جبال الريح (22)

محمد نفاع


أكبر كتاب
احضرتُ معي صفحات مطبوعة من ألف ليلة وليلة للدراسة، وجزءا من كتاب الاغاني للأصفهاني للمطالعة، اما نبيه فقد احضر معه كتابا ضخما جدا، استولى على اهتمام الحضور، نظروا إليّ بلوم وعتب، لماذا كتابه اكبر بكثير من كتابك!! انكمشت امام هذه الورطة. في الإذن الثاني احضرت معي وبلا اية حاجة اكبر كتاب وجدته في المكتبة، كتاب التلمود، بحجم صندوق الخشب الذي تستعمله أمي لحفظ البيض المدمول بالملح لموسم الشتاء، وضعته على الطاولة بشكل استعراضي، راحوا يروزونه، كان ثقيلا جدا


حضرت محاضرة لصالح برانسي، ومما قاله: هنالك ملك صغير لكنه نذل حقير، عرّج على كل الرجعية العربية، على الاستعمار والصهيونية، وأعجبنا به أنا ومحمد ومحمود من كفر قرع وعبد اللطيف من الطيرة، وخليل من عسفيا وابراهيم من الرامة.
لما التأمت القمة العربية وجامعة الدول العربية اقتنع البعض وأنا من هذا البعض ان تحرير فلسطين على الابواب وان اسرائيل ستنكسر، مع ان صحيفة عبرية صوّرت مؤتمر القمة بكثير من الهزل في الهجوم على اسرائيل: ملك السعودية سيأتي للتحرير على ظهر جمل، والسوداني على ظهر تمساح، وواحد على قضيب نخل، والبعض على سيارات عتيقة ودبابة، حطّات وعُقل وطاسات حديد ومسدسات ونظرات غاضبة مصرّة على اقتحام المعركة، بعدها صرنا نسمع أحمد سعيد يقول: ابشر يا سَمك البحر ستأكل وجبة دسمة بعد رمي اسرائيل في البحر!!
وهذا بوشكين يقول في قصيدة البطل:
"لَوَهم يسمو بالنفس، خير من الف حقيقة دنيئة"، فهل نحن ملومون!!
عملتُ يومين في الاسبوع حارسا في منطقة تل أرزه – في القدس من قبل مكتب تشغيل الطلاب، أذهب ماشيا مساء الجمعة وصباح السبت، وفي الطريق كنيس، والمصلون دائما اقل من عشرة، يطل يهودي عراقي ويرجوني ان اكمّل العدد ويضع على رأسي طاقية واسعة كبيرة ويعطيني كتابا، والرّاب يقرأ بتنغيم وهو يَخْنِب، لا افهم عليه شيئا، والعراقي يشير إلي على الكتاب أين يقرأ الرّاب، بعدها قال العراقي: وأنا ايضا لا اعرف أين وصل هذا الراب ابن الزانية!!
وبقيت أكملُ العدد عدة مرات.
سكنّا انا ونبيه في غرفة عند عائلة فارسية، وكل الجيران من الفُرس، النساء يتنادين دائما: هيه مْحيسِن!! هيه ام سالم!! سكنّا عند مْحيسِن، في الليل وجدت رأس الغاز الصغير مشتعلا فقلت ان مْحيسن نسيت اطفاءه فقمت انا بذلك، في الصباح شكرتني وقالت: انا تركته هكذا ليظل الدجاج ساخنا لزوجي الذي يشتغل قصّارا، عمله صعب جدا، مسكين. بعدها طلبت مني إشعال الغاز والكهرباء ليلة السبت، وعرضت عليّ أجرة ورفضت. صرت اقوم بهذا العمل تبرعا لعدد من العائلات حسنة لوجه مْحيسن. امرأة قلطت الثلاثين، لها وجه واسع مدوّر بشوش، كافأتني بقبلة متقنة على خدي. أحببت قبلتها اكثر من حُب الاسبان لألواح الشوكولاتة من مستعمراتهم في امريكا الجنوبية والوسطى، واكثر من حُب الروس للفودكا والأمريكان للكافْيار الاسود من السمك المصاد في الفولغا والاورال والبايكال، نساء الاسبان دسمات شهيات من الواح الشوكولاتة والكاكاو، هذا رأيي على كل حال، المجربون والمدّعون يخبرون ان نساء جنوب ايطاليا شَبقات مثل العباسة أخت الرشيد عندنا، والافريقيات حاميات مثل البرازيل والكاريبي، والفرنسيات مبدعات، عندهن ابداع في هذا المجال، والروسيات باردات على ذمة عدد كبير من الكتّاب الروس.
بعد شهر في الجامعة عدت بالقطار الى حيفا، ومن هناك الى البيت، عدد كبير من الجيران والاصدقاء جاءوا مسلّمين، والكثير من مشايخ الدين، الدراسة في الجامعة ذات شأن، لكن الشيوخ بسلامتهم أبوا الا ان يتدخلوا:
- كثر العِلم بقَسّي القلب!!
قالوا ذلك بحضور جارنا الفكِه أحمد الفندي المشهور بسرعة الخاطر، رشقهم بنظرة غاضبة وقال:
- تْردِّش عليهم!! فِش بقسّي القلب غير الخبز الناشف!!
نحن وهذا الانسان جيران في زيتون القطعة في عين الاسد، يومها لم يكن الزيتون حاملا، والعمل صعب فقلت له: لو ان الله جلّ جلاله دخِل روحه ورضاه مجمّع كل الموسم زيتونه واحدة!!
فقال وهو يضرِب بالشْقشاقه من حيله وعزمه:
- لأ لأ!! لو لا إله إلا هو ضابِب الزتونات وحاططهُن في العدول!!
احضرتُ معي صفحات مطبوعة من ألف ليلة وليلة للدراسة، وجزءا من كتاب الاغاني للأصفهاني للمطالعة، اما نبيه فقد احضر معه كتابا ضخما جدا، استولى على اهتمام الحضور، نظروا إليّ بلوم وعتب، لماذا كتابه اكبر بكثير من كتابك!! انكمشت امام هذه الورطة.
في الإذن الثاني احضرت معي وبلا اية حاجة اكبر كتاب وجدته في المكتبة، كتاب التلمود، بحجم صندوق الخشب الذي تستعمله أمي لحفظ البيض المدمول بالملح لموسم الشتاء، وضعته على الطاولة بشكل استعراضي، راحوا يروزونه، كان ثقيلا جدا تلبكتُ في حمله من القدس، يجب قبول التحدي. وارتفعت مكانتي. حتى عندما راح صديقي يحدث ويقول: لنفرض ان – س – من الناس .... تدخلتُ وقلتُ: لنفرض ان إغريك من الناس... وإغريك هو حرف من اللغة اليونانية، فمن اليونان جاء انبياؤنا ارسطو طاليس، وأفلاطون وسقراط وديوجينوس، واسكندر ذو القرنين باني السّدّ:
سدّ بناه اسكندر... كما يقولون في العسكريات من النشيد الروحاني:
حَن الفؤاد وهامَ
   والوجد فاض وعاما
أهلا وسهلا فيكو
   يا زايْرين تْهاما
يا مرحبا يا مرحبا
   بِقدومكوا بعد الخِبا
يا إخوتي جانا النّبا
  ان المظفّر قاما
ويشِ الخبر يا هندي
   لكَ البشارة عندي
قاللي جْيوش المهدي
   فاضت على الأناما
يحمى وطيس الجدال والمقامعة، الشيوخ ضد العِلم والتعليم، والدنيا آخر وقت، والقيامة قرّبت، ولها دلايل، بقوم الأخ على خوه، والشرق على الغرب، ويتحرك السودان، ويطلع نجم بُذيل، ويقلّ الخير من الدنيا، والعسكر المختلط، الرجال يتشبهون بالنساء، بلا لحى ولا شوارِب، ويكثر الفِسق، وتزرُق الشمس من الغرب، وترتجّ الارض، ويزعق سيدنا سليمان: قامت القيامة... ووقعت الندامة... وأنا أناقش، من مية سنة، من يوم قصيدة حَنّ الفؤاد وهامَ وانتوا تقولوا قرّبت...
صِرت مُلحدا في نظرهم والعياذ بالله.
ويحكون عن شاب من لبنان ذهب الى فرنسا ليتعلم فلسفة فقالوا له في الجامعة!! إرجع الى دينكم هناك الفلسفة، فعاد وتديّن..
- لأنه سقط في التعليم، مثل الكثيرين عندنا!!
أخيرا نتفق على: لا تعلّم ابنك الدهر بِعَلمو وكل من ذنبه على جنبُه وحسابُه على ربُّه، وكل عنزة معلقة في عرقوبها.
أما العسكر المختلط فهو جيش اليهود، من الرجال والنساء، وكأنه لم يكن جنديات روسيات، ولا في الفيتنام الفيتكونغ ولا الباتيت لاو..
اضطررت الى دراسة شعر حاييم نحمان بيالك ورسالته الى العصفورة العائدة من ارض صهيون، من اخوته في صهيون الى بيته البارد في روسيا، وقصيدته عن الصرصار – الصرصور – شاعر الفَقْر، وعن عشائه الحقير ذيل سمكة مملّح..
وأنا أحب غناء الصرصور في الليل، في ليالي الصيف الرائعة، وفي الحصايد وهو يغني القصايد، وذيل السمكة المملّح طعام مفتخَر ولذيذ، خير السمكة في ذيلها وليس في رأسها، وليّة الغنم للقوَرْما لا يُعلى عليها. كان اللحام بُسَعيد يقطع اللية على الطاولة والحضور يغمسونها بالملح ويهوون بها الى الفم، وعند اغنياء لبنان في منطقة حاصبيا يتروّقون على قِطع من الليّة والقصبة السمرا النيّة وكسرة خبز رقيق، وصبايا مثل اللعب، ويأتيك بياليك ويشكو من اغنية الصرصور وذيل السمكة المملّح، هنا لم يطعم نَكْنيك لحم الحمير السائبة والمسروقة في العديد من الشوارع والبلدة المسمّاه على اسمه تخليدا له ولتوقه الى صهيون.
في الجامعة كانت تصدر جريدة اسمها بيه أتون – يمكن الترجمة فم الحمار، وعليها صورة حمار يضحك، قرأت فيها مرة ان شكوى اقيمت ضد المطعم هناك لأن اللحم المعمول على شكل كباب كان متعفّنا، لكن صاحب المطعم خرج من المحكمة بريئا، فقد اثبت ان الكباب الذي يقدمه لا يوجد فيه أي شيء من اللحم!!
والحمار يضحك على صفحة الجريدة.
في الجامعة جاء شخص اسمه لايْش، قال انه من مكتب رئيس الحكومة – يعني من المخابرات، وطلب ان يجتمع بالطلاب الدروز – كنا تسعة طلاب جدد من ابو سنان ويركا وساجور وعسفيا وأنا، جاء يعرض مساعدته والتعرف على مشاكلنا، ومعه طالب درزي قديم وعريق في العلاقة معه.
طلب ان نقيم لجنة طلاب دروز!! وألا نندمج في لجنة الطلاب العرب!! رفضنا هذا التوجه بالاجماع، وكان لي الشرف ان اكون المبادِر الى الرفض.. ومن عصبيته كما يبدو كَبّ فنجان القهوة على ملابسه وضحكنا ولم يكترث هو.
وسألَنا من نُرشح لمسؤولية قاضي مذهب درزي إذا قامت محكمة دينية؟ نبيه وأنا وطالب من ابو سنان ذكرنا اسم الشيخ فرهود، امتعض ودقمت يده في فنجان قهوة مرافقه الدرزي فانكبّ على الاوراق.
وبدأت حملة الملاحقة ضد من أصرّ على هذا الموقف.
وظل بروفسور بْلسنر القدير والختيار يدخل الى الدرس عابسا ويقول: في هذه الغرفة رائحة كريهة، تشبه رائحة البرتقال المخمّج!!
وينتقد المسؤولين عن النظافة. وينكّت على احد المحاضِرين عندما صعد الى الباص وفيه مكان شاغر وحيد قرب احد العمال المنهكين فسأله: ما اسم سيدي!! قال العامل: لماذا؟ هكذا ما اسم سيدي المحترم، هِم طيب اسمي شيمون، فقال البروفسور بمنتهى الادب واللطف: هل تسمح يا سيد شيمون ان أجلس بجانبك!!
- أقعد!! من شان هيك!! أما بشَر!! وعاد يغفو من تعبه.

السبت 5/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع