عذابات الطريق؟

د. فؤاد خطيب



أجمل ما في الطريق عذاباته وذكرياته، وأجمل ما في الذكريات هو البوح الذاتي  الذي يُعيد  النفس الى ذكرى لم تعد عابرة كأية ذكرى، بل  خطت  في  داخلي عَميقًا  في أبعاد النفس،هناك  في اللاوعي  مَخزون الذكريات السعيدة والحزينة.
 المُثير في الأمر هو قدرة العقل على استنباط تلك الذاكرة في موعدها  للزمن  الرجعي  التي  استجابت لرمز  سري  مَخفي  في  كلمة  أو بسمة أو لقاء   عابر. الذاكرة   الفردية  تهذبُ شَظايا النفس  التي  تهاوت على  الطريق مثل شَظايا  البلور المَكسور. عندما أحط  من  ترحالي  هناك في البلد البعيد أول  ما يَخطرُ تلقائيا ويًقَحمُ علي عالمي، خَطواتها في  الثلج  وابتعادها عن وجودي في رحلة  الى المجهول بعد أن تناثرت وتًساقطت أوراق  الخريف.
كانت  وِجهتها الغرب وكانت وجهتي  الشرق، تاقت الى ما وراء الثلج  وتقت  أنا الى  شمسي في  الشرق التي لا تغيب. بَكت هي ومَسحت  أنا دموعها عن أجفانها  ومع كل   دمعة زادت غَصاتي غصة. قلت لها رحلتك يا رفيقة درب طويلة، عبثية وقد تتركين قلبًا  مكسورَ  الجناح  غير قادر على  التَحليق   مرة أخرى.قالت وبعد أن احمرت حدقتاها ومَلأت عبراتها  كل بحيرات  الدمع  في العالم وسالت على الخد الأسيل...انا ذاهبة هناك  لالقاك.. نفسي  وجلجلتها تأخذني  الى  الرحيل..أنت في قلبي باق الى الأبد ساكن هناك  في  قلبي  بين مطلع  الشريان ومصب  الوريد. احتفلنا  ورقصنا  في  العام  الجديد واختلطت كل  العواطف والشهقات والدموع  ثم  ذَهبنا كل  في طريق،سفينتها  أبحرت  الى  الغرب  خلف  بحر الظلمات  وأنا  أخذتني أورورا  في اشعتها من صباح  حزين الى  الشرق.
 أخبرتني بالأمس رسالتها   بعد ردح من الزمن طويل أنها هناك في المقهى المَنسي ستنتظر قدومي، لم تخب العواطف بعد  ولم تنطفئ  شعلة  السراج  في ليل  الفراق  الطويل.  قلت لذاتي.. يا الهي  سراجي  في كوة   الروح   احترقَ زَيته وخَبا وهجه، هل رسالتها  القصيرة وصورتها  في  ثلج  الزمن البعيد  أعادت   شُعلته  في قلبي ؟ أنا ذاهب  ومعي  ضمة  نرجس   قصَفتها من  حوافي  الروح..هل تأتي  بمعطفها ومظلتها تَسبقها  الى الشوق  والحنين وأريج ذلك  العشق  الذي يُرافقني  العُمر  كله   وتَركَ في قلبي  غَصة بعد غَصة  كموج  بحر عاصف  فيه كل  الشَوق والحُب والشَبق   وكل آلام  الحنين  وفيه خلجات عشق  لم تسعه حينها  جهات  الدنيا  الأربع.
كنت كما كانت  تقول لي  دائما انني شمسها وبخورها. قرأت لها كل قصص علاء الدين وبساط  الريح  وكانت  لي  الجمال  المَرمَري  الذي ذاب  بين  يدي  وذاب  واشتعل مرة تلو  الأخرى كما  الثلج  على سفوح صنين.

الخميس 10/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع