صفحات من تاريخ النضال النقابي في فلسطين:
في الذكرى الثامنة لرحيل المناضل النقابي والوطني الفلسطيني أحمد اليماني (ابو ماهر)

النقابي جهاد عقل


زيت الزيتون!
عن فترة تعليمه في صفد يروي أحد أصدقاء ابو ماهر بأنها مرحلة "تنكتي الزيت"، حيث كان والده يعطيه تنكتين من زيت الزيتون واحدة يبيعها ويدفع تكاليف الدراسة من ثمنها والتنكة الثانية يبيعها ويكون ثمنها مصاريف السنة للسكن والاكل والملبس، وعليه الاكتفاء في ذلك كون عائلته كثيرة الاولاد ووالده فلاح بالكاد يستطيع توفير حاجيات العائلة.



• "المناضل" أم "ضمير الثورة"؟

يصادف اليوم الرابع  من كانون ثاني الحالي الذكرى الثامنة لرحيل القائد العمالي الوطني الفلسطيني أحمد حسين اليماني (أبو ماهر) رحل يوم (٤/١/٢٠١١)، وبهذه الذكرى نعود ونستذكر بعض المسارات في حياة هذا القائد الفذ نضاليًا نقابيًا ووطنيًا، الذي قال عنه القائد الخالد ياسر عرفات "ضمير الثورة" مشيرًا الى مواقفه المبدئية والعنيدة لصالح الثورة الفلسطينية ولشعبه وهناك من أطلق عليه لقب "ضمير فلسطين"، وكتبت عنه الباحثه بيان نويهض الحوت في مقال لها "أبو ماهر اليماني مثال يحتذى لا لمن عرفوه وعايشوه فحسب، بل أيضًا لمن سمعوا عنه في مخيمات الشتات وفي التجمعات الفلسطينية والعربية".
ولعل أهم ما تتميّز به شخصية أبو ماهر أنه كان مناضلًا في جميع مراحل حياته . لا يفرّق بين وظيفة رسمية أو نقابية أو تربوية أو نضال سري أو شعبي .لذلك لو أردنا أن نسجّل مهنته الأبرز والأهم في سجل سيرته لقلنا "المهنة مناضل".(١)، أم طالبه الفنان رسام الكاريكاتير  الشهيد ناجي العلي فقال عنه: "وعلمنا أبو ماهر أن نرفع علم فلسطين وأن نحييه، وحدثنا عن أصدقائنا وأعدائنا.. وقال لي حين لاحظ شغفي بالرسم "ارسم .. لكن دائمًا عن الوطن"(٢).


• سحماتا في القلب


ولد أحمد حسين اليماني في قرية سحماتا في الجليل الأعلى وهي تابعه لقضاء عكا في الرابع والعشرين من أيلول ١٩٢٤، لعائلة مكونة من ١٣ فردا (ثمانية ذكور وثلاثة إناث) ولقب "اليماني" له قصه،  فوالده هو"حسين أحمد محمد علي سليمان، أما كنيته "اليماني" فأطلقت على جده أحمد الذي خدم مع الجيش التركي في اليمن، فلما عاد بعد خمسة عشر عامًا. وراح يروي لأهالي سحماتا عن اليمن، وأهلها وتجاربه الغزيرة في جبالها الوعرة. التصقت به كُنية "اليمني" ثم تحولت مع الزمن الى "اليماني" أما والدته فهي سعيدة الحاج عبد الرحيم قدورة."(٣).

تعلم ابو ماهر مرحلة تعليمه الإبتدائي في مدرستي سحماتا وترشيحا، ثم تابع دراسته للمرحلة الثانوية في كل من صفد وعكا، وعن فترة تعليمه في صفد يروي أحد أصدقاء ابو ماهر بأنها مرحلة "تنكتي الزيت"، حيث كان والده يعطيه تنكتين من زيت الزيتون واحده يبيعها ويدفع تكاليف الدراسة من ثمنها والتنكة الثانية يبيعها ويكون ثمنها مصاريف السنة للسكن والاكل والملبس، وعليه الاكتفاء في ذلك كون عائلته كثيرة الاولاد ووالده فلاح بالكاد يستطيع توفير حاجيات العائلة.
عُرف عن المناضل أحمد اليماني إجتهاده في مراحل تعليمه وبعد انتهاء المرحلة الثانوية في عكا قُبِل للدراسة في الكلية العربية في القدس وانهى الدراسة فيها بنجاح.


• مرحلة العمل والنضال النقابي

بعد إنهاءه دراسته في الكلية العربية بالقدس وتخرجه بنجاح، تقدم للعمل في الجهاز الحكومي الفلسطيني التابع للإنتداب البريطاني، "عمل بعد تخرجه في دائرة الزراعة في عكا ثم استقال بعد سنة وثلاثة أشهر. ثم عمل في دائرة الأشغال العامة في حيفا واستقال منها جراء صداماته مع الموظفين اليهود"(٤) وكان سبب صدامه هذا  نشاطه النقابي حيث انتخب ليشغل منصب أمين سر النقابات المركزية لعمال وموظفي دائرة الأشغال العامة، الأمر الذي أثار غضب وضغينة الموظفين اليهود الصهاينة حيث قاموا بتنظيم حملات معادية للنقابة وله شخصيًا، وكان هذا المنصب بمثابة بداية إنطلاقة في النشاط بالمجال النقابي الفلسطيني.


• جمعية العمال العربية الفلسطينية

 خلال فترة إشغاله أمين سر نقابات عمال دائرة الأشغال العامة، كان معروفًا أنه يقوم بهذه المهمة ضمن جمعية العمال العربية الفلسطينية بحيفا والتي أسسها النقابيون العرب في فلسطين في ٢١ آذار ١٩٢٥، وخلال هذه الفتره رافق أمين سر الجمعية النقابي الشهيد سامي طه ورفاقه من قيادة الجمعية، وقام بدور هام في مجال التنظيم باماكن العمل في حيفا وغيرها من المناطق الفلسطينية في الفترة ما بين ١٩٤٤-١٩٤٨،مستعينًا بخبرته النقابية التي صقلها خلال منصبه في قيادة نقابات دائرة الأشغال العامة، وربطته علاقات خاصة جدًا مع النقابي سامي طه، وضمن نشاطه هذا أوكلت له مهمة أمين سر جمعية العمال العرب الفلسطينية فرع يافا وذلك بعد عملية الانشقاق التي حلت في صفوف الجمعية، حيث قام بدور هام بهذا المجال تنظيمًا وتوعية للعمال ولابناء الطبقة العاملة في يافا والقضاء،  وحظي بتقدير كبير لدوره القيادي الشجاع في مواجهة أصحاب العمل من جهة وممثلي حكومة الانتداب والحركة الصهيونية من جهة أخرى. ووجد نفسه بعد قرار التقسيم مع رفاقه النقابيين في مواجهة مع الحركة الصهيونية وقواتها.


• المشاركة في الدفاع عن الجليل، الإعتقال ثم التهجير الى لبنان.

لم يقف ابو ماهر محايدًا في معارك الدفاع عن قرى الجليل أمام ما تعرضت له من هجوم لقوات "الهغاناه"، و "شارك في نشاط اللجنة المركزية التي شكلها أبناء المناطق الفلسطينية في لواء الجليل للدفاع عن قراهم بوجه الهجمات الصهيونية، واختير أمينًا لسر هذه اللجنة"(٥) بعد سقوط معظم منطقة الجليل وكونه أمينا سر للجنة المركزية رفض مغادرة فلسطين بعد سقوط معظم المدن "فاعتقلته السلطات الإسرائيلية في ٢٩/١٠/١٩٤٨ ونقل الى معتقل نهلال، ثم أبعد الى لبنان عنوة في٣١/١/١٩٤٩، فانضم الى عائلته التي عثر عليها في مخيم البداوي في شمال لبنان، ـ بدأ حياته في لبنان بالعمل كاتبًا للحسابات لدى شركة منح وسميح عذرة للصناعات الكيماوية في طرابلس"(٦)


• العودة للنضال النقابي والتعليم

 ضمن إرتباطه في النضال النقابي الفلسطيني  وغيرته عليه، عرف أن جمعية العمال العربية الفلسطينية عادت للنشاط ضمن مقرها في مدينة نابلس،  فقام بتقديم استقالته من عمله في شركة الكيماويات بطرابلس "وسافر إلى الضفة الغربية في فلسطين للالتحاق بجمعية العمال العربية الفلسطينية، التي عاودت نشاطها في نابلس عام ١٩٤٩. لكن، لم يطل الأمر به في الضفة الغربية فعاد الى لبنان، عمل مدرسًا ومدير مدرسة وناظرًا في مدارس وكالة غوث اللاجئين في لبنان (الأونروا) منذ سنة  ١٩٥١حتى سنة ١٩٦٣ "(٧) وواصل عمله في هذا المجال حيث تولى إدارة مدرسة ثانوية في مخيم برج البراجنة.


• عودة للنشاط النقابي وتأسيس الاتحاد العام لعمال فلسطين

يظهر من كتاب مذكرات النقابي الفلسطيني صبري بدر ابن قرية سعسع التي يقول عنها المناضل أحمد اليماني بأنها تشتهر بالزعرور وغيره من المنتوجات الزراعية، هناك توثيق لجزء هام من النضال النقابي لأبي ماهر، وكان عدد من النقابيين الذين جرى تهجيرهم عن أرض وطنهم الى لبنان وسوريه والاردن وغيرها قد بادروا الى تأسيس الاتحاد العام لعمال فلسطين ويوجه النقابي صبري بدر في مذكراته التي جاءت في خمسة أجزاء  تحية حب ووفاء للقادة النقابيين الفلسطينيين الرواد الذين أسهموا بعد النكبة وممن قاموا:"بتأسيس الإتحاد العام لعمال فلسطين،أذكر منهم الأخوة أحمد اليماني أبو ماهر وسعيد الخمرة ودرويش شيخا وفايز فضة وفي مقدمتهم المناضل الوطني والنقابي الكبير الأخ حسني الخفش وزملاؤه في الأردن"(٨).


• يا عمال فلسطين إتحدوا

وقد ساهم المناضل النقابي والوطني احمد اليماني  في مواصلة تجميع القوى النقابية بعد النكبة من موقعه في لبنان وتم بتاريخ ٢٥/٥/١٩٦٢ تشكيل "اللجنة العامة المؤقتة لعمال فلسطين " التي أصدرت بيانًا لها تحت عنوان يا عمال فلسطين إتحدوا، حدد ذلك البيان مسؤولية الطبقة العاملة الفلسطينية في قيادة النضال السياسي والنقابي "(٩) كما وسرعان ما قام (ابو ماهر)بتنظيم  فرع نقابي فلسطيني في لبنان "أصبح بعد فترة دعامة قوية من دعائم الاتحاد العام لعمال فلسطين "(١٠) من بين جميع الفروع التي تم تأسيسها في مختلف الدول العربية، وكان أحمد اليماني أحد الأعضاء المؤسسين لهذه اللجنة النقابية الفلسطينية والتي دفعت من أجل اقامة الاتحاد العام لعمال فلسطين حيث تقرر في شهر آب ١٩٦٣ إعلان قيام  الاتحاد العام لعمال فلسطين وفي ١١/٧/١٩٦٤ انتخبت لجنة تنفيذية مؤقتة من تسعة أعضاء كان النقابي أحمد اليماني عضوًا فيها(١١) احدى مهامها التحضير لعقد المؤتمر الاول للإتحاد العام لعمال فلسطين.


• المؤتمر الأول للاتحاد العام لعمال فلسطين

قام أعضاء اللجنة التنفيذية المؤقتة بجهود جبارة على الصعيد النقابي العربي والدولي من أجل الاعتراف بالاتحاد العام لعمال  فاسطين على الصعيدين، وقد وجدوا حاضنه لهم ضمن مؤسسات "الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب" الذي بادر أمينه العام محمد أسعد راجح الى عقد مؤتمر للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب أطلق عليه "مؤتمر فلسطين " والذي تم عقده في مدينة غزه أيام ٢٨-٣١/٣/١٩٦٤ "من أهدافه تشجيع قيام تنظيم نقابي فلسطيني"(١٢)، بعد حوالي عام إستمرت فيها الإستعدادات لعقد المؤتمر الأول لاتحاد عمال فلسطين وبجهود اللجنة المؤقتة،ودعم قيادة الاتحاد الدولي للعمال العرب، عقد المؤتمر الأول للإتحاد العام لعمال فلسطين في مدينة غزه ايام ١٤-١٧/٤/١٩٦٥ و"عقدت جلسة إفتتاح المؤتمر صباح يوم الأربعاء ١٤/٤/١٩٦٥ بقاعة سينما النصر في مدينة غزة وكان عريف الحفل الزميل أحمد حسين اليماني ابو ماهر الذي القى كلمة الإفتتاح بحماس شديد وبحسه الوطني والقومي الرائع"(١٣) وكان هذا المؤتمر بمثابة انطلاق العمل النقابي الفلسطيني المنظم بعد النكبة ومكملًا للحركة النقابية الفلسطينية ما قبلها وجزءا من النضال النقابي الذي واصله رفاقنا الشيوعيين ورفاقهم من الحركة الوطنيه في كل من الاردن (الضفة الغربية) وقطاع غزة(مصر).


• متابعتة للقضايا النقابية في الاراضي المحتلة

  كان لابي ماهر احمد اليماني، دور هام في متابعة وتنسيق مجريات الوضع النقابي على الصعيد الفلسطيني في المناطق المحتلة تولى مسؤولية "امانة الأرض المحتلة" في الاتحاد العام لعمال فلسطين (١٤)وكان يقدم تقارير مفصله تظهر في كتاب النقابي صبري بدر،  لقيادة الاتحاد بهذا الخصوص، كما وإستطاع في المؤتمر العام الرابع للاتحاد الدولي للعمال العرب الذي عقد أيام ٢٩-١/٢/١٩٦٩ والذي مثل فيه اتحاد عمال فلسطين ان يتخذ المؤتمر قرارا بالمؤتمر بتشكيل:" لجنة لدراسة أوضاع العمال العرب في الأراضي المحتلة"(١٥).


• الانطلاق في مسار النضال الوطني وهموم القضية الفلسطينية

لم يواصل النقابي أحمد اليماني نشاطه النقابي، حيث انتقل لنشاطه الوطني السياسي ضمن صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة القوميين العرب،  وكان له دور هام في مجال النضال الوطني الفلسطيني حيث مثلها في اللجنة التنفيذية  الى جانب ياسر عرفات.

كما وأصدر العديد من الكتب منها كتاب "جمعية العمال العربية الفلسطينية بحيفا" عام ١٩٩٣ الذي يوثق فيه تاريخ تأسيس الجمعية وعلاقته المتيزة مع الامين العام الشهيد سامي طه،   وشارك في تحرير كتاب عن بلدة سحماتا الذي كرس له وقت كبير لتوثيق تاريخ بلدته التي تم تهجير أهلها العام ١٩٤٨ وأخيرًا أصدر مذكراته بعنوان "تجربتي مع الأيام: وثائق وشهادات" في خمسة أجزاء عن دار كنعان للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق ٢٠٠٤  وهو بمثابة كتاب يتبع لادب السيرة الذاتية يبرز في الجزء الاول ذكرياته عن سحماتا والوطن وفتره نشاطه النقابي في فلسطين.
وتقول المؤرخه بيان نويهض الحوت: "إن خير من يتحدث عن هذا المناضل هو المناضل الكبير الدكتور جورج حبش... فهو يعرف جيدا ابو ماهر في الحركة والجبهة .. وكتب في مقدمته للكتاب: كان الرجل مبادرًا يتمتع بقدر كبير من النشاط والحيوية ونكران الذات، وبدون أي مجازفة أو مبالغه، يمكن القول ان سلوك الرجل كان أنموذجًا يحتذى، فقد إشتهر أبو ماهر ولا يزال بنظافة اليد واللسان، وبقدر كبير من النزاهة الأخلاقية،الأمر الذي جعله يستحق لقب ضمير الثورة فقد عرفه الجميع إنسانًا متواضعًا الى أبعد الحدود، في مأكله وملبسه ومعيشته وحساسًا الى أبعد الحدود"(١٦).
من الصعب أن نف المناضل الوطني والنقابي المرحوم أحمد اليماني حقه في هذه العجالة على ما قام به من محطات نضالية هامه في تاريخ النضال الفلسطيني عامه، وقد تركزنا هنا في إعطاء  إضاءات متواضعة على الجانب النقابي  فقط.
  تبقى ذكراه خالدة .


مصادر:


1. بيان نويهض الحوت – مقال بعنوان :تجربة "أبو ماهر" مع الأيام،المعرفه أمانه ومسؤولية،مقال في مجلة الدراسات الفلسطينية عدد ٦٩مجلد١٨ شتاء٢٠٠٧.
2.  الهدف بتاريخ ٤/١/٢٠١٨
3. بيان نويهض الحوت – نفس المصدر
4. الهدف ٤/١/٢٠١٨
5.  ن.م
6. ن.م
7. ن.م
8. مذكرات الحاج صبرب ديب بدر – الحركة العمالية العربية الفلسطينية وتنظيمها النقابي بعد النكبة واغتصاب فلسطين، نشأتها- سماتها- اتجاهات تطورها ج١ – ٢٠٠٨. ص١٠٥
9. ن.م صفحه ١٠٦
10. ن.م - ص، ١٢١
11. ن.م- ص،١٢٩
12. ن.م- ص، ١١٤
13. ن.م – ص،١٦٥
14. ن.م -ص،٣٠٢
15. ن.م- ص، ٣١١
16. بيان نويهض الحوت - نفس المصدر .


السبت 5/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع