ريم بنا، سأحكي للعالم بأننا كنا، ما أجمل ما كنا..

قبل يومين أو أكثر، عندما أخبرتُ صديقًا لاجئًا لي، بأن لنا موعدًا مع ريم بنا يوم الأحد القادم في حيفا الفلسطينية، أعتقد أنه بكى، أو هكذا أرادني أن أعتقد، قائلاً:"أتمنى لو أراها..".
لم أهتم لحسرة صديقي أحمد العربي، فكانت جملته عابرة، كغير عادته.
دخلتْ على المسرح ليلة أمسٍ، مغطاة  بكل ما هو فلسطيني الرائحة. فكان ثوبها عروسًا يحلم به ذاك المنتظر في الغابسية. وكانت حليتّها، أساورها، زينتها تضيف إطارَ حلمٍ سيكون بعد قليل.
عندما بدأتْ، كانت تمسك بيد جدتي. جدتي لم تتكلم منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. لا أعلم كيف أحضرتها معها، أو كيف أقنعتها على الحضور. لم تلبس جدتي ثوبًا فلسطينيًا مثل ريم، ولكنها كانت تحملني على يدها اليسارية. وتهلهل لي:"يا ليل ما أطولك..مشيتني حافي" وبكيتُ أنا خفيةً عن عيونها، لئلا تراني وتقرر ألا تعود.
عندما أنهت تهليلها وضعتني جدتي على المقعد في الصف الأول أمام ريم. وذهبت. كان الجو حزينًا بعدما ذهبت جدتي وصوتها. ابتسمت ريم كمحاولة لتغيير مزاجية الناس، ونجحت. فجأة، فُتحت "مرايا الروح"..وانطلقت "روحي" لتبحث عنه بين أشياء الناس، أو بينهم، ولم تجده كما أريد، ربما كان جالسًا كالغريب عن القيثارة وعن كبريائه.
لم أستطع أن أعيدها، فقررتْ أن تنطلق خارج هذا المكان، ذهبت بمهمة من ريم وصوتها، لتجلب قليلاً من هواء بحر حيفا، ونسيم بحر يافا. قالت أنها لن تتأخر، ربما ستعود لتجده كما أريد.
في طريقها إلى الخارج، اصطدمت بطفلة لم تبلغ العامين، كانت تجلس على حافة الرصيف تبكي، عرفت "روحي" أن أسمها "سارة"، كانت على عيون سارة عصبةٌ بيضاء، أزالتها "روحي" بأناملها، نظرت إليها سارة وضحكت. وبعد أن شعرت سارة بالارتياح قررت أن تنادي صديقها الصغير، عاشق الحجارة المتراكمة على الشوارع، فبصوتها غير المسموع نادت "لفارس عودة" أن يأتي، قائلة له:"فارس، لقد وجدت لنا وسيلة نقل سريعة إلى
رام الله".
فجأة رأيتُ بأن ريم تبحث عن شيءٍ ما. نظرت إلي وهي تؤشر بيدها إشارة السؤال، وكأنها تسألني أين هي؟ لم يكن يهمني أين تكون الآن، فهي قررت أن تتركني وسط ممارسة الموسيقى لبعضها والبحث عنه في التقاسيم. وفجأة، قررت ريم أن تهدي أغنيتها "بتزعلني.." لكل امرأةٍ مظلومةٍ على وجه الأرض. قفزتُ من مكاني. تلفتُ حولي، هل من معقول أن يحدث شيئًا "لروحي" في هذه الليلة؟ كيف أكون بكل هذه اللامبالاة؟ فربما غضبت مني، لأني أرسلتها لمهمة لم تقم بها لمجرد الصدفة البشعة. لم تكن مذنبة بشيء. فلتعد.
نزلت دمعة من عيني، تأملتني ريم مرة أخرى ورسمت على وجهها تعابير الاطمئنان. مسكتْ الدف في يدها اليمين، وغنت لي.."مالك مالك مالكِ..مال عيونك عم تبكي؟". وأنا بدأت أرقص على المنصة. فهذه الأغنية تُحرك بداخلي تقاسيم الخصر واليدين والوجه، لتجعلني أرقص غموضًا وكأني على "رأس الجبل"..يمسك بيدي "مشعل" ويغني لي "عالأوف.."..سقطتُ أرضًا، أمسكتني ريم وفي عيونها نظرات عتابٍ. "ماني تبليته..هو اللي تبالاني.." قلتُ. وعدتُ مكاني، لا أريد أن أزعج ريم بعد الآن.
علمتُ بأن "روحي" لا تزال تتجول بعيدًا، وفجأة سمعنا صوتًا من بعيد..كان ذاك صوت "روحي"، كانت جائعة وتبحث لها عن طعامٍ. فالمسافة التي قطعتها من حيفا إلى رام الله كانت بعيدة ومتعبة، فسارة وفارس كانا على ظهرها طوال الطريق. وعند بحثها عن الطعام، اصطدمت بالقمر فسألته:"شو تعشيت الليلة؟" ولم يعجبها أي شيءٍ من الطعام المُقترح. قررت أن تعود، ربما جدتي قد أحضرت طعامًا عندما عادت.
أعلنتْ ريم أنه جاء وقت النوم. فوجهها تحوّل إلى الأم المشتاقة لثلاثة في المنزل. ونادت على جدتي مرة أخرى. نزلت، وحملتني  بيديها. وهلهلت لي:"يا ستي ويا ستي..غاب القمر جيت إنت.." وما أن أنهت تهليلها، حتى صرت أسبح في سماء فلسطين، مع ضحكة سارة..وحلمتُ بأني أصبحت "وزه".. حرة، انتقل من عكا إلى حيفا، إلى أم الزينات، القدس وغزة معه، بعد أن وجدته جالسًا على أوتار العود.
وكان أحمد صديقي ينتظرني في البصة من دون ملل، فالرحلة في فلسطين طويلة المسافات والمتعة. ومُنتظرة، كصوت ريم وأغنياتها..

* 29/5/2006 - عكا

رشا حلوة *
الثلاثاء 6/6/2006


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع