"عسل الفقراء" تصنعه أنامل النساء شرقي العراق


بعقوبة، العراق - (شينخوا) مع انخفاض درجات الحرارة بمعدلات عالية في مدن محافظة ديالى شرقي العراق وخاصة تلك القريبة من الحدود العراقية - الايرانية يبرز الاقبال على ما يسميه الكثيرين بعسل الفقراء والمعروف محليا باسم (الدبس) اذ انه يشكل بنظر الاغلبية طعام الشتاء بسبب مميزاته الغذائية المهمة لجسم الانسان، كما ان صناعته البدائية تضيف طعم ومذاق رائع لهذا المنتج.
وقال حيدر المندلاوي، عضو المجلس المحلي في بلدة مندلي (90 كلم) شرق بعقوبة، لوكالة أنباء (شينخوا)، إن "صناعة الدبس في مندلي التي تعد أقدم نواحي شرق العراق تعد من الصناعات القديمة جدا وتمتد إلى قرون وهي تجري لحد الان بطابعها البدائي اعتمادا على الادوات البسيطة واشعة الشمس".
وأضاف أن "دبس مندلي يمتاز بجودته العالية ولونه القريب جدا من العسل لذا يسمى بعسل مندلي في بعض الاحيان وسعره يبلغ خمسة الاف دينار عراقي حوالي اربعة دولارات لكل لتر وهو سعر مناسب خاصة للفقراء وهم زبائنه الدائمين".
اما شاكر حسن، وهو فلاح سبعيني يسكن في اطراف بلدة مندلي، فقال إن "دبس مندلي مشهور بمذاقه الرائع وجودته قياسا ببقية الانواع وهو يصنع بطريقة طبيعية لم تتغير منذ مئات السنين ويعتمد على الشمس في تجفيفه".
وأضاف أن الدبس الذي يعرف بانه يعطي سعرات حرارية عالية للجسم كان وما زال واحدا من أهم الاطعمة التي تتناولها العوائل في ديالى وخصوصا خلال فصل الشتاء، لافتا إلى أنه وعلى الرغم من وجود معامل حديثة لصنع الدبس، الا ان الكثير من الناس ما زالوا يفضلون الدبس المصنع يدويا وذلك لجودته العالية.
ام عبدالله وهي ارملة تصنع الدبس منذ سنين طويلة وتسكن منزلا متواضعا في أطراف منطقة قزانية (110 كلم) شرق بعقوبة، تقول "دبس قزانية لا يقل جودة عن دبس مندلي فكلاهما يصنعان بنفس الطريقة مع بعض الاضافات الناجمة عن تراكمات الخبرة والعمل لسنين طويلة من ناحية شدة النار ونظافة التمور ومدى بقاءها تحت أشعة الشمس".
وأضافت وهي تبتسم "أنامل النساء هي من تصنع عسل الفقراء لانه يحتاج إلى تعب وجهد".
وأقرت ام عبدالله "بأن الدبس كان وما يزال في المدن والقرى، عسل الفقراء بسبب اسعاره المناسبة ناهيك عن قيمته الغذائية العالية"، مؤكدة أنه "كلما انخفضت درجات الحرارة ازداد الطلب".
وحول الطريقة التي تستخرج بها الدبس من التمر، أوضحت ام عبدالله، أن الطريقة متعبة وتحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت، ولكن نوعية المنتج المتميزة هي التي تجعل العاملين في هذا المجال يواصلون عملهم، مبينة انها تقوم بغسل التمور وتنظيفها بشكل جيد ومن ثم تقوم بوضعها مع كمية مناسبة من المياه على موقد النار وتتركها إلى أن تنضج بشكل كامل وتصبح جاهزة لعملية العصر، ثم تتركها إلى أن تبرد.
وتابعت انه "بعد ان يبرد التمر الناضج نبدأ بوضع كمية منه داخل كيس مصنوع من القماش ومن ثم نقوم بعصرها وهكذا حتى يتم عصر كل الكمية وبعد ذلك يتم وضع عصير التمر في أوعية معدنية وتركها معرضة لاشعة الشمس لعدة ايام للحصول على الدبس".
وأشارت إلى أنه من المهم جدا الحفاظ على الدبس من التعرض للرطوبة خلال فترة تعريضه لاشعة الشمس ولذلك نقوم غالبا بنقله في المساء إلى أماكن محكمة وإعادته بعد شروق الشمس إلى أن يصبح جاهزا ونقوم بجمعه ووضعه في علب صغيرة ويصبح جاهزا للأكل".
إلى ذلك، بين حميد يوسف وهو فلاح كردي من قرى ريف خانقين (100 كلم) شمال شرق بعقوبة أن "صناعة الدبس من التقاليد التي ما تزال قائمة لدى الكثير من العوائل في ريف خانقين حتى الآن"، مبينا أن "هذه الصناعة لا تختلف من منطقة إلى اخرى، لكن تضاف اليها ميزات الخبرة وهو يصنع في البيوت ويقدم كهدايا أو يباع جزء منه للاسواق وبكميات ليست كبيرة بسبب غرق الاسواق بالدبس المستورد".
واعتبر يوسف أن "الدبس الذي يصنع في خانقين أو مندلي أو قزانية أو بقية مناطق ديالى يمتاز بجودة عالية تجعله اشبه بالعسل الطبيعي بسبب مذاقه ولونه الجميل، لكن للاسف لا يوجد دعم حقيقي لصناعة الدبس محليا والذي هو بالاساس أكثر جودة من المستورد باضعاف".
وأكد مهند حسن الربيعي صاحب اسواق لبيع المواد الغذائية في بعقوبة أن "99 بالمائة من الدبس الموجود في الاسواق مستورد رغم ان ديالى تمتلك قدرات كبيرة في صناعة اجود انواع الدبس المحلي".
وأضاف أنه "اشترى بطريقة الصدفة بعض قناني الدبس المصنع محليا في مندلي، وكان مذاقها لذيذ جدا لدرجة ظن بانه ليس دبسا"، مشيرا إلى أن "هذه الصناعة المحلية المتوارثة لو توفر لها الدعم لفتح افاق امام تشغيل الكثيرين وخاصة النساء لا نهن يشكلن 99 بالمائة من طاقم صناعة الدبس، كما يمكن ان يحققن الاكتفاء الذاتي بعد فترة وجيزة".
يشار إلى ان محافظة ديالى شرقي العراق تمتاز بطبيعتها الزراعية وتوجد فيها مزارع للنخيل تزيد مساحتها على 90 الف دونم، تضم مجموعة من أجود أنواع التمور وخاصة الزهدي والخستاوي الذي يشكل أهم عنصر في صناعة الدبس المحلي.
11/01/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع