقافية المختلفة ولكن لا توجد معاجم مخصصة لهذا المجال اللغوي المهم جدا.
للأسف الشديد، لم تنجح كل المحاولات التي جرت في القرن الماضي والحالي في تأليف معجم تاريخي تأثيلي كامل للغة العربية، وقد بدأ تلك المحاولات المستشرق الألماني أوغست فيشر (1865-1948)، في بداية العشرينات من القرن العشرين. وكما ورد في كتاب "المعجم التاريخي" للدكتور محمد حسن عبد العزيز (2010)  فإن المستشرق الألماني "أوغست فيشر  August Fischer"  (1865 ـ 1949) الذي بدأ بوضع خطة لتأليف معجم تاريخي للغة العربية على أساس تاريخي (1907( يذكر في المقدمة التي نشرت للمعجم مجيبا على سؤال افترضه قائلا:

سؤال:

• كيف يجب أن يكون معجم اللغة العربية الفصحى ملائما للتطور العلمي في العصر الحاضر؟
• جواب:
 يجب أن يشتمل المعجم على كل كلمة – بلا استثناء – وجدت في اللغة، وأن تُعرض حسب وجهات النظر السبع الآتية:

التاريخية Historical  والاشتقاقية ] التأصيلية [ Etemological (الخطأ المطبعي في الانجليزية من الأصل في الكتاب) والتصريفية Flexional والتعبيرية (الدلالية) semasiological، والبيانية Phraseological والأسلوبية stylistic.

وكما نرى فإن فيشر وغيره لم يستعملوا المصطلح (تأثيل) بل المصطلح (تأصيل) وأن لفظة (تأصيل) بالنسبة له تشير إلى الاشتقاق ولكن المقابل في الانجليزية Etymological يشير إلى تاريخ الكلمة، وواضح أن هنالك خلطًا ما بين المعنى الحقيقي للتأصيل والتأثيل والاشتقاق وتاريخ الكلمات.
كذلك، يتفق د. محمد حسن عبد العزيز مع د. ناصر الدين الأسد أن "أوغست فيشر  August Fischer""  هو الذي عرض  فكرة وضع قاموس تاريخي للغة العربية، وذلك في مدينة بازل 1907 ثم في كوبنهاغن 1908 وأثينا 1912 وقد تمت الموافقة على إعداده سنة 1936 بناء على اقتراح مجْمع اللغة العربية في القاهرة عندما أصبح فيشر أحد الأعضاء الأوائل في "مجمع فؤاد الأول للغة العربية".

في سنة 1990 كانت هنالك مبادرة إلى إنشاء مشروع المعجم العربي التاريخي في تونس ولكن المشروع توقف، وأعيد العمل عليه في سنة 1996 ثم توقف لأسباب مادية. في سنة 2006 تبشرنا بأن اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية قرر إنشاء مؤسسة مستقلة تتفرغ لتأليف المعجم التاريخي للغة العربية، وكما ذكر أمين عام اتحاد المجامع اللغوية العربية، د. كمال بشر فان المعجم سيكون سجلا للثقافة والتاريخ والحضارة والمعارف العربية وسيكون مرآة للحياة العربية بكل جوانبها وسيربط حاضر العرب بماضيهم. وأضاف أن المعجم التاريخي للغة العربية سيوضح ما حدث للكلمة العربية من تطور منذ نشأتها في مفرداتها ومعانيها المختلفة.
وآخر الأخبار التي وصلتنا هذه السنة (2012) حول هذا المشروع تقول بأن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية المغربية قد أصدرت كتابا عن "أعمال ندوة المعجم التاريخي للغة العربية - قضاياه النظرية والمنهجية والتطبيقية" جمعت فيه مداخلات الأساتذة المشاركين في ندوة المعجم التاريخي للغة العربية المقامة شهر نيسان 2010 بمدينة فاس المغربية.
وأخيرًا، لا شك أن إنجاز مشروع المعجم التاريخي للغة العربية سيكون حدثا عظيما في تاريخ اللغة العربية وسيكون للمعجم الذي طال انتظاره دور عظيم في معرفة أصول اللغة العربية وتطورها والتغيرات التي طرأت عليها، وكذلك سيساعد الباحثين في تقصي علاقة اللغة العربية المتبادلة مع اللغات الأخرى قديما وحديثا.

السبت 22/12/2012


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع