ثلاثون عاما على الإنتفاضة الكبرى 1987 (الحلقة الثامنة):
تيسير عاروري: نضال ما بعد الإبعاد - العودة إلى الوطن والإنتخابات

أمل غضبان / عاروري


عشائرية وشعبوية
من المعروف أن قرارات الناخبين تتأثر بمجموعة عوامل، منها المظاهر، فالناس تنجذب للقوة السياسية التي تثبت حضورًا أكبر في الدعاية، وذلك مرتبط بالموازنات والمصاريف الضخمة للانتخابات، كما تتأثر بالبعد العشائري والمناطقي، ويتأثر الناخبون بالخطابات الشعبوية والوعود الفارغة أكثر مما يتأثرون بالمنطق والصدق، ذلك أن كثيرين من المرشحين للمجلس التشريعي كانت وعودهم تتعلق بأدوار السلطة التنفيذية وبوزارات الخدمات

في آذار / مارس العام 1994 تعرض العم عطاالله عبد المجيد لوعكة صحية قلبية ثانية وحوِّل مجددًا من مستشفى المقاصد في القدس إلى المستشفى الإسلامي في عمان. كنّا بزيارة له في 3 نيسان / أبريل - والذي يصادف عيد ميلاد تيسير - عندما اتصل فارس وقال: "بابا عمو غسان الخطيب اتصل وبدو اياك تحكي معو ضروري". عدنا سريعًا إلى البيت(لم تكن الهواتف النقالة منتشرة آنذاك) واتصلنا بغسان الذي زف لنا خبر إلغاء أمر الإبعاد بحق تيسير مع قائمة العائدين الثانية، يا للمصادفة! وقفت وتيسير في ردهة البيت صامتين برهة من الزمن … سألني بين السعادة والقلق وغير المصدق: ”شو رح نسوي؟“،قلت: ”رح نرجع رغم أننا راجعين إلى المجهول“. فسألني: ”وشغلك ومشروعك الجديد والأطفال؟“. فأجبت: ”رح نبدأ من جديد، المهم إنو نرجع للوطن، بس ... هل ثمن أوسلو رجعة بضعة آلاف من المبعدين؟؟وماذا بعد؟“  وتابعت: ”أنا شخصيًا كنت بفضل الرجعة لنعيش تحت الإحتلال شو ما كان يكون الوضع صعب، ومشروعنا الوطني والتحرري بعدو حيّ يتنفس، على إنو نرجع تحت سقف أوسلو… كان أحسن نرجع مواطنين درجة رابعة بدولة الإحتلال بدل المجهول اللي إحنا رايحينلو“.
بعد يومين، في الخامس من نيسان/ ابريل 1994، وقبل 29 يومًا من توقيع اتفاق ”غزة - أريحا أولًا“ عدنا إلى الوطن — من منظوري — بسقف أهم إنجازات اتفاق أوسلو الذي، كما ذكرت، أتاح عودة بضعة آلاف من المناضلين وعناصر الثورة الفلسطينية في المنفى والشتات، ليكونوا مجددًا أو أخيرًا على أرضهم وفي وطنهم. لاحقًا سمحت سلطات الاحتلال بعودة بضعة مئات من المستثمرين الفلسطينيين أيضًا، للاستثمار بالوطن الذي ما زال المستعمرون ينهبونه. بعد أيامٍ قليلة من صدور القرار عدنا بمجموعات على متن حافلات مع عائلاتنا. وصلنا أريحا ليلًا بعد تفتيش وتفتيش وانتظار، حيث استقبلتنا جموعٌ من الأهل والأصدقاء والرفاق وعامة الناس. في تلك الليلة لم ننم من كثرة الفرحة والأدرينالين وعدم التصديق. بعد قرابة الخمسة أعوام في المنفى، لقد عادت عائلتنا كاملة إلى الوطن!!
قضيت والأطفال بضعة أيام مع تيسير ثم عدت بهم إلى عمان حيث الفصل الدراسي في منتصفه، وإلى عملي، وللتخطيط للمرحلة القادمة، وبقي تيسير في رام الله مع الأحبة والرفاق. في الأسابيع التي تلت تنقل تيسير بين رام الله وعمان عدة مرات، حيث كنت في كُلِّ مرة أملأُ لهُ حقيبتين لينقلها إلى بيتنا الصغير على أطراف رام الله. ضمن سقف أوسلو لم يسمح لنا نحن العائدين بعد قرارات الإبعاد بإعادة مقتنياتنا معنا كما كان الحال للعائدين ممن لم يكن لديهم أرقامٌ وطنية أو هويّات.
أذكر أننا كنا قبلها بعامٍ تقريبًا، في 29 نيسان / ابريل 1993 شاركنا بعودة قدامى المبعدين: د. حنا ناصر وفائق ورّاد وعبد الجواد صالح وآخرين من فترة السبعينات، وتقدمتنا المناضلة عصام عبد الهادي. عبرنا نهر الأردن مشيًا على الأقدام في احتفالية رمزية ونحن نُغني نشيدنا ”مَوطني“ حتى النقطة الإسرائيلية على الحدود التي عبرها العائدون، وعدنا نحن إلى عمان يحدونا الأمل.
وهكذا، في العام 1994 عبرنا تيسير وأنا مجددا مرحلة انتقال في حياتنا وأسرتنا الصغيرة، تمنيّت أن تكون النهائية لفصل اللجوء. عزز هذه الأمنية أن كان هناك طفلٌ قادم، ليسَ مصادفةً، لكن المصادفةُ كانت أن يولدَ في الوطنِ مع إنتهاءِ تجربةِ الإبعادِ المريرة. كنت قد أجلت موضوعَ الطفل الرابع لسنوات لأنني لم أتحمل فكرة إنجاب طفلٍ في المنفى. كل عامٍ كان الفارق الزمني بين الأطفال يكبُر وحُلم الطفل الرابع يتردد، يبتعد قليلًا ثم يعود مع إلحاح فارس برغبته بوجود أخ له، وكانت هذه رغبتي أيضًا، فقررت خوض التجربة، وجاءت المصادفةُ العظيمة بقرار إلغاء أمر الإبعاد مع حملٍ عُمرُه شهران.
مرّ الشهران الأخيران من العام الدراسي 1994 على فارس ونتاشا ونادية بصعوبة بالغة. كل مشاعرهم وتفكيرهم برام الله خاصة وأن بابا يتنقل بين رام الله وعمان. إنه السؤال اليومي: "ايمتى رح نرجع عَ رام الله؟“. يوم 20 حزيران /  يونيو 1994 رمينا خمس جرّات من الفخّار من شباك الطابق الثالث حيث شقتنا، وفي اليوم التالي سافر الأطفال برفقة العمة فهيمة إلى الوطن يحملون على أيديهم بعضًا من أمتعتهم وألعابهم وكتبهم. وأنا أودّعهم بباب البيت قالت لي نادية إبنة السنوات السبع: ”ماما ما رح أسامحك أبدًا إذا ما بتجيبي معك ألعابي وكُتبي!“، فأعطيتها وعدًا بأن أُحضرها.
نزلت إلى عمان وسط البلد وأحضرت حقيبتين كبيرتين من الشادر، ورتبت ألعاب وكتب الأطفال ومقتنياتهم الشخصية. ثم بدأت بتصفية الشقة وبيع ما يُمكنُ وتوزيع الآخر، وترتيب أَوراقنا ومكتبتِنا وما يُمكننا نَقله إلى رام الله، وَتجهيز مَلف شهادات الأطفال المدرسية تمهيدًا لإعادة إلتحاقهم بمدارسهم في الوطن. كما قمنا بتسليم جوازات سفرنا الأُردنية بانتظار تسلم جوازات سفر فلسطينية، تحقيقًا لحلم طالمنا رافقنا وناضلنا من أجله.قمنا بترتيب كل أمورنا للعودة إلى الوطن بدون أي لفتة لإبقاء ما يعيدنا إلى الأردن أو يجعلنا نفكر بذلك، كما فعل العديد من العائدين. حتى مشروعي "مركز مرح لإنتاج الألعاب التعليمية الخشبية"والذي كان رياديًا وناجحًا بإمتياز في الأردن، رغم أن كثيرين حاولوا إقناعي بالإحتفاظ به والتنقل بين رام الله وعمان لمتابعته، قمت رغم وجعي ببيعه كي لا ألتفت ورائي، وعدنا إلى الوطن.
ثلاثة عشر طردًا حملنا تيسير وأنا معنا إلى الجسر برفقة الصديق أبو خالد من عابود الذي أصر أن يوصلنا ويودعنا هناك. مرّ تفتيش الأمتعة بسلام ما عدا شنط مقتنيات الأطفال حيث تفننت المجندات في تفتيشها ومصادرة بعضها. ذهبت إلى جورة التفتيش — وهي حفرة كبيرة كانوا ينزلوننا إليها لتفتيش غرض مشتبه به، مثل وجود متفجرات معك! — عدّة مرات برفقة ماكنة خياطة نتاشا، قطع من الليغو، لعبة تغني، و. و. و.، والتي غالبًا ما تصادر بعد الفحص في الجورة. صادروا الكثير من ألعاب الأطفال تحت مسمى الأمن الإسرائيلي، وتفننوا في قضاء الوقت بتفتيش قطع الليغو الصغيرة، فتشوها قطعة قطعة، ثم البذل تفتيش مع التقليب المستمر للقطع على الوجهين! أكثر من ثلاث ساعات ونحن بإجراءات تفتيش شنطتي الألعاب فقط، ولكنني في النهاية أوفيت بوعدي لطفلتي، على قدر ما يسمح به أمن إسرائيل.
وصلنا رام الله بعد رحلة طويلة ومضنية، نحمل ما تبقى من أمتعتنا، كتبنا وألعاب أطفالنا. دخلنا البيت باحتفالية طفولية وبادرتني نادية فورًا بالسؤال: ”جبتي ألعابي وكتبي؟؟“،فتحت نادية شنط الألعاب سويًا مع نتاشا في بيت الدرج وغرقتا بألعابهما. وبعد أقل من ساعة انطلقنا للمشاركة بفرح وزفاف صديقنا ورفيقنا غسان طوباسي، وبدأنا المشوار في الوطن من جديد.
في صباح اليوم التالي بدأنا نبحث عن إجابات لأسئلة تحوم في رؤوسنا لمتطلبات ومسؤوليات حياتنا وأطفالنا في الوطن، وعندما سألت تيسير ”شو رح تعمل؟“ أجابني بدون أي تردد ”رح أرجع للشغل والتدريس بالجامعة“، أي جامعتنا، جامعة بيرزيت. ”ما بتفكر تشتغل مع السطة الوطنية؟ كل الإمكانيات مفتوحة إلك“، كرر الإجابة: ”لأ، رح أروح عالجامعة وأقدم طلب إعادة إلتحاق لدائرة الفيزياء“.
عاد تيسير للعمل في جامعة بير زيت في شتاء 1995، مع أن إمكانيات الحصول على منصب من الصف الأول في السلطة الوطنية الفلسطينية كانت جدًا ممكنة في ذلك الوقت، كعضو استشاري للوفد المفاوض وعضو المكتب السياسي لحزب الشعب  وعضو في المجلس الوطني ومناضل وطني ذي شعبية وعائد من الإبعاد، فهو موسم تقسيم كعكة الوطن وموسم أطلب وتمنى للقوى والفصائل المشاركة بالسلطة الوطنية الفلسطينية وقياداتها وعناصرها.
 للمفارقة والمفاضلة، أشهر قليلة بعد عودتنا للوطن تم قطع راتب تيسير المتواضع كمبعد — 290 دينارا كان راتبًا مخصصًا من منظمة التحرير الفلسطينية خلال الإبعاد. كنت أتمنىلواستمرّ هذا الراتب المتواضع قليلًا لساعدنا في دفع أقساط مدرسة الأطفال حيث لم أكن قد وجدت عملًا بعد، وصغيرنا كان قد رأى النور، في القدس تحديدًا كما إخوته الثلاثة، في الثامن من تشرين الثاني / نوفمبر 1994. في حينها كان الإغلاق على القدس قد بدأ يتشدد، فاحتجنا مساعدة أبناء شقيقتي تيسير، حمودة ونضال، اللذين ملكا تصاريح لدخول القدس من خلال عملهما كصحفيين، وبعد الولادة بقليل غادر تيسير معهما عائدًا إلى رام الله حيث الأطفال الثلاثة. بعد يومين عدت إلى البيت لوحدي بتاكسي، وما إن وصلت البيت حتى حمل فارس غسان الصغير - والذي سمّاه تيسير تيمنًا برفيقه وزميله غسان حرب - وقال له "أخيرا إجيت يا عرص ولو إنك كتير متأخر“.
غسان حرب كان من الرفاق الذين اعتقلوا لثماني سنوات في سجن الجفر الصحراوي جنوب الأردن في خمسينيات القرن الماضي، عقب الاعتقالات التي طالت عشرات الشيوعيين الفلسطينيين إثر الإنقلاب الرجعي على حكومة سليمان النابلسي عام ١٩٥٦. بعد إطلاق سراحه سافر للدراسة في موسكو حيث اقترن بالرفيقة عفاف أبو نحلة، وعند عودته عمل محاضرًا في الاقتصاد في جامعة بير زيت. في أواخر السبعينات سافر إلى الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراة. توفي العام ١٩٨٤ بعد صراع مع مرض السرطان، وكانت مشاركة تيسير في حفل تأبينه إحدى التهم التي قدمها الإدعاء الإسرائيلي في مطالبته لإبعاد تيسير عن الوطن.
في آذار / مارس 1995 بدأت العمل بمشروع لتأسيس طاقم شؤون المرأة في رام الله. وفي تشرين الاول / أكتوبر من ذات العام تسلمت إدارة جمعية أصدقاء جامعة بيرزيت في رحلة تحد وبناء وعطاء تجاوزت الثمانية عشرة عامًا.
بعودتنا اكتشفنا صواب قراري بتعمير البيت الصغير خلال فترة سجن تيسير 1988-1989 والتي انتهت بإبعاده. عدنا للوطن ولم نعد لنبدأ من الصفر كما فعل الكثيرون. عدنا لبيتنا الصغير ومكتبتنا ومتعلقاتنا الشخصية والكثير من الذكريات والحب.
بعودتنا إلى الوطن عاد تيسير لنمط حياته ما قبل الإبعاد، وكأنه أعاد عجلة الزمن إلى الوراء؛ صباحًا للتعليم في الجامعة مصطحبًا الأطفال  — فارس ونتاشا ونادية إلى المدرسة، وبعد الظهر اجتماعات ولقاءات وعمل سياسي ومجتمعي، وكما كان يحب أن يسمّي نفسه، ”شوفير“ الأطفال  ما بين المدرسة والرياضة والمعهد الوطني للموسيقى وغيره من أنشطتهم.
في العام 1996 ترشح تيسير لانتخابات المجلس التشريعي ضمن كتلة حزب الشعب الفلسطيني التي ضمت بالإضافة له بسام الصالحي ومصطفى البرغوثي، وهنا حصل انشقاق واضحٌ في الحزب أحدثه جناح الأخير الذي عمل لصالح مصطفى لوحده وليس لصالح الكتلة. ومع أن النتيجة النهائية كانت سقوط الكتلة ومع أن  التزوير في الانتخابات كان واضحًا في الكثير من الصناديق البعيدة والنائية منها بشكل خاص، إلا أن تيسير أحرز نسبة الأصوات الأعلى بين الرفاق. عند استفساري عن هذا الموضوع كتب لي الصديق عصام عاروري تحت عنوان ”المفارقة أن تيسير خسر بسبب فضائله“، وجاء شرحه كالتالي:
"أعترف بداية أنني لم أوثّق جيدًا انتخابات المجلس التشريعي الأولى التي عقدت في 10 كانون الثاني / ديسمبر 1996. وقد اتصلت بي مؤخرا الصديقة والرفيقة أمل غضبان، زوجة الرفيق الراحل تيسير عاروري وسألتني إن كان يمكنني أن أكتب عن تلك الانتخابات التي خاضها الراحل تيسير مع رفاق آخرين في دائرة رام الله الانتخابية، وأيًا كانت الصعوبات لا استطيع أن أرفض طلبًا كهذا حتى لو لم أمتلك توثيقا كافيًا، لذا سوف أعتمد على ما بقي في ذاكرتي من تلك الانتخابات وعن دور تيسير فيها.
لا بد من مرور سريع على الظروف التي عقدت فيها الانتخابات، فقد جاءت في قمة انتشار السلطة وقوى الأمن الوطني في المحافظات الفلسطينية وسط أفراح واستقبالات شعبية غير مسبوقة، أي والسلطة الوطنية في قمة رصيدها الوطني والسياسي الذي اخذت تسحب منه منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.
كما جاءت وسط انقسام فلسطيني غير مسبوق بين مندفعين دون قيود في مسار أوسلو الذي بدأ التآكل فيه منذ تشكيل أول وفد فاوض على التفاصيل، حيث كانت تركيبة الوفد وطريقة إعداده كفيلة بان تقود إلى النتائج السيئة التي جاءت بتفاصيل أسوأ من الاتفاق نفسه. وفي حينه انقسمت قيادة حزب الشعب الذي كان تيسير أحد قادته بين مؤيد ومعارض للاتفاق وقررت اللجنة المركزية الموافقة عليه بالأغلبية وليس بالإجماع. بدا موقف الحزب حرجًا بعد أن أعطى موافقته وتم تجاوز كل تحذيراته واشتراطاته التي عبر عنها الأمين العام في حينه الرفيق الراحل بشير البرغوثي.
ومن المعروف أنه في زمن الانقسامات الحادة يميل الناس للاجابات المبسطة، نعم أم لا، مع أو ضد، ولا أحد يسمع لكلمة أو يهتم بالتفاصيل.
وتم في حينه أيضا إقرار قانون انتخابي سيئ يقوم على أساس الانتخاب الفردي والذي يمنح الناخب في الدائرة عدد أصوات مساويا لعدد مقاعد الدائرة، وفي حينه كان هذا القانون مكرسًا لخدمة حركة فتح والقيادة المتنفذة في م.ت.ف، والذي يعني أن قوة لديها 15 الف صوت في دائرة من 5 مقاعد وأخرى لديها 12 ألف صوت، تكون النتيجة صفر مقعد لأصحاب ال 12 الف صوت، و 5 مقاعد لأصحاب ال 15 ألف صوت، بمعنى أن كل 3 آلاف صوت تمنح مقعدا في حالة و12 ألف صوت تذهب سدى في حالة أخرى في نفس الدائرة.
كيف يمكن لفضائل الانسان أن تؤثر عليه سلبا؟
وسط هذه الظروف خاض تيسير ورفاقه انتخابات المجلس التشريعي. وفي حينه عملت صفات تيسير التي تدخل في عداد فضائله ضده كمرشح وهذا ما سوف أركز عليه.
إذ من المعروف أن قرارات الناخبين تتأثر بمجموعة عوامل، منها المظاهر، فالناس تنجذب للقوة السياسية التي تثبت حضورًا أكبر في الدعاية، وذلك مرتبط بالموازنات والمصاريف الضخمة للانتخابات، كما تتأثر بالبعد العشائري والمناطقي، ويتأثر الناخبون بالخطابات الشعبوية والوعود الفارغة أكثر مما يتأثرون بالمنطق والصدق، ذلك أن كثيرين من المرشحين للمجلس التشريعي كانت وعودهم تتعلق بأدوار السلطة التنفيذية وبوزارات الخدمات، وبحكم هيمنة حركة فتح على المواقع التنفيذية فقد نجحت في توجيه المشاريع للقرى والبلدات وحتى المدن التي ينتمي إليها هذا القائد أو ذاك. وتيسير لا كان شعبويًا ولا كان عشائريًا ولا كان فاسدًا يمكن أن ينفق من مال غيره، ولا كان مستعدًا أن ينافق مثل أن يصلي في الصف الأول في هذا المسجد أو ذاك وهو لا يصلي عادة، وكل تلك صفات حميدة تؤهله لأن يكون مؤتمنًا على مراقبة السلطة التنفيذية وسن التشريعات، لكنها كانت الصفات التي أدت إلى خسارته مع العوامل الأخرى، لأنه لو كان قانون الانتخابات عادلًا أكثر، ولو كانت القوائم على مستوى الدوائر، لربما كانت نتائج الانتخابات أدت الى فوز حركة فتح ب 3 مقاعد وحزب الشعب بمقعدين، هذا دون التطرق لقصر نظر حسابات القوى اليسارية التي حالت مواقفها دون بناء معارضة قوية كفيلة بحماية المشروع الوطني.
سمعت عن اتهامات بالتلاعب بالأصوات وبالفرز في بعض مراكز الاقتراع ولكن لا دليل لدي حولها ولا أعلم عما كانت ستكون عليه النتائج.
المهم أن متنفذي حركة فتح الذين فصّلوا قانون الانتخابات على مقاس حركتهم هم أنفسهم من فصّلوا قانون الانتخابات المعدل عام 2005، والذي فصّلوه هذه المرة على مقاساتهم الشخصية، وهو نفسه الذي أدى الى خسارة حركة فتح للإنتخابات وقاد إلى الحالة التي ما زلنا ندفع ثمنها من تفكك وانقسام.
وفي المحصلة أقول بقناعة أن ليس تيسير ورفاقه من خسر الانتخابات بل الشعب خسر وربحت قلة متنفذين، تيسير يستحق أن يكون في أعلى المواقع القيادية التي بها حوار ومجابهة مباشران، وفيها فرص للنقاشات المعمقة القائمة على الحسابات الدقيقة والمعادلات التي برع فيها تيسير، ليس فقط في الفيزياء بل في تصويب البوصلة السياسية والبرامج الاجتماعية نحو الهدف."
أحدثت تجربة انتخابات المجلس التشريعي تغييرًا كبيرًا في توجهات تيسير ورؤيته للعمل الحزبي والمجتمعي. فأين اتجهت بوصلته وأين صب جل جهده وطاقته؟

السبت 1/12/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع