الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة - حيفا. aljabha.org@gmail.com - هاتف: 048536504 - فاكس: 048516483





 



 

"هيلمة"





يوسف فرح

السبت 25/8/2012

 
    من رئيس الدولة فنازلا، مصرون على اعتبارنا نوعا خاصا من الفاكهة، تنضج متى يشاءون وحسبما يشاءون. ولم لا؟ وقد صارت الفاكهة في هذا العصر، "يستوي" بعضها في اوانه لا يخلف موعدا، والبعض الاخر، يجبرونه على النضج المبكر. وجارنا الفلاح يعرف ذلك جيدا في دنيا الزراعة، وقد عرفه مؤخرا في دنيا السياسة.
    جارنا هذا عائد للتو من "العزبية" في ارض الحولة، فقد خرّبت المقاثي، وجفت كروم الدوالي وبساتين الفاكهة . بعد ان ودع "معلمه" اليهودي، الذي يضمّنه الارض بسعر معقول. هذه الارض كانت ذات يوم ارضه. ولكن الدولة رأت ان تجرده منها، فمن يرد الدولة عن قرارها؟  فهل يعرف المواطن مصلحته افضل من الدولة؟!!
  كان خارجا من بيته صباحا، وكان قد ارتدى افضل قنابيزه الخاص بالمناسبات السعيدة والحزينة على السواء. وكانت رائحة عطره الفواحة، تترك اثرها خلفه حتى كادت زوجته تختنق وهي تتبعه، مواصلة ترتيب هندامه وإكمال اناقته خارج المنزل. امالت عقاله قليلا ناحية اليمين، ليبدو اصغر سنا، وتظل له حظوة في عين "المعلم" اليهودي، الذي هاتفه واتفق معه على لقاء اليوم.
- يا مسهل يا باب الله، يا جار؟ سألتُه.
- والله عندي مشوار. اجاب باقتضاب.
مادام الجار يتكتم فلا بد من ان سرا ما وراء سفره المفاجئ، ومعركة الانتخابات ما زالت بعيدة.
حككت دماغي قليلا، فانفتحت نوافذ الذاكرة، عادت بي الى الوراء عشرات السنين. رأيت المشايخ والوجهاء، يصطفون بالدور، لاستقبال هذا الوزير او ذاك. كانت زيارات المسؤولين تكثر قبيل كل انتخابات. يتفقدون رعيتهم، لعل قرية ينقصها مسرح او مدرج رياضي او بيت للمعلم.
حرام. وعندما يتلاشى غبار المعركة، تتبخر الوعود. ذات انتخابات، ولم نكن في عداد المدن بعد، زارنا رئيس الحكومة بعظمته وجلاله. فاستبشر اهلنا خيرا بالوعود التي سمعوها، وتوقعوا ان تأكل الغيرة جارتنا مدينة كرميئيل، التي ارست بنيانها على اراضي نحف وجاراتها العربيات. لا سيما وان وضع قريتنا انذاك، قد اخجل الوزير العمالي بنيامين بن اليعيزر. بسبب الهوة السحيقة التي لمسها، تفصل بين ابناء الجارية وابناء سارة.
    لكن يبدو ان زعماء دولتنا يحبون الخجل، فبقيت قريتنا على "حطة ايدك" "ويا رب كما خلقتني "! واستمرت الزيارات، الرسمية الخجولة منها "وقالعة الحياء"! لكن شيئا ما طرأ عليها. صارت تتسم – اضافة الى طابعها السياسي – بلبوس ديني. وبقي شعار "اعطونا اصواتكم لكي نستمر في ظلمكم"، اليافطة التي تظلل الزيارات. فهل صدفة ان ما حصل عليه موفاز من اصوات في قرية عربية، اكثر مما حصل عليه في تل ابيب!! نحن شعب، لشدة تسامحنا، لا "نأكل ظلّامنا "، كما "هذر" احد شعرائنا، بل نحبهم ونجلّهم وندعوهم الى الولائم. لقد جعلناهم ينسون الاعياد اليهودية، ويستبدلونها بأعيادنا المسيحية والاسلامية. وتقولون تمييز عنصري؟!
    يعجبني في هذا المجال رئيس الدولة. فهو لم يكتف باقامة افطار رمضاني، جمع في قصره العامر، الصائمين وغير الصائمين، فها هو يطوف في انحاء الوسط العربي يقدم التهاني والتبريكات رغم وضع قدمه في العقد التاسع من عمره المديد.
    ستقولون انه كان اول من دشن عمليات الاستيطان في ما احتلت حكومته من اراضٍ. حتى امتلأت. وربما بات المطلب الآني، لا اعادة المستوطنين الى داخل الخط الاخضر، بل تنظيف هذه الاراضي من كل شائبة عربية، اي من اللصوص الفلسطينيين الذي سرقوا الاراضي!! صحيح.
    وستقولون انه الوحيد الذي - بسعيه وجهده وعلاقاته الدولية المتميزة - اقام لنا مفاعلا نوويا، ("حسب مصادر اجنبية" طبعا!!) نباهي به الامم، او نثير نقمتها علينا. وندفعها دفعا الى امتلاك مثله. (الانظمة العربية ظلت تنتج افضل المسلسلات الرمضانية التاريخية!!!). صحيح ايضا.
وستقولون انه احرز " بطولات نادرة " في قانا وغيرها وهذا صحيح ايضا وايضا.
لكن كل ذلك لا يقلل من اعجابي بموقفين من مواقف الرجل على الاقل.
الاول : وقوفه ضد توجيه ضربة عسكرية اسرائيلية الى ايران، يتبجح براك ونتنياهو بفعلها على الطالع والنازل، وعلى مدار الساعة، لدرجة تغري ايران بتوجيه ضربة استباقية. فهل يدرك بيرس مدى الخطورة في العدوان، ام انه يعرف أن "البردان (كرئيس الحكومة ووزير أمنه) ليس بوسعه ان "......لحف"!
هو ليس ضد الضربة بالمطلق، بل يقول للزعيمين المتهورين "اضمنوا لي تأييد امريكا ودعمها، وانا اضمن لكم ان املأ الدنيا دعاية وتعبئة وصمتا!
الثاني : موقفه المؤيد لأقامة دولة فلسطينية مستقلة الى جانب اسرائيل، لا حبا في العدالة واحقاق بعض الحقوق، بل حفاظا على نقاء الدولة اليهودية من العفن العربي!!
    وكل ذلك، لا يمنع الرئيس من زيارة مجد الكروم مثلا. فلا يتحدث هناك، عن العراقيب التي يتم تدميرها للمرة الحادية والاربعين، ولا عن عشرات القرى التي لا تعترف بها الدولة. بل يتمنى ان يتم تصنيع الوسط العربي!
(صح النوم!!) ويؤكد ان الشعب الايراني سوف يستعيد مجده وعزته! كما كان ايام الشاه يعني؟!
لدى عودته من المناسبة، رأيت جارنا "يقبع" الحطة والعقال عن رأسه، يلقيهما ارضا بغضب بادٍ، والعرق يتصبب منه، كان قد اتخذ قراره، مقسما "علي الطلاق" ما..........
- منشي يمينك يا جار!
- لقد مضى زمن الهيلمة، ولم نعد ننضج حين يريدون وكما يريدون.







© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com
* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع