اللغة الأم وأحدب نوتردام!



"[...] الإنسان الذي يملك لغةً، يملك محصّلةً لذلك، العالم الذي تصفه هذه اللغة وتتضمنه." (فرانس فانون)

في كل مرة أتحدّث فيها أمام آخرين في ندوة أو محاضرة أو يوم دراسي أو ورشة تدريبية يعاجلني بعض المشتركين والمشتركات بالثناء على لغتي العربية وعلى كوني لم أستخدم مصطلحا واحدا أو لفظا واحدا باللغة العبرية أو غيرها. وفي كل مرة أتخلّص من حرج الإطراء بالقول أنني مستغرب لزمن صار الواحد منّا فيه يُشكر لأنه يُجيد على نحو ما التعبير بلغته الأم! وفي كل مرة يحدث لي هذا أقطع عهدا على نفسي بأن أكتب عن هذه الموضوعة وفيها لافتراضي أن علاقتنا بلغتنا إشكالية وتبدو لي، أحيانا، متعثّرة تماما أو عالقة في طريق مسدودة. وهي ليست إشكالية معرفية، بمعنى نعرف المصطلح واللفظة القاموسية أو لا نعرفها، نُجيد التعبير بلغة عربية سليمة أو لا نُجيد، نعرف كيف نحوّل المصطلح اللاتيني أو العبري على العربية أو لا نعرف، بل هي أبعد من المعرفة بكثير. ولأنني أشتغل بالترجمة، أيضا، على خط التماس بين اللغتين العربية والعبرية، يصعّب عليّ البعض بطلب ترجمة هذا القول أو المصطلح أو تحويله مِن لغة إلى أختها، فأدرك أننا، وإن تحدثنا بلغة عربية أحيانا، فإننا نفعل ترجمة من اللغة العبرية على الغالب. فيأتي تحركنا في مساحة اللغة العربية بطيئا أو مقيّدا ليس بما لا نعرفه من تراكيب ومصطلحات أساس، بل بمعان ودلالات وأنماط تسكننا باللغة العبرية أو غيرها.
إحدى الحجج التي نواجهها في العادة لتبرير عدم إجادة اللغة العربية أو التعبير الحرّ فيها، هي أن المعني يعيش غالبية وقته في رحاب لغة أخرى حتى صار من الأسهل عليه أن يعبّر بها. فمقتضيات الدراسة مطلوبة باللغة العبرية. والتعاطي مع الدوائر الحكومية باللغة العبرية. والحيّز العام يصطخب حولنا بمؤثراته ومنبّهاته باللغة العبرية. وفي المحصّلة ـ يُدّعى عادة ـ إن الفضاء الذي نعيش فيه فضاء عبري ولا مهرب من اللغة العبرية وتأثيراتها. ونضيف أن مركز القوة المتجسّد في الدولة ومؤسساتها يبثّ بالعبرية ولا يلتقط إلا بها. كل الحراك تقريبا متاح باللغة العبرية، في المستشفى والجامعة والبرلمان ومحطة القطار. صحيح هذا الادعاء فيما يتعلّق بالحيّز العام وهو ما يعكف بعض المهتمين من أفراد مؤسسات على تغييره. لكننا نحصر نقاشنا هنا فيما ينحصر في الحيّز الخاص أو ذاك العربي، في الحديث بين الأصدقاء أو في يوم دراسي عربي أو في المدرسة أو في المحلّ التجاري والمقهى. هنا، في حيزنا الخاص، الذي من المفترض أن يكون فضاء بلغتنا، تكون الحياة باللغة الأخرى أو مناصفة باللغتين تتنازعان كما في قصة قابيل وهابيل ذات النهاية المعروفة.
عندما نتشارك مع ناشطين يهود حيزا سياسيا أو فكريا أو جمعيتيا نعاتبهم في العادة أنهم اختاروا ألا يُجيدوا اللغة العربية وفي اختيارهم مقولة واضحة لنا. ولا يُمكننا إلا أن نقول على هذا النحو أننا نحن، أيضا، نختار ألا نُجيد اللغة العربية، مع فارق جوهري أن اللغة العربية هي لغة الأم بالنسبة لنا وهي غير ذلك بالنسبة لهم. لا أحد يستطيع أن يحول بيننا وبين لغتنا إذا أردنا للعلاقة بيننا وبينها أن تكون علاقة تطابق وتفاعل واع مُدرَك لا علاقة أحدب نوتردام بحردبّته أو معاق بإعاقته. نقول هذا لأننا عادة ما نلمس في ورش الحوار المتعلّقة باللغة ووظيفتها الاجتماعية السياسية أن هناك مَن يهرب من لغته العربية ويدير لها ظهره في حيزه الخاص، في بطاقة المعايدة إلى صديقه أو صديقته، في أحاديثه وفي كتابته ليومياته أو مفكرته، ناهيك عن تتبيله حديثه اليومي باللغة العبرية أو حصره في مساحتها. وللظاهرة أشكال متعددة نصادفها حيثما ذهبنا في قرانا ومدننا ومع أصدقائنا وصديقاتنا وأقاربنا. الهروب من اللغة الأم أو الابتعاد عنها واللجوء على لغة أخرى وغالبا ما تكون العبرية يشكّل في نهاية الأمر تغريبا للإنسان عن ذاته إذا افترضنا أن اللغة هوية وثقافة لها وظيفة تتعدى كون اللغة أداة اتصال كما يريد لها الراغبون للتخفيف من وطء المساءلة الوجودية التي تطرحها. ومن هنا أمكننا أن نفهم ذاك الحماس الذي يُبديه البعض لدى الحديث عن زيارة لعاصمة عربية جعلته يُفلح في استخدام لغته العربية فقط. ما من أحد زار عمان أو الشام أو القاهرة إلاّ وتحدّث عن فرحه بلقائه المكثّف بلغته الأم. والحقيقة أنه ليس لقاء باللغة الأم بقدر ما هو لقاء بالذات، كما أنه ليس اكتشافه إجادته اللغة العربية حديثا وتعبيرا، بقدر ما هو ذاك الفضاء العربيّ بالكامل الذي أتيح له من خلال هيمنة اللغة العربية في كل شيء. بمعنى أننا لا نكون عربا تماما إلا إذا زرنا قطرا عربيا وعشنا باللغة العربية وفيها لأن اللغة في المواجهة بين المجموعات تتحوّل إلى حيّز مكاني وجودي نمتلكه أو نغترب عنه وهو الحاصل عندنا بضغط من مركز قوة اللغة العبرية ولكن بتنازل منّا. وفي الاتجاه ذاته فإن اللغة، أي لغة، تنطوي على سلطة (سلطة الإنشاءات اللغوية عند سعيد وفوكو) ما تفعل فعلها فينا ونجدنا ننضوي تحت لوائها ننصاع لها ولقوتها كأي سلطة سياسية. بل أن السلطة السياسية لا تتوفّر إلا من خلال لغتها.
إن زيارة أسبوع أو أسبوعين إلى عاصمة عربية تشكّل ملاذا من غربتنا في الوطن/اللغة إلى لقاء حميم بها وفيها. وهذا ما يكشف بعد المكان في اللغة. فهي في علاقتنا بها تشكّل مكانا بل وطنا وعالما لنا تحمينا من غربة أو استلاب وتوفّر لنا مساحة من حرية وما نحتاج من دفء وحميمية. ولن يكون من المبالغة أن ندّعي أن حضور اللغة فينا ونحن فيها قد يشكّل تعويضا كافيا عن غياب الوطن. بل يفقد الوطن من خصائصه كوطن ويتحوّل إلى مجرّد مكان أو مسقط رأس إذا ما لم يكن بلغتنا كما هو حاصل عندنا حيث الوطن يخضع لهيمنة اللغة الأخرى التي تعمدت إقصاءنا وإقصاء لغتنا عن المكان محاولة أن تكتب له تاريخا آخر وتعطيه أسماءها وتعريفاتها. ومن هنا يكفينا في المرحلة الأولى التخلّص من قبضة اللغة العبرية وهيمنتها لنشعر بقليل من الحرية. أن يُعيد مجتمعنا إنتاج ذاته بلغته معناه أن يحقق نوعا من النهضة غير المعاقة، نوعا من التحرير الذاتي يشكّل ضمن اللغة وفيها. فالعيش بلغة الأم كخيار واع تختاره الجماعة والأفراد يشكّل مقدمة هامة في استعادة زمام الأمور خصوصا فيما يتعلّق بالحاضر والمستقبل وبالوجود عموما. ونشير هنا إلى أننا كجماعة فقدت الوطن وإن بقيت فيه، بحاجة ماسة إلى تطوير علاقة وثيقة باللغة الأم إلى حدود العيش فيها وهو ما يتطلب قرارا من الأفراد وجهودا من الجماعة.
رغم ما نقرّ به من معوّقات موضوعية في الحيّز العام فيما يتعلّق باستخدام اللغة العربية إلا إننا نعتقد بإمكانية أن نردّ للغة العربية اعتبارها في الحيّز الخاص في حال اخترنا كأفراد أن نفعل ذلك. والمعرفة كما يقول بعض الفلاسفة النقديين اختيار بيدنا وليس قدرا محتوما. أمكننا أن نعيد إنتاج علاقتنا بلغتنا بصفتها معرفة. ويصير الأمر ملحّا، بل ومن قبيل الواجب، أن نعود إلى لغتنا بوصفها هوية الجماعة وثقافتها وعالمها كما اعتبرها علماء الاجتماع الحداثيون وما بعد الحداثيين. اللغة، وهي مجموعة من الألفاظ والتركيبات والمصطلحات المتقاطعة المتصلة والمنفصلة، لا تتضمن دلالات وتداعيات وصور ومعاني فحسب بل تتضمن قيما ومعاير الجماعة وروايتها وتاريخها، مثلما تشكل مستقبلها وخط سيرها وحيّزها.
لسنا هنا بصدد دعوة سلفية إلى اللغة كما يدعو البعض للعودة إلى الدين. فدعوتنا إلى إعادة إنتاج علاقتنا بلغتنا الأم من جديد كمدخل لإعادة علاقتنا بذاتنا الجمعية تمهيدا لعملية تثاقف لا نهرب فيها من أنفسنا/لغتنا نحو مركز اللغة الأخرى وما تتيحه بل نتفاعل معها من موقف مدرك وواع لمكانتها حيال لغتنا الأم. حديثنا هنا يسعى إلى تفكيك مبنى هيمنة اللغة العبرية وتسرّبها بوعي منا أو بغير وعي ليس إلى قاموسنا اللفظي الذي تراجعت فيه اللغة العربية وانحسر حضورها، بل إلى تصورنا للعالم وحكمنا عليه. لكن يبدو لي أحيانا أن اللجوء على العبرية حيزا ولغة ينطوي على اعتقاد أنها لغة الحداثة الفائقة وأنها توفّر لنا ما لا توفّره اللغة العربية. ويوازي هذا الاعتقاد اعتقاد مضمر وهو أن اللغة العربية قاصرة تماما عن أداء مهمات الحداثة أو أنها تقادمت وشاخت تماما ناهيك عن كونها لغة المهزومين وروايتهم، ولا أحد يريد أمن يُحسب عليهم! لكن يُمكننا أن نشير على حقيقية ان اللغة العربية استطاعت بفضل كتاب ومفكرين وفلاسفة عرب أن تخرج على نفسها وتتطور رغم جمود المجامع اللغوية وسياساتها التي تطابق سياسات الأنظمة في دولها، وأنها استطاعت بجهود الأفراد أن تتسع وتنتج ألفاظها الجديدة المعبّرة عن نهضة وحيوية. ومع هذا لا بدّ من الاعتراف أن "المؤسسة" العربية المعنية باللغة لا تزال أسيرة المقدّس المُتوهّم (لأنها لغة الإعجاز القرآني) لا يجرؤ القادرون على تحديثها بما تتطلبه الحياة ومتغيراتها. ومن هنا تلك العلاقة الوثقى بين اللغة والحداثة. فالحداثة والتحديث يوجبان نهضة مفتوحة في تخوم اللغة وطاقاتها وفتوحات في مساحاتها وليس في العلوم الاجتماعية والسياسية والطبيعية فحسب. أما وقد غاب المركز الأكاديمي العربي الذي من المفترض أن يضطلع بمهمات تحديث اللغة وتطوير قدراتها (قدراتنا) فإن المهمة ستكون ملقاة على عاتق مؤسسات المجتمع المدني وكل من يُدرك أن اللغة مسألة وجودية. ولنلاحظ كم كان عطاء هذه المؤسسات في مجال اللغة، أيضا، التي اتسعت من ليلة إلى ضحاها لمضامين وأفكار وطروحات لم تنتشر من قبل.


(دالية الكرمل)
marzuqh@gmail.com

مرزوق الحلبي
السبت 7/7/2007


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع