[ الرئيسية ] [ أخبار ] [ مقالات ] [ آداب وفنون ] [ تقارير ] [ كتّاب الموقع ]








هل فشل المسرح الإيراني في التواصل مع الجمهور؟





ياسين رفاعية
الجمعة 30/7/2010

الأسطورة والتجريدية طغتا على المسرح في إيران حتى منتصف التسعينات (من مسرحية "سفينة الشيطان"، طهران 2009)

هناك الآن تياران في المسرح الإيراني: الأول يعكس حقائق حياة الناس ويقدم صورة واقعية عن الآلام والمشاكل الاجتماعية بعد الثورة، والثاني يعكس إحساس الإنسان بالعبث والتعب والملل

تعد الكاتبة الإيرانية فاطمة برجكاني رسالة دكتوراه في الجامعة الأميركية ببيروت عن التصوف في الإسلام، آخذةً بذلك نماذج عديدة عن التصوف، وبهذه المناسبة صدر لها كتابان في بيروت يمتان بصلة بعضهما الى بعض: الأول (تاريخ المسرح في إيران) والثاني السينما الإيرانية تاريخ وتحديات.. سنستعرضهما على التوالي.
أما تاريخ المسرح في إيران منذ البداية الى اليوم فنلمح فيه جهدًا كبيرًا على مستوى الإعداد والتوثيق، فنقرأ أن تاريخ إنشاء المسرح على الطراز الأوروبي في إيران يعود الى ما يقرب من قرنين، لكن الآثار المسرحية التقليدية بمعناها الحقيقي. عمرها يزيد على ثلاثة قرون، وهي تتجسد بتمثيلية.. "التفرية" الدينية، وكذلك غير الدينية منها "خشبة بازي" أو مسرح الدمى و"نقالي" و"الحكواتي" و"تخت حوضي"، لكن الحقيقة أن المسرح الإيراني له جذور قديمة جدًا في تاريخ هذا البلد الذي يرتكز أساسًا على الأدب والثقافة والشعر، فقد أُقيمت احتفالات في إيران قبل الإسلام من المحتمل أن يكون قد نُسي الكثير منها، لكن المؤكد أنها تمتعت بطابع مسرحي فتطورت أحيانًا وتوقفت أحيانًا أخرى، حتى أصبح المسرح على ما هو عليه في عصرنا الحاضر.

* أرسطو.. والخميني


أما أول كاتب مسرحي إيراني قام بكتابة مسرحيات على الطراز العربي ومع اتباع قواعد أرسطو، فهو "ميرزا فتح علي آخوند زادة" الذي كتب أول مسرحية له سنة 1849 للميلاد تقريبًا، باللغة التركية الأذرية، وقام ميرزا جعفر قراعه داغي بترجمتها الى اللغة الفارسية.
كان آخوند زادة قد تعرف على المسرح الأوروبي من قريب، وتأثر به، وفي نهاية الأمر نقله الى إيران، فاشتهر بعد انتشار مسرحياته التي ترجمت الى اللغات الأخرى كالروسية والفرنسية والألمانية والإنكليزية والنروجية، كما عرف بـ"موليير الشرق" و"غوغول قوقاز" و"موليير أذربيجان".
بدأت الكتابة المسرحية بعد آخوند زادة على يد كتاب آخرين، إذ كان "ميرزا آفا التبريزي" أول إيراني كتب مسرحيات باللغة الفارسية، متأثرًا بمسرحيات آخوند زادة. وهكذا استمر المسرح بعد عوائق عدة واجهته ومشاكل تحملها. وبدأت الفرق المسرحية تظهر في أنحاء المدن الإيرانية، حتى وصل الى يومنا هذا. ولكن، للأسف فإن العلاقة المسرحية بين إيران والعالم العربي تكاد تكون منعدمة. حتى أننا لا نجد محاولات جدية في الأخذ والعطاء بينهما في سجال المسرح. وإذا كان هناك عمل، فكان قليلاً جدًا، وهكذا ترك العربي جاهلاً في هذا المجال. وأحيانًا لا يقتصر علمه عن المسرح الإيراني إلا على معلومات أولية.
ولهذه الأسباب فإن هذا الكتاب الجاد يعتبر محاولة لإلقاء الضوء على المسرح الإيراني منذ نشأته حتى اليوم. وإضاءة الطريق أمام القارئ العربي الذي يرغب بالتعرف على مسيرة هذا الفن في إيران. من هنا، يتطرق الكتاب في فصوله المختلفة، الى المسرح في إيران منذ قبل دخول الإسلام الى هذا البلد وبعده. وكذلك يتحدث عن المسرح بمعناه الحديث، حيث يشمل النشاط المسرحي بعد الثورة الإسلامية في إيران سنة 1978 للميلاد، وأهم الكتاب المسرحيين منذ البداية حتى اليوم.
ما يبرز في هذا الكتاب هو أن التركيز الأساسي، خصوصًا في المسرح الحديث، هو على الأدب المسرحي بشكل عام، لكن ذلك لم يمنع الكاتبة من أن تُشير أحيانًا الى أمور مسرحية أخرى، كالعرض والإخراج، وسائر متطلبات المسرح من جهة، والأوضاع الاجتماعية والسياسية التي ارتبطت بنشأة المسرح وسيره في إيران من جهة أخرى.

* من المثالية إلى الواقعية


وتجدر الإشارة الى أن أهم مصادر الكتاب تعود للكاتبين الإيرانيين: جمشيد ملك بور، الذي كتب "أدبيات نمايشي در إيران" (الأدب المسرحي في إيران) في ثلاثة مجلدات، و"بهرام بيضايي" الذي ألّف: "نمايشي در إيران" (المسرح في إيران) إذ في تقييم هذين الكتابين يكفي أن نشير الى أنهما كانا نتائج محاولات جدية عن المسرح الإيراني القديم والحديث.
لقد أرادت الكاتبة فاطمة برجكاني أن تشير الى أن كتابها هذا يساعد القراء العرب والمسرحيين خصوصًا في التعرف على المسرح الإيراني الذي هو ثمرة محاولات وجهود كبيرة بذلها عشاق هذا الفن ألا وهو المسرح.
بعد أن تقدم الكاتبة سجلاً كبيرًا للمسرح الإيراني تصل الى فترة بداية التسعينات من القرن المنصرم، بدأت المسرحيات الإيرانية البحث عن طرق تساعدها في أن تكون موجّهة، فحل السعي الى كسب الهوية الجديدة، والشرقية في بيئة إيرانية محل الحماس، وكذلك السخرية المرة محل الإحساس وترافق الكثير من المسرحيات مع حركات موزونة وموسيقى تقليدية وعرفانية.
وفي هذه الفترة حاول الكتاب المسرحيون من الجيل السابق، وكذلك الجدد تفسير المجتمع والتاريخ من وجهة نظر التغيرات الفكرية الحديثة، وساعدهم في هذا المجال الكوميديا الانتقادية. وكذلك المسرح التقليدي من أجل الإصلاحات الاجتماعية وانتقاد عدم وجود هوية. الآلام والشعور بالذنب، وإحساس المسؤولية والقلق من المستقبل، دفعت الكتاب المسرحيين أحيانًا الى المثالية والآثار الأسطورية وهكذا ظهرت أنواع من الحكايات والأسطورة الإيرانية بلغة جديدة ودرامية.
وعلى الرغم من التطرق الى موضوع الفقر الثقافي والاجتماعي، لكن الأسطورة، وكذلك النظرة الفلسفية والتجريدية طغت عليه، ولجأ الكتاب الى استلهام الأفكار من قصص لفردوسي وعطار النيشابوري ونظامي وغيرهم، محاولين الدمج بين القديم والحديث. ومنذ عام 1996 تقريبًا ومع إمكانية الدخول الى مساحات كانت ممنوعة سابقًا في الفنون المسرحية تغيّرت بيئة المسرحيات وتم التركيز الشديد على القضايا الاجتماعية الراهنة، والتعبير عنها بشكل صريح ومن دون اللجوء الى قصص تلفيقية كانت شائعة في الماضي. وقد تميّزت المسرحيات بالواقعية لكنها لم تحمل في طياتها الحماس والسرعة اللذين كان الكتاب المسرحيون في بداية الثورة الإسلامية يمتلكونهما في تسجيل تطورات المجتمع، بل اهتموا بالنظرة الدقيقة والتفصيلية الى التعقيدات الموجودة في مجتمعهم وانتقدوا ابتعاد الإنسان عن جذوره.
ونرى في هذه المرحلة نوعين من المسرحيات، الأول: هو الذي يعكس حقائق حياة الناس مع إدراك عميق لهذه الحقائق، ويعطي صورة واقعية عن الآلام والمشاكل الاجتماعية بعد الثورة. والثاني يعكس إحساس الإنسان بالعبث والتعب والملل، فتتم الاستفادة من عرض هذه الصور من أشكال غير قصصية، أو عن طريق الحركات ورقصات الضوء وأنواع العرض الحديثة، وهكذا تبدو بانوراما مختلفة عن كفاءة فن المسرح، بحيث يقترب فن المسرح من السينما والموسيقى والرقص والرسم والشعر، وبالتالي يظهر نوع من الانتماء الى التثقف في مسرحيات الفريق الثاني.
في هذه المسرحيات التجريدية، تفقد اللغة عملها في إيجاد العلاقة وتتحول الى رمز الكاتب المسرحي مع ضميره اللاواعي، وحاول البعض إبعاد الأدب عن المسرحية، واكتفوا بمشهدية المسرح، لكن بسبب عدم استطاعتهم إيجاد لغة قوية لتحكم العلاقة بالمخاطب، بقي العمل في طور التجربة، وأحيانًا تقليد المسرحيات الغربية، وفشلت المسرحيات في الحصول على الإحساس الشاعري من جهة وتعاطف الجمهور في آن، أو زرع فكرة ونظرة جديدتين في ذهن المشاهد.

* كاتب سوري








© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 هاتف: 5740771-54-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني: aletihad@bezeqint.net
* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع