جبال الريح (17)

محمد نفاع


خليّة شيوعية
جاءت قوة من شرطة الجاعونة وصفد وكريات شمونة، واعتقلت أربعة، واختَلَت ببعض الناس من الحارتين، ويبدو انها اقنعتهم بترك المكان والتوجه الى المحاكم، وهكذا كان.. بعد يومين جاء كمال غطاس وأديب الخوري من رفاق الرامة ومعهم جريد الإتحاد التي كتبت عن المظاهرة وأيّدت حق الناس ضد الحكومة، يومها تأسست اول خلية شيوعية في البلد، وكنت من أصدقائها، هكذا تعرفت على جريدة الاتحاد، وحفظت هتاف الناس: ما نِطيع اللي يجينا بالعِناد/ ما تعوّدنا على بوسِ الأيادي/ وعاداتنا كيد الأعادي.


هنالك فترات من الزمن، لا تقدر الايام ولا ترغب في تغييبها عن الذاكرة، كانت ايام وليالي سنة 1958 بالنسبة لي اياما لا تنسى بأحداثها، شاركت وبدور قيادي في اول مظاهرة شعبية ضاجة صاخبة التأمت فيها الغالبية الساحقة من الناس، سارت من ساحة المدرسة في الشارع الى مدخل البلد لاستعادة ارض الخيط، فوقها عسقد الغبار مثل درب التبانات، اقترحت على كامل اليوسف ان نرفع شعارا، كتبتُ على علم الدولة، علَم الكشاف وبخط كبير: تسقط حكومة بن غريون، تسقط حكومة السّلب والنهب، ربطنا العلَم على عودة سنديان من كْديس الحطب ورفعْناه. جاء جبر وهاش عليه وهو يصرخ: رافعين العلم ولاد الكلب، إبِعدوه من هون!!
- استنوا استنوا عليه كتابة!! اعترض أحدهم.
جبر إبن بيت فقير، غنّى أهله سنة الجوع والجراد:
شومَر وِشْنينِه طيّب
   وسِعر القمح بِشَيّب
جاء ضابط بوليس ترشيحا – مَعونا – وقال للفسّاد:
قُلت ان المظاهرة فياش ناس يا حمار!! هون كل البلد!! سافرنا من البلد الى ارض الخيط، في سيارات الشحن، والكثير من الناس مشوا من البلد الى ميرون وخلة بير الشيخ والمالكية وتجمع الناس "باب المُغُر" وعلى "بيادر الخيط" المهترئة، مع زواويد وحرامات وبطانيات، تغيبت عن المدرسة وسمعت الكبار يسمّون المواقع: مرج الغزلان، السّرير، موارس الحرية، قدح الغول، الحنداج، وعرة زيادة ... وكل واحد يشير الى ارضه، رجال يبكون ويشهقون، جاءت قوة من شرطة الجاعونة وصفد وكريات شمونة، واعتقلت أربعة، واختَلَت ببعض الناس من الحارتين، ويبدو انها اقنعتهم بترك المكان والتوجه الى المحاكم، وهكذا كان، شرط ان يُطلق سراح المعتقلين الأربعة الذين رُفعوا على الاكتاف، مع أنهم لم يستمروا لاحقا في موقف الدفاع عن الارض، بل بالعكس، ومنهم قاسم وعلي ومحمد.
بعد يومين جاء كمال غطاس وأديب الخوري من رفاق الرامة ومعهم جريد الإتحاد التي كتبت عن المظاهرة وأيّدت حق الناس ضد الحكومة، يومها تأسست اول خلية شيوعية في البلد، وكنت من أصدقائها، هكذا تعرفت على جريدة الاتحاد، وحفظت هتاف الناس:
ما نِطيع اللي يجينا بالعِناد
   ما تعوّدنا على بوسِ الأيادي
وعاداتنا كيد الأعادي.
بعد المظاهرة جاء "نمر" وقال لأهلي: إبنكوا تقرر يُشُنْقوه!! هان علَم الدولة...
صرت أشتري جريد الاتحاد عدد يوم الثلاثاء في الرامة، يأتي بها الرفاق الى مكان سكننا هناك، في تلك الأيام بعد موسم العنب، ذهبت مع والدي الى حيفا الى محل "إتْكِسْ" واشترينا راديو من نوع: "سعادَة" مع بطارية ثقيلة بوزن 45 كيلو غرام.
أنا وحسن كما قال الناس ثُقل كل واحد 45 كيلو مثل بطارية الراديو، وأطلقوا علينا هذا اللقب.
بعد ان درستُ لامتحان اللغة العربية في ليلة شاتية باردة كنت اتسمّع على الراديو، على أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب، قرابة منتصف الليل، ليلة الامتحان، جاء اثنان من شرطة ترشيحا واعتقلوني لأنني رفض المثول الى مكتب التجنيد العسكري في طبريا، نقلتني سيارة الشرطة الى حرفيش، الى بيت المختار سعيد الخليل الذي ذهب مع رجل شرطة يهودي لاعتقال شاب مسيحي وآخر درزي اسمه مصطفى، اما الشرطي محمد الشركسي فظل يحرسني في بيت المختار، جلس عند الباب وأنا قرب الموقد المشتعل، قلت للشرطي تعال تدفّا فأنا لن أهرب. جاء بتثاقل وسألني: هل تحبّ ان تسمع خطابات عبد الناصر!! قلت آه. وأنا كذلك، ورحنا نتسمّع على الخطاب في تلك الساعة المتأخرة من الليل، وعند المختار شربنا الشاي ومن هناك الى مركز بوليس ترشيحا.
في الصباح أحضروا لي على الفطور فنجان شاي مبقّر مشرّم، وشقفة كْماجِه ولبنه عتيقة عليها شعرة، فما كان مني إلا ان رشقتُ صينية الطعام في وجه الشرطي بعد ان قال لي بالعبرية: كل يا خَـ... أختك... شتمني وضربني فجاء شاب شرطي عربي تبيّن انه "مفيد الصالح" من الرامة وصرخ: ليش عملت هيك!!
- لأنه شتمني وقدم لي طعاما وسخا، سبّ عَرضي.
سألني عن اسمي، وتبين انه يعرف احد اقاربي فقال:
- اسْتنّى، والله لجبلَك من أكل الزّباط على الغَدا!!
وفعلا أحضر لي صحنا من الأرز واللحم والفاصوليا، وبقيت أذكّره بذلك كلما التقينا، خاصة بعد ان تناسَب مع أهل بلدنا، زوجته من بلدنا وبناته متزوجات عندنا.
عدتُ الى المدرسة فهاجمني المعلم شكيب جهشان غاضبا:
- ولَك كيف بتغيب عن امتحان العربي!!
- كنت في الحَبْس استاذ.
- ليه!!
- ضد التجنيد الإجباري.
راح يتكلم بصوت عميق، يحدث نفسه: مرة في مظاهرة، مرة ضد التجنيد، ثم قال بإصرار:
- والله غير أعطيك نفس العلامة اللي اخذتها، 99,5% ومن يومها راحت صداقة معه، حتى كنا نتطرق في الصف الى مواضيع أدبية منشورة في مجلة "الجديد"، كانت هنالك بعض المنغِّصات، فقد أحضر أبي من الأرجنتين كتابا عنوانه: كتاب الطبّ البيتي لمؤلفه يوسف اسعد محمود من سوريا. كان أبي يلفظ "كتاب الطُّب" لفظتها في الصف فضحك المعلم: ولَك الطِّب مِش الطُّب وظل يجاقرني، الطُّب.
ورطة أخرى ورّطني بها أبي عندما قال: هناك بلاد في سيبريا في بلاد الروس، ووراء جبل قاف لم تكتشف، حملتُ هذه الفكرة الى معلم الجغرافيا القدير الشجاع غطاس يوسف غطاس الذي راح يشرح لنا ان واضع الخريطة يكون قد زار كل الاماكن المسجلة على الخريطة او نقلها عن آخر زارها، فما كان مني إلا ان تدخلت بشكل واثق:
- مِش ممكن، هاي سيبريا والقطب الشمالي مين زارها!!
غضب المعلم على هذه الفكرة والمقاطعة وقال:
- كلامك يُعتبر تكذيبا لكلامي، وأنا اُثْبت لك ذلك كما اُثبت انك قليل أدب، بتفهمْش وحمار!!
بعد اكثر من ثلاثين سنة عاتبته في بيت أخيه رفيقنا كمال غطاس!!
- أهو إنتي!! وضحكنا.
وزاد احترامي للمعلم غطاس عندما جاء احد الطلاب المدسوسين من احدى القرى المجاورة واسمه جبر وسأله أمام المفتش عن الشيوعية والاتحاد السوفييتي، فأجاب:
سؤالك فِكرك أخاف من المفتش، أنا لا اخاف لا من المفتش ولا من مدير المعارف ولا من وزير المعارف ولا من رئيس الحكومة.
كبر جبر وظلّ على ما هو، وظل المعلم كما هو.
كانت شهادتي جيدة في الفصل الأول، وهو أطول فصل في السنة الدراسية، احد الطلاب من قريتنا سقط، فما كان من أخيه الكبير إلا ان جاء لأهلي في غيابي وقال:
- ضُبّوا إبنكوا في الرامة، بظلّ يشرب عرق وداير في الشوارع!! بدّي مصلحتُه.
كان أبي متسامحا الى حد ما، اما والدتي فما ان سمعت بالعَرَق حتى جن جنونها، عدت الى البيت في المساء وعندنا اولاد جيراننا – غالِه وأخوها، جاءت أمي لا شور ولا دستور مسكت مشاية غالة وعليها وَحلِه وضربتني على راسي: بتشرَب عَرق يا كافر يا عاطل يا نِجس!!
لم اُحيّد راسي عن الضربة، وأخذ على خاطري الى حد خطير، خطير جدا، حتى جاء يوسف ابن خالي وقال:
- أحنا ساكنين سوا، ولا ليلة سهرنا بَرّة، ولا نعرف العرَق، محمد شاطر، وخوه للي حكالكو سقَط، تيس...
قال أبي لأمي:
- ندى!! تِبقيش تِستعجلي، ترُديش على الفسّادين شبّاكين العمَل!!
ولليوم أحفظ مشاية أمي التي كانت تلبسها على الزابود والجرمق وخلة القاضي وهي تشتغل بالأجار حتى تعيّشنا.
أما أختي فقد هاشت على أمي وهي تصرخ وتبكي...:
- خوي آدمي وشاطِر بنضَربش في الصرماية من شين وْلاد الحرام الفسادين، لليوم نتذكر تلك الليلة ونتضحك.

اُحبُ الغيم في تشارين، في الخريف، يتقَعْقَر وراء الجبال على داير البلد، طبقة على طبقة، فيه فجوات وتلال وجبال وخلاّت، فيه الزاهي وفيه الداكن العكِر، الغيم مْحَرْحِج، يمكن الدنيا نوت على الخير العِلم عند الله، إيلول ذيلُه في الشّتا مَبلول، وأستحلي الغيم الرّقّاد في الصيف والربيع، وهو يحبو من الوديان ويمسح المواطي وبطون الجبال على مهله، وله لون واحد، احيانا تخرقه الشمس في قوس القدَح، ينزل من الجو الى الارض بألوانه الداكنة المخلوطة مع حدود متسامحة بلا تعنّت.
في عطلة الربيع وفي يوم رائق صاف مشيت الى جبل وسط، وصيَر بُذّهب في الارض الغربية، هناك كنت أسرح مع المعزى في طفولتي، وهناك ثلاث شجرات زيتون قديمة متروكة مهملة في عِرق واحدة منها نحل، خلية في تجويف. كانت الصبية تقرط حملة غَرف للمعزى، وتبيّن ان طرد النحل كان معلقا على قصفة سنديان على الجِب الواسع الكبير، والنحل عندما يطرُد، يكعْبِش على بعضه كالعنقود، هالَ النحل على الصبية فجأة دون ان تراه، تعبّأ في رأسها وملابسها، رمت المنجل وراحت تصرخ من قحف رأسها، وهي تشلح اواعيها وترميها شولحَة، جسمها ابيض ابيض ومن اين يأتيه السمار والشمس لا تراه، كل النسوان بيضا تحت الملابس، لا يمكن غير ذلك، تزلبطت بخلقة ربها.
- ولَك نِشّ النحل السايب عني دخيل الله!!
في سيعة رحمانية لم تفطن انها بخلقة ربها، وأنا انِش النحل عنها، ظل يحوم وهي تركض وتدور وأنا معها، حتى خَفّ النحل، ظلت نحلات قليلة شجاعة تطاردها، لكن الخطر زال،
- هات الاواعي ولوّذ يا... كُتهن منيح، عزا الله يقزَعني، فِرجه بلاش، كيف صار فيّ!! تزلبطتْ قُدامه.
- منيح اللي الله نفّدني عليكي!! قَرصِك!!
- شوية!! لطف من الله، كان أكلني.
- هذا نحل حرّاثي بهوش!!
- حرّاثي مِش حراثي، تعزّرت!! تحكيش قدام حدا.
كنت أعرف انواع النحل، الحرّاثي والهلالي وبشكله من تفصيل قرص العسل، أقراص الحراثي طويلة من اول الجرن الى آخره، الهلالي وبشكله أقراصه مدورة ومقرّنه معلقة في سقف الجرن.
- لكن وِلِك شو هالبياض هذا.
- طبّق على الباقي وأستر على ما شُفت من شان الله.
راحت تقرط حملة غرف من مكان آخر بعيد عن النحل، ظلت نحلات قليلة فالته تحوم وتوَزوِز.
- أستناكي أحمْلِك!!
- بخاطرَك استنى، اللي صار صار.
- وبعد بدو يصير لقُدام!!
- ما فشرتْ!! ملاّ واحد عاطل، هذا غصْب عني.
ظلت رنّات المنجل في تلك البقعة الغالية من الوعر، في جبل وسط وصير بذّهَب. وأنا متّاخذ مما حدث وما سيحدث ان ألله سهّل، حتى عندما كنا في المكان أنا وعلم الدين بعد عشرات السنين عند شجرات الزيتون، قام القلب بدوره في خفقات عميقة رجراجَه، كان النحل قد ترك المكان كما يبدو، لكن بقايا اقراص الشمع العتيق البالي ظلت هناك فوق قرقارة الزيتونة المشعّثه الهرمة الباقية.

السبت 1/12/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع