رأي: آن أوان مغادرة الكنيست

بروفسور رمزي سليمان


*لا تعني دعوتي هذه الانغلاق والانشقاق. بل إنّها تعني أنّه في ضوء سياسة الملاحقة والإقصاء، من الأفضل فحص إمكانية العودة إلى البيت، من خلال المكوث مؤقتًا على الجدار، إلى أن يسترد الطرف الآخر رشده ويبدي استعدادًا للدخول معنا في شراكة مَدَنيّة متساوية ومحترمة*

انقضاض أعضاء الكنيست على عضو الكنيست حنين زعبي لم يكن ليُخجل أيّ أزعر يحترم نفسه. لكن، في اعتقادي، تكمن الأهمية الأساس لهذه الحادثة المُخجلة في أنّها تشكّل عرضًا حيًّا، يصف بألوانٍ حادّة موقف غالبيّة ممثّلي الأحزاب اليهودية من عضوية ممثّلي الأقلية العربية الفلسطينية في البرلمان الإسرائيلي.
إنّ تعاظم حملة ملاحقة المثقّفين والقادة السياسيين من الجمهور العربي الفلسطيني في إسرائيل، واقتراحات القانون الحمقاء، مثل قانون الولاء-المواطنة وقانون النكبة، بالإضافة إلى الدعم الواسع الذي تحظى به تلك الإجراءات لدى الجمهور اليهودي، توفّر كلّها معًا مصداقية للادعاء بأن سيرورات إقصاء الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل آخذة بالتعاظم.
كذلك، لوحظ في السنوات الأخيرة أن الأغلبية اليهودية، بمختلف تيّاراتها وقادتها، لا تكتفي بكونها المهيمن فعليًا، بل تطالب أبناء الأقليّة العربية الفلسطينية بأن يصرِّحوا علنًا بقبولهم وضعية التمييز. لم تعد الأغلبيّة تكتفي بالموافقة الصامتة، بل إنّها تصرّ، من خلال "ليّ للأذرع"، على أن يُبدي أبناء الأقليّة إشارات واضحة على الموافقة وأن يرفعوا عقيرتهم بصيحات ملؤها الإعجاب على إقصائهم وتعريفهم كمجموعة ذات مكانة متدنّية.
ما بين شهيق وزفير، في خضمّ هذه الدوّامة المتعاظمة للهستيريا والكراهية، يصبح من الصعب الامتناع عن طرح تساؤلات بخصوص الفائدة من استمرار عضوية ممثّلي الأقلية العربية الفلسطينية في كنيست إسرائيل. فلا يختلف اثنان في أن تأثير أعضاء الكنيست العرب على السياسة المنتهجة نحو الفلسطينيين مواطني إسرائيل، أو إخوتهم في المناطق المحتلة، هو تأثير ضئيل بل ويقترب من الصفر. ويزداد الأمر صحّةً بالنسبة لتأثيرهم على السياسة المنتهجة نحو الأغلبية اليهودية، أو على سيرورات سياسية إقليمية وعالميّة.
الحساب النفعيّ البارد سيُظهر أنّه فيما عدا رواتب أعضاء الكنيست ومساعديهم ومخصّصات أحزابهم، وما قد يضاف إلى ذلك من صغائر الأمور، فإنّ الضرر المنوط بمواصلة عضوية الممثّلين العرب في الكنيست يفوق الفائدة المترتّبة على ذلك بعشرات المرّات. أوّلاً، مواصلة وجودهم في الكنيست تشكّل ورقة تين تغطّي نظام حكم الأغلبية الطاغية، بل وتجمّله، إلى حدّ عرضه كديمقراطية يمكن للعرب فيها أيضًا أن ينتخِبوا ويُنتخَبوا. ثانيًا، وجود ممثّلين عرب في الكنيست يُمكِّن ممثّلي اليسار الصهيوني من مواصلة التنصّل من المسؤوليّة، من خلال رسم صورة ذاتية كاذبة كشركاء، افتراضًا، لخطاب سياسيّ ليبرالي مع الفلسطينيين مواطني إسرائيل.
علاوةً على ذلك، إنّ عجز أعضاء الكنيست العرب وعدم قدرتهم على التأثير في عملية اتخاذ القرارات، هو أمر سلبيّ لجمهور منتخبيهم. ضمن سلسلة تجارب أجريتُها مؤخّرًا، قمتُ، بالاشتراك مع زملاء، بفحص تأثير وجود "صوت" (Voice)، أي الحقّ في إبداء رأي والتعبير عن موقف، على مؤشّرات الرضا عن نتائج توزيع مورد مشترك. وكان من ضمن ما فحصناه الأوضاع التي يكون فيها "الصوت" غير فعّال، أي لا يؤدّي إلى استجابة إيجابيّة من جهة اللاعب المسؤول عن توزيع المورد. وقدّ دلّت نتائجنا، بشكل لا يقبل التأويل، على أنّه من الأفضل للطرف الضعيف أن يحصل على القليل، دون أن يكون له "صوت" في عملية التوزيع، من أن ينال القليل حين يكون له "صوت" غير مؤثر على عمليّة القرار، أي "صوت" لا ينال ردًا إيجابيًا من قبل موزّع المورد. في السياق قيد البحث، معنى "أثر الإحباط" هذا هو أنّه من الأفضل لنا نحن الفلسطينيين وضعية من طغيان الأغلبية، تكون حصّتنا في الكعكة المشتركة ضمنها مُحبِِطة ومُهينة، على وضع نشعر فيه بإحباطٍ وإهانةٍ مضاعفين: من مجرّد تجاهل مطالبنا ومناشداتنا، وكذلك من نيلنا شريحة هزيلة من الخير المشترك.
في ضوء هذا، أدعو أعضاء الكنيست العرب إلى العودة إلى البيت. لا تعني دعوتي هذه الانغلاق والانشقاق. بل إنّها تعني أنّه في ضوء سياسة الملاحقة والإقصاء، من الأفضل فحص إمكانية العودة إلى البيت، من خلال المكوث مؤقتًا على الجدار، إلى أن يسترد الطرف الآخر رشده ويبدي استعدادًا للدخول معنا في شراكة مَدَنيّة متساوية ومحترمة.

 

(*) نُشر أيضًا بالعبرية في جريدة "هآرتس"

السبت 3/7/2010


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع