درويش الخطيب.. مدير فيه من الحكمة والرويّة

أبناء وبنات استاذي ومعلمي ومدير مدرستي وصديقي المرحوم درويش الخطيب.
ايها الحفل الكريم
ليس من السهل ان تقف لتؤبن معلمك، ومدير مدرستك، خاصة عندما يكون هذا المعلم، مثل المرحوم درويش الخطيب، الذي يختصر في شخصه الكريم، المعلم والمربي والاب والقائد التربوي الذي يشار له بالبنان.
وسأبتعد عن المبالغات، في هذه المناسبات، لاضع امامكم الواقع كما عشته مع معلمي ومديري واسمحوا لي ان ابدأ بمخاطبته مباشرة فهكذا كانت علاقاتنا ايام المدرسة وبعدها:
معلمي واستاذي!!
اذكرك في كل زاوية من زوايا مدرسة الطيرة الثانوية، خاصة وانت تقف في مدخل المدرسة كل صباح تستقبلنا "ببربيشك" الذي حفظنا شكله من كثرة ما شاهدناه، وانت تشير احيانا، وتضرب احيانا اخرى "ضربة معلم تسلم ايده" من لم يأت او لم تأت باللباس الموحد، ونعجب كطلاب وبعد ان كبرنا من ذلك الاصرار وتلك المثابرة من هذا النهج التربوي والمثابرة التربوية التي اعطت اكلها في اجيال من الطيرة وخارجها.
اذكرك جيدا بصبرك، وصوتك الجهوري عندما طلبنا منك انا وبعض طلاب صفي المراهقين في تلك الفترة، نطلب منك الكف عن طلبك بأن تلبس الفتيات في المدرسة البنطال وفوقه التنورة، فأجبتنا مازحا اولا بأنكم تريدون ان تروا ما لا يُرى من خلال هذا اللباس... وابتسمت... وانتقلت حالا للجِد قائلا، انتم ايها الشباب الذي احترمكم، واحترم هذا اللقاء معكم قد لا تدركون انني مطالب امام اهلكم والبلد بحمايتكم وحماية البنات معكم وان لنا عادات وتقاليد علينا مراعاتها والتعامل معها بحكمة، وتابعت انكم تخرجون من المدرسة، تلعبون وتنامون، ولكن مثلي لا ينام، فهمّي الناس والاهل والبلد وكلامهم ومستقبلكم.
سكتنا..فهمناك...واحترمناك اكثر... ولو اننا تابعنا النقاش... حول نفس الموضوع.
اذكرك.. وانت تصحح مواضيع الانشاء في اللغة العربية.. واذكر كيف أخطأتُ انا ابن الصف الحادي عشر بكلمة –لئلا- فاذا بك تكتب- هذا الانشاء الجيد يحتاج لاملاء صحيح وكتبت لي بالخط الاحمر كلمة لئلا كتابة إملائية صحيحة... وبعدها اعدت في الدرس كيفية كتابة الهمزات وقواعدها نتيجة وجود اخطاء مشابهة، لم تقل من الذين أخطأوا.. وخارج الصف اذكرك كيف أسررت لي عدم رضاك من هذا الخطأ... وضرورة مراجعة قواعد الهمزة...ولسانك يلهج بـ: لا يليق بك هذا يا مفيد
أي مربّ انت وأية تربية اعتمدتها عندما شرحت العام.. واشرت الى الخاص وبشكل واضح في الدفتر... وعندما لم تجرح شعور الشاب الآتي من شمال المثلث الى جنوبه لينهل العلم... وعندما وضعت امامه التحديات "لا يليق بك هذا... اتوقع الافضل" ومنذ ذلك اليوم بقيتُ انت بشخصك الرزين الجدي والاصيل امام ناظري وبقيتْ لئلا كما رسمتها انت جميلة همزتها مرتاحة على كرسي لا تبارحني لتبقى راضيا... ولتليق بي كتابة لئلا كما اردت... ولكل طالب من صفي ومن الصفوف الاخرى كلمته وذكرياته معها ومعك.
اذكرك... وانت تعالج مشكلة مزمنة واجهتك... مع زميلي في الصف... وابنك الذي انتقل الى جوار ربه قبل مديره ومعلمه... اقصد المرحوم رفيق دربي زهير توفيق طيارة من كفرقرع... حيث كان يتغيّب كل يوم احد.. وانذرته عدة مرات وهددته بالطرد وان لم تطرد... وعندما سألناك لمَ لا تنفذ تهديدك... قلت مازحا لقد اختار ان يكون جورج او بطرس ولا اريد طرده بسبب عيده خاصة وانك علمت انه من بيت عادي فقير وانه يقطع المسافات للتعلم وانه بشكل عام في دروسه جيد وان هذا اليوم يستغل للقراءة الخارجية من قبل الشاب، لم ترض عن فعلته، ولكنك بحكمتك ودرايتك ورجاحة عقلك ابقيته في المدرسة وفي الصف...واصبحت تأتي الى المدرسة وانت تقول كل يوم احد: طبعا بطرس غائب.
واذكر انك قلت المهم ان يتعلم.. وتعلم زهير ونجح... واصبح قائدا حزبيا في منطقة المثلث.. وكان يقول لي دائما انا مدين لمدير مدرستي فقد كان باستطاعته طردي من المدرسة والقضاء على مستقبلي التعلمي، رحمة عليك واخرى على طالبك زهير الذي ادرك حكمتك.
اذكرك كيف اجبتنا نحن الشباب الثائر الهائج الذي يريد الصدق بحذافيره عندما فرض عليك وعلينا احد الطلاب، وامام احتجاجنا قلت الكلام الواضح: يا ابنائي وانتم في طريقكم الى القمة والى الهدف قد يلقي البعض عليكم صخرة قاتلة، اخلوا لها السبيل لتهوي واستمروا نحو القمة، لان صدامها المباشر يهلككم... فهمناك جيدا... وصمتنا تقديرا واحتراما
اذكرك بعد ان تقاعدت وكنا نلتقي وكم احببت هذه القاءات... التي كنت تسر لي سؤالا كيف احوالك يا مفيد.. مدبّر امورك.. بعدك ناجح.. كم كنت احب هذه اللحظات... وكم كنت تعلو في ناظري بها.
اذكر يوم دعيت من قبل بعض طلابك النجباء الذين احتفوا بك ومعك بعيد ميلادك الثمانين... كدت اطير من الفرح وانا في طريقي الى الحفل في مبنى بلدية الطيرة لانك اهل لهذا الحفل فقد تركت بصماتك التربوية على الاجيال المتعددة، قدمت لك باقة من الازهار تقديرا على المنصة، وقبلتك..وانا اهمس في اذنك هل تذكرني...واذا بك تقول لي بوضوح.. ولو مفيد صيداوي...كانت فرحتي اكبر...فأي نعمة ان يتذكرك معلمك في هذا الجيل ايضا.
بعدها درجت على ابلاغك السلام عبر بكرك مأمون... وكنت دائما اعطيه مجلة "الاصلاح" التي كان لها الشرف ان تكتب عن حفل تكريمك...وان تقرأها..وعبرها ان نلتقي، لقاءا شهريا قبل وفاتك المفاجئة.
ذكرياتي معك ومع اهل هذا البلد الطيب المضياف وذكريات جميع الطلاب الذين قدموا من القرى المجاورة والبعيدة الى الثانوية الطيرة في عهدك، هي ذكريات طيبة... ذكريات الابناء الذين احتضنهم اهل طيبون، هذا بفضلك وفضل امثالك من المعلمين في الطيرة وبفضل اهالي الطيرة الذين يكرمونك في مماتك كما في حياتك... ولتكن ذكراك خالدة الى الابد.
والسلام عليكم ورحمة الله.

(درويش الخطيب- مدير مدرسة الطيرة الثانوية الأسبق، اقيم له حفل تكريم يوم 10/12/2005 بمرور ثلاثين يوما على وفاته، وقد القيت هذه الكلمة من طالبه، الذي يشغل اليوم مدير مدرسة كفر قرع الثانوية).  

(عرعرة- المثلث)

مفيد صيداوي*
الخميس 15/12/2005


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع