الغائب الحاضر



ينشر "موقع الجبهة" مداخلة بروفيسور رمزي سليمان في الطاولة المستديرة التي عقدها مركز عدالة حول "الدستور الديمقراطي".
مداخلة بروفيسور سليمان تنسجم مع الموقف الأصيل :"إنّ شعبًا يستعبد شعبًا آخر لا يمكن أن يكون هو نفسه حرًا" ويصوغ بروفيسور سليمان موقفه التالي بلغة محكمة الصياغة.

لم ينجح الأسلوب القانونيّ الجافّ لمسوَّدة الدستور الديمقراطيّ لمركز "عدالة" في خداعي، فروح الإنسان التي تملأ النصّ تتسلّل بسهولة من بين سطوره. لكنْ ثمّة أمر هامّ غائب عن النصّ، وهو الآخر الكامل. فرغم كون الآخر ظالمًا ومُضطهِدًا، إلا أنّه إنسان. ولكونه كذلك، فمن حقّه هو أيضًا أن تسري عليه قوانين العدالة.
صحيحٌ أنّ أواصر العلاقات بين المُضطهِِد والمُضطهَد تكبّل الاثنين بقيودها. كما يستوي القول إنّ تحرير المضطهَدين يزيل قيود مضطهٍِديهم، إلا أنّ نفس معيار عدم التماثل في علاقات المضطهٍِد والمُضطهَد يتحقّق بشكل معاكس في مستوى مسؤولية الاثنين لحظة تخلّصهما من قيودهما المشتركة. كما يتحقّق، أيضًا، بشكل معاكس في حجم الوعود التي على كلّ طرف أن يقدّمها للطرف الآخر، عن أنّ زوال القيود لن يسيء إلى حياته، بل ربّما يحوّلها إلى ما هو أحسن ممّا كانت عليه.
هل تعمّد معدّو الدستور دفع الآخر الكامل إلى خارج سطور نصّهم؟ وهل أرادوا بذلك التشبّث بوهم امتلاك قوّة مُتخيّلة حيالَه؟ لا أعتقد ذلك البتّة. بل أعتقد أنّ هناك نسيانًا غير واع لدى أبناء الأقليّة المضطهَدة، لا يُيسِّر لهم دائمًا تحرير وعيهم من إملاءات مبنى القوّة القائم. هذا الوعي المُستبدّ كأنّما يقول: من أنت لتجرؤ على التشدّق بحقوق السيّد؟
ما من دلالة أقوى على حضور هذا الآخر المضطهٍِد من حقيقة غيابه عن النصّ. هذه السطور هي بمثابة دعوة للأعزّاء، معدّي هذا النصّ المؤسّس، كي يُشرعوا أبوابَه أمام الآخر. إنّ دعوة الآخر إلى داخل النصّ من شأنها أن تساعده في أن يصبح أكثرَ ضعفًا، وبالتالي أكثر إنسانيّة.

رمزي سليمان
الأربعاء 13/6/2007


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع