ماذا يبقى للفقراء غير المنافع النفسية والرمزية التي تعود من الانتماء للمجموعة؟
التكافل الاجتماعي، التطوّع وبناء الهُويّة الجمعيّة

إنّ موضوع التطوّع وتحقيق الخير العام هو موضوع واسع، ويحتاج الخوض فيه إلى خلفيّة نظريّة والى تعريفات ومصطلحات لا يتّسع لها المجال في هذا الإطار. غير أنّ ما أصبو إلى تحقيقه، في هذه العجالة، هو محاولة الرّبط، ولو بالإشارة، بين التكافل الاجتماعي والتطوّع لتحقيق الخير العامّ وبين مفاهيم الانتماء والهويّة الجمعيّة.
في الإمكان الحديث عن البعد النفسيّ للهُوية الجمعيّة للأفراد، أي بصفتها بُنية نفسية (psychological construct). إذاك، نكون نتحدّث عن قضايا تتعلّق بمشاعر الانتماء، أو بالتقييم الذاتيّ (self-esteem)، وما إلى ذلك. لكن، حين نتحدّث عن البعد الاجتماعي- السياسي للهويّة الجمعيّة، فإنّ هذا الخطاب يعني، بالضرورة، الحديثَ عن العلاقة المتبادلة بين الهوية والفعل السياسي، للفرد الذي يحمل الهوية الجمعية أو لمجموعة من الناس تتشاطر هويّة جمعيّة واحدة. وبكلمات أكثر وضوحًا: عندما نتحدّث عن تجلّيات الهويّة الجمعيّة في الفعل السياسيّ فإننا نتكلم عن سياسات الهوية (identity politics).

* ترتبط قدرات الحراك الاجتماعي لنُخب الأقلية الفلسطينية بمدى نجاحها في اختراق الهامش الذي تنشط داخله... إنّ اعتماد هذه النُخب على الاقتصاد الإسرائيليّ يقلّل من حاجتها للفئات الأضعف اقتصاديًّا في مجموعتها القوميّة، ويضعف من حساسيّتها ووعيها باحتياجات هذه الفئات *

هناك انتقادات مبرَّرة لسياسات الهوية وإشارات صحيحة، في رأيي، إلى عيوبها وانعكاساتها السلبية على إمكانية تطوير نظام دمقراطي ليبرالي. المثال الأبرز على الساحة الإسرائيلية هو حزب "شاس". في هذا الإطار، يجدر الانتباه، وينبغي لفت نظر ناقدي هذه السياسات، إلى المأزق الذي تزجّ فيه الأقليّات القوميّة والإثنية التي تعاني التمييز من قبل غالبيّة مهيمنة؛ والتي لا تترك لمثل هذه الأقليّات مخرجًا سوى الانكفاء إلى سياسات الهويّة في إدارة صراعها لتحقيق حقوقها في دولة الغالبيّة المُهيمنة.
إنّ مثل هذا التحليل ينطبق على حالة اليهود الشرقيين، أي اليهود- العرب، مثلما ينطبق على حالة الأقليّة الفلسطينيّة في إسرائيل. المثال الأكثر شبهًا لـ"شاس" داخل الأقليّة الفلسطينية هو "الحركة الإسلاميّة" وسياسات الهوية التي تمارسها والتي تنطلق من هوية عربية- إسلاميّة، على أنّ مثل هذه السياسات لا تميّز "الحركة الإسلامية" عن غيرها من الحركات والأحزاب السياسيّة. التجمّع الوطني الدمقراطي هو مثال آخر، بهويّته القوميّة- الفلسطينية، والتي تشكّل قطب جذب أكثر فعلاً وتأثيرًا من القطب المتمثّل بالفكر الليبرالي- الدمقراطي، المعبّر عنه بخطاب المواطنة. وقد لا نجانب الحقيقة إذا قلنا أنّ الفعل السياسيّ لـ"التجمّع" يقع، أساسًا، في ساحة سياسات الهويّة وليس سياسات الليبرالية الدمقراطيّة. وللموازنة نقول إنّ الجبهة الدمقراطيّة للسلام والمساواة تمارس، هي أيضًا، سياسات هوية، على الرّغم من المبادئ الطبقية التي تميّز فكرها وبرنامجها السياسيّ.

ترتبط قدرات الحراك الاجتماعي لنُخب الأقلية الفلسطينية بمدى نجاحها في اختراق الهامش الذي تنشط داخله... إنّ اعتماد هذه النُخب على الاقتصاد الإسرائيليّ يقلّل من حاجتها للفئات الأضعف اقتصاديًّا في مجموعتها القوميّة، ويضعف من حساسيّتها ووعيها باحتياجات هذه الفئات * إنّ غياب الحسّ الطبقيّ لدى الحركات القوميّة والوطنيّة والنخب التي تقودها، وانعدام شعورها بالحاجة إلى التكافل الاجتماعي خارج نطاقها النخبويّ قد يؤدّي بها إلى أن تحفر قبرها بيدها؛ والأهمّ من ذلك، فإنّه قد يؤدّي إلى انحسار دور الفكر والممارسة القوميّين *


ورجوعًا إلى الموضوع الأساس، فإنّه تجدر الإشارة إلى أنّ العنوان أعلاه يلمّح إلى إمكانيّات خطاب يقيني (positivist)، أي خطاب يؤسّس لإمكانيّات بناء الهوية الجمعيّة وتطويرها استنادًا إلى عمليّات مجتمعيّة كالتكافل، التطوّع، وما إلى ذلك. بيّد أنّي أوثر هنا معالجة السببيّة العكسيّة، أي التساؤل عن طاقة الانتماء والهوية الجمعية على ضمان قدر مقبول من التكافل الاجتماعي والتطوّع بين الأفراد الذين يتشاطرون هوية جمعية معيّنة.
تمكّن معالجة الموضوع من هذا المدخل من فحص وتقييم مدى فاعلية الهويات الجمعية الفاعلة على الساحة المحلية، وإن شئنا الفلسطينية والعربية، على دفع وتنشيط التكافل الاجتماعي والتطوّع داخل فضاءات الهويّة. إنّ سؤالاً من هذا القبيل لا يدخل في باب الترف الفكريّ والأكاديمي، إذ في الإمكان الادّعاء بأنّ أحد المعايير الأساسية لقيمة الانتماءات الجمعيّة هو مقدار ما تحرّك فيه هذه الانتماءات أفرادها إلى التبرّع للصالح العام في إطار الجماعة، والقدر الذي يشعر به أفراد الجماعة أنّ في مستطاعهم الاعتماد على جماعتهم حين تُلحّ الحاجة لمثل هذا الاعتماد. بكلمات أخرى، السؤال هو: إلى أيّ مدى تُحفِّز الانتماءات الجمعيّة الأفراد على سلوك يتّسم بالمشاركة. في اعتقادي، في الإمكان المحاججة بأنّه على عكس الهويّة الدينية (أو الإثنيّة- الدينيّة) التي تُبلي بلاءً حسنًا في هذا السياق، فإنّ فاعلية الانتماء القومي في ضمان قدر مقبول من التكافل الاجتماعي تبقى مخيبةً للآمال.
بالنسبة إلى حالة الأقليّة الفلسطينيّة في إسرائيل، فإنّ التأثير المحدود للانتماء القومي في ضمان وتطوير التكافل الإجتماعي، يرتبط أساسًا بحالة الهامشية الإقتصادية التي تميّز هذه الأقليّة، إذ ترتبط قدرات الحراك الاجتماعي لنُخبها بمدى نجاحها في اختراق الهامش الذي تنشط داخله والولوج إلى ضواحي الاقتصاد الإسرائيليّ شبه المغلق أمامها. إنّ اعتماد هذه النُخب على الاقتصاد الإسرائيليّ، ولو انّها تبقى على هوامشه، يقلّل من حاجتها للفئات الأضعف اقتصاديًّا في مجموعتها القوميّة، ويضعف، بالتّالي، من حساسيّتها، بل حتى من وعيها، باحتياجات هذه الفئات. ويمكن القول، باستعارة فيها بعض الحدّة، إنّ بعض هذه النُخب تأكل على مائدة السلطان ثمّ تأتي لتتسامر (في الحلقات الوطنيّة) مع أبناء حارتها.
على الرّغم من مركزية دور التبعيَّة الاقتصادية في إضعاف قدرة الحركات الوطنية على ضمان وتطوير التكافل الاجتماعي، فإنّ هناك أسبابًا أُخرى تُسهم، هي أيضًا، في الحدّ من فاعلية هذه الحركات. ثمّة عاملان إضافيّان سأذكرهما هنا باختصار: أوّلهما افتقار النخب الوطنية، ربّما بسبب تاريخها الاجتماعي-السياسي القصير، إلى التراكمات الاجتماعية والقِيَمية المرتبطة بثقافة التبرّع والتكافل، وبالمقوّمات الاجتماعية والذهنيّة الأساسيّة التي تقوم عليها مثل هذه الثقافة، مثل الثقة بين أفراد المجتمع المدني والتبادلية المعمَّمة (generalized reciprocity) بينهم. أمّا العامل الثّاني فيكمن في الطبيعة الصداميّة لهويّتنا القوميّة، واعتماد مقوّماتها على واقع الصراع مع القوميّة اليهوديّة ومُمارساتها وأيديولوجيّتها الصهيونية، وهو ما يجعلها أقلّ جاهزيةً للتعامل مع القضايا اليوميّة والمجتمعيّة التي تعاني منها أقليّتنا القوميّة الفلسطينيّة.
وعلى الرغم من اقتصار مقالتي هذه على حالة القوميّة الفلسطينية في إسرائيل، إلاّ أنني أعتقد أن بعض أسباب الفشل التي سقتها هنا تتعدّى الحالة التي عالجتها، وتنسحب بقدرٍ ما على واقع الحركات القومية العربية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية وفي أقطار عربية عديدة. فكما هي الحال بالنسبة إلى أقليّتنا، كذلك هي الحال لدى حاملي نبراس الحركات القومية العربية. إنهم، أساسًا، من النُخب أبناء الطبقات المتوسطة-العليا. هؤلاء كانوا وما زالوا يجنون الفوائد النفسيّة والماديّة من تعزيز الانتماء والهوية القومية، دون أن يشعروا بوجوب مشاركة باقي قطاعات المجتمع، أي باقي أفراد المجموعة القومية، في الموارد الخاصة والعامة الشحيحة أصلاً. لهؤلاء، ممّن في الإمكان تسميتهم للتبسيط بفقراء المجموعة، لا يبقى الاّ الإفادة من المنافع النفسية والرمزية التي تعود من الانتماء للمجموعة.
من الواضح أنّ التحليل الذي سُقته هنا يؤدّي إلى استنتاجات متشائمة، ذلك لأنّ الحركات القوميّة والوطنيّة، محليًا وفلسطينيًا وعربيًا، تُصاغ فكريًا وتنظيميًا، على أيادي النّخب، وفي هذا فإنّ مصيرها – إن عاجلاً ام آجلاً – يقودها إلى خذلان الطبقات الفقيرة وحرمانها من حصّتها في الخير العام. إنّ غياب الحسّ الطبقيّ لدى هذه الحركات والنخب التي تقودها، وانعدام شعورها بالحاجة إلى التكافل الاجتماعي خارج نطاقها النخبويّ قد يؤدّي بها إلى أن تحفر قبرها بيدها، والأهمّ من ذلك، فإنّه قد يؤدّي إلى انحسار دور الفكر والممارسة القوميّين.

* بروفيسور رمزي سليمان يدرّس في قسم علم النفس في جامعة حيفا

بروفيسور رمزي سليمان
الجمعة 16/3/2007


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع