الفضاء الأيروسي في الشعر، كيمياء اللغة والجسد


د.جهينة عمر الخطيب


*مدخل في شعريّة الجسد - ديوان "الخيول" للشاعرة نداء خوري أنموذجًا*



مكمن الجمال
يمكن للمبدع أن يعوّض حاجته الجسدية للوصول إلى الجمال من خلال إبداعاته "بوصفها متنفسا للغرائز، فالعمل الإبداعي يضمن للمبدع التعبير عن شعوره  بكل حرية، محققا إشباعا ولو كان عبارة عن أوهام ، ممّا يؤدي إلى خلق جمال من جراء الوصول إلى لا شعور الفرد وتحقيق النشوة العاكسة للجميل في النفس البشرية". ويكمن الجمال كما يرى فرويد من خلال انتصار غرائز الحياة (الإيروس) على غرائز الموت والتدمير (التاناثوس).


الذات الشاعرة
يستقي الصوت الشعري خصائصه وميزاته الجوهرية ويكتشف هويته من خلال طبيعة البنية الإشكالية التي تُظهرها الذات الشاعرة، وهي تتشكل استنادا إلى مقومات كثيفة وغزيرة وزاخرة بالمعطيات والأسباب والرؤى والأفكار والقيم والرموز والدلالات. لإبراز كيفية الصوت الشعري وعمق اتصاله بتجربة الذات الشاعرة في الحياة واللغة ودرجة إيمانه بها وقدرته على تمثيلها شعريا، على النحو الذي يشد من أزر الصوت وينقله إلى مرحلة التمثيل الإجرائي النوعي للذات


ايروس في الميثولوجيا الإغريقيّةِ "هو إلهُ الحُبِّ والرّغبةِ الإباحيّةِ والجنس والخصوبة والسّعادة، وكانَ ملازمًا لأفروديت أمّه، وراصدًا لتجلّياتِ الجنسِ عبْرَ الحضاراتِ البشريّةِ، فصُوّرَ أعمى لا يرى عيوبَ المعشوق، أو بجناحيْنِ في زرقةِ السّماء، أو عازفًا على قيثارة، أو ممتطيًا ظهْرَ دولفين، كما ظهرَ في الفنِّ القبطيِّ والمصابيح.. والكلمةُ إيروتيك erotic مشتقّةٌ مِن الكلمة eros؛ أي جنسيّ وشهوانيّ، يُماثلُهُ في الميثولوجيا الرّومانيّة كيوبيد، والمحاورُ الّتي تدورُ في فلَكِها الآيروسيّةُ هي: الرّغبةُ الجنسيّةُ العارمةُ والجامحة، والجسدُ والانتشاءُ ما بينَ خمرٍ ومُجونٍ طائشٍ، وتجارب جنسيّة عابثة ظامئةٌ تتلوّى على وترِ الشّرهِ والافتتان.
يقول فرويد "كل ما يستطيع التحليل النفسي أن يقوله يقينا عن الجمال يستمده من مجال الإحساس الجنسي" و"ليس حب الجمال وجاذبيته إلا صفتين من صفات الموضوع الجنسي" فتحقق الجمال حسب فرويد يكون بتحقق الإشباع الجنسي، فمن هنا تكمن أهمية الجنس في خلق إنسان سوي.
فالجنس لدى فرويد هو أكبر من كونه غريزة جسدية لإشباع نهم الجسد وجوعه إنما هو عامل مهم في تفكيك المكبوتات في حياتنا.
ويمكن للمبدع أن يعوّض حاجته الجسدية للوصول إلى الجمال من خلال إبداعاته "بوصفها متنفسا للغرائز، فالعمل الإبداعي يضمن للمبدع التعبير عن شعوره  بكل حرية، محققا إشباعا ولو كان عبارة عن أوهام ، ممّا يؤدي إلى خلق جمال من جراء الوصول إلى لا شعور الفرد وتحقيق النشوة العاكسة للجميل في النفس البشرية".
ويكمن الجمال كما يرى فرويد من خلال انتصار غرائز الحياة (الإيروس) على غرائز الموت والتدمير (التاناثوس).
والأدب عالم من الجمال بامكانه أن يخلّد الفرد جماليا،  ففن المبدع وإبداعه لا ينتهيان بموته" كان طبيعيا أن نجهد لتعويض أنفسنا عن هذا الإجداب في الحياة بأن نصوغ عالما من الأدب، سواء في الرواية أو في المسرح، نصوّر فيه شخصيات تعيش الحياة ولا تخشى الموت، وتعرف كيف تختار المنية التي تناسبها، وأخرى لا تخشى الموت بل تختاره لغيرها ، وفي الأدب وحده يمكن أن نواجه الموت بأن ندخل كل تجارب الحياة ونخرج منها سالمين لم تصب حياتنا بأي أذى" .
يرى رولان بارت أنّ "الكلمة تكون شبقية بشرطين متعارضين، هما التّكرار المفرط والحضور غير اللائق"، "فالشاعر الأيروسي مثلا يتخلّى عن التابو الجسدي (المحرّم) ويفتح فضاء قصيدته على تشكّل صوري مفاده الجسد بفضائه الصّريح، فيفرط في استخدام الكلمات التي تشير إلى تفاصيل الجسد، أو يعمد إلى الاستعمال غير اللائق لها صانعًا منها دلالات شبقيّة."

*اللغة الشعرية في ديوان "الخيول"
"تستمد اللغة الشعريّة في الكتابة النسائية طاقتها من الجسد، حيث تمنح الفاعلية للمرأة من خلال جسدها الذي يمدها بالاندفاع والحركة تجاه الآخر، وهنا تكمن لذّة الالتحام والاختراق في إطار وعيها بالآخر المذكّر، نلمس-أثناءها- قدرة المرأة المبدعة في استثمار قدرة الجسد لتأثيث مساحتها السردية، بعيدا عن سطوة المجتمع وقيده.
وقد وظّفت نداء خوري الجسد لتعرية واقعنا السياسي المؤلم ولتعرية واقع المرأة المهين  في ظل مجتمع ذكوري.
المرجعيات الشعرية للدال العنواني الإيروسي تفيض عتبة عناوين القصائد في ديوان "الخيول" بالفضاء الإيروسي كل الانحناءات -عروس الجليل -عذراء ذئبة - ذائقة اللذة- مشتل آهات- تعاسل- فعل حب-رائحة عناق.
• كل الانحناءات وهي تجسيد لهذا الفضاء الإيروسي المتخيل والمتمثل في جسد المرأة المثالي المليء بالانحناءات الشهوانية التي تنادي بإشعال مزيد من الشهوة، وكأن العنوان يهيئ لدخول الفضاء الإيروسي دخولا ساخنا.
لنصدم في مفارقة عند متابعة النص الشعري:
"هنا صحا النهار
على كاحلينا
بدّل القمر
بنشيد الانشاد
وبدأنا الانحناءات التي
تتوارى خلفها الخيول"


عروس الجليل
عروس وما تحمله هذه الكلمة من بداية جديدة ، وفضاء إيروسي جديد يوحي بحاجة العروس للقاء عريسها لتأتي الكلمة الثانية الجليل وتقول لنا أن المنحى الإيروسي يأخذ رمزية مختلفة فهي عروسة للجليل فيأتي البعد الوطني السياسي.

- عذراء ذئبة: فالشق الأول  كلمة عذراء  وما تحمله هذه الكلمة من دال  للطهارة التي لم تخترق الفضاء الإيروسي بعد، لتكتمل مع صفة ذئبة وتوحي للشهوة التي تمثل خلاصة الحلم الإيروسي في الاستجابة لنداء الجسد.
ولكن كما اعتدنا من نداء خوري توظّف الجسد لتقول كلمتها:
"كانت عطشى
تعرّت لتلاقي الماء
قتلوها بالعار دفنوا
أمها في الخلاء".
فنرى رمزية المرأة وما تتعرض لها من هتك لروحها قبل جسدها .
- ذائقة اللذة: وهنا انفتاح المتن النصي على التجربة الإيروسية في عمقها وبواطنها، فأن تتذوق اللذة فهي الانغماس الكلي بالإيروس، ولكن العنوان هنا مدخل مضلل، فما ستقوله الشاعرة يوضح هول المفارقة والسخرية فهي إسقاط على الشعب الغارق في اللذة المخدَّر المتناسي قضاياه:
"مداخل البيوت تشيد
بذائقة اللذة
ورائحة استرخاء الداخل
والتوالي يرتد ارتكاسا
على الأسلاف
وتقتلنا
الصدور
كما القوافي".

- مشتل آهات
فكلمة مشتل ودلالته الإيروسية في الخصب، فالأرض الخصبة تنتظر ما سيزرع فيها فهي مهيأة للآهات.
والآهات لها دلالتان: الدلالة الإيروسية ، تأوهات المتعة الجنسية، فما بين الآهات والتأوهات خيط رفيع فصراخ اللذة هو متعة.
والآهات الأخرى الألم والأنين وقد يعيدنا هذا إلى مرجعيات الشاعرة الثقافية وتوظيفها للفضاء الإيروسي للتحدّث عن الوجع وكأنها تعرية لواقع سياسي اجتماعي مرير. ويترسّخ المعنى الثاني حين نغوص في متن القصيدة فنرى استلاب الروح والجسد وإنهاك اللذة لتتحول إلى آهات موجعة:
" مخنوقة بالغصّات
شرشفها مشتل آهات
تنبت في العتمة
نهنهة سيامية".

• تعاسل
ورد هذا الاستعمال في الشعر القديم بمعنى التسارع:
في قول عبدالله بن زهيرة بن مرداس:
تعاسل فيه الخيل تحجل بالقنا     وأبطال شدات كأسد الملاحم
وهو من العسل والعسلان بمعنى الإسراع.
ولها معنى آخر وهو الذي يلائم ديوان الشعر: العسل يذكَّر ويؤنَّث ويصغّر على عسيل، ذهابًا إلى أنّها قطعة من الجنس وطائفة منه، والعسيلة هي لذة الجماع.
فيتضح التجلّي الإيروسي من خلال العنوان أولا، ومن ثمّ شعرية التفاصيل في القصيدة:
"أتمنّاك
اشرحني
جسدين
واحدًا معك وأنا
أصير اثنتين
فتنبت بينَ
بيني وبينِك"

• فعل حب:
والعنوان مدلول إيروسي بحد ذاته فما بين ممارسة الحب وفعله لم تختر إلا الفعل وهذا يحيلنا إلى القصيدة، فالممارسة وزن مفاعلة، وتتطلب مشاركة اثنين فتحمل معنى الحب ولذته وصفاءه، بينما الفعل قد يحدث بين اثنين بناء على رغبتيهما، وقد يحدث من قبل شخص والآخر فرض عليه هذا الفعل، فالاغتصاب على سبيل المثال ليس ممارسةً للحب بل فعل، والسؤال هل هو فعل حب، لا بد أن للحب مكانًا آخر بعيدا عن الاغتصاب ولكن لعلّه لإيضاح مفارقة فالفعل لا يجب أن يلتصق بالحب، فالحب ممارسة:
"تلبس عراء
تقشعر له الأبدان
تنزّ عروقها
كريات جمر
مضادات كثيرة
للحب
لا تقوى على البقاء".
فعبارة "كريات جمر" توحي بأن العملية ليست ممارسة لحب، ووجود"مضادات للحب" تؤكد أن الفعل لم يكن برغبة الطرفين.

- رائحة عناق
تنقلنا كلمة العناق، إلى معنى الحب الحقيقي، وحاجة المرأة إلى العناق حاجة نفسية بحتة، فهي تتوق إليه لما فيه من بواعث مطمئنة لها باحتواء رجلها لها ، فتشعر بالأمان، وتنفي الوسواس الذي قد يلاحقها من أن الرجل يريد جسدها فقط ، فالعناق هي حالة روحانية .
كما أنها بداية للحظة الاشتهاء والتقارب الجسدي وفي الآن ذاته نهاية اللقاء الجسدي ، فالمرأة تطلب عناقا بعد ممارسة الحب بقدر كبير قد لا يفهمه الرجل لتطمئن أنه معها ليس لجسدها فقط، ولكن عندما نقول رائحة عناق، فالعناق لم يحصل فعليا وإنما هو مؤشر لاقترابه :
"حزن في عينيك
أصابني
حطّ بي
وجعًا
بعث حنينًا
لا أعرفه
له رائحة عناق إلهي".
وربط رائحة العناق بالله لهو دلالة على الروحانية التي يحملها هذا العناق من شعور بالأمان والاحتواء.


* الجنس وتحرر المرأة


إن غلبة لغة الجسد الحاضرة بشدة في ديوان الخيول لهو نوع من التمرد ، تمرد الشاعرة مما يحصل للمرأة  فما هي إلا أفخاذ وجسد وتأوهات، ولذة، هكذا يراها الرجل الشرقي فعمدت إلى إلصاق هذه الكلمات بعروبة العرب " أفخاذ الخيول" وعبّرت عن الظلم الذي تتعرض له المرأة:
اعتبارها وعاء وجسدا لنزوات الرجل
"يعرق جلد الحصان
من القفز من الرمح
يزحلق
أفخاذ الخيّالة
تتعبط في العنق
حتى تنتهي
ويبدأ لهاثها
في التبن"
• اعتبارها تنفيسا لكبت الرجل:
" تحف الريح خاصرة الوقت
يرجف الحصان
يفترش التبن
ينفث لهاثا
يبحث عن دفء
ورائحة المكان تملؤنا
بالحيوان
غرزة غرزة
غريزة الصهيل
تملؤنا نسيجًا أبيض
يندفه الكبت".
تشيء المرأة
" ماذا أمحو من قاموس
المحلل والحرام
وكلّ ما فيه كلام
فتوة ونظام كلام
ماذا أقول
وقول النساء
في بلاد العرب
مجرّد كلام".

الجنس والوطن- تعرية الواقع السياسي وتشريح جسده
"إن هناك خيطا رفيعا يربط بين عهر الجسد وعهر السلطة الفاسدة... لكن الفرق بينهما في الغايات لا في الوسائل،فغاية الأول تنحصر إما في المكسب المادي أو تحقيق المتعة الجسدية، أما الثاني (السياسي) فهدفه التدمير والتسلط والقمع".
لقد ألبست شاعرتنا السياسة جسدا وبدأت بتعريتها و"تعتري الإيديولوجيا النّص مثل تورّد يعلو وجهًا (في مجال الغرام تتذوّق البعض هذا التّورد تذوقًا شبقيًا) ويحصل لكلّ كاتب لذّة أن تعتريه هذه التوردات الغبية" .
ونرى هذا من خلال عدة مفاهيم:
خيبة من العروبة من خلال توظيف كلمتين بتورية رمزية واضحة: الأعجاز والصدور:
"مطالع القصيد تشي
بفاتحة الوشاية
وصدر القصيدة المقتول
مداخل البيوت تُشيد
بذائقة الّلذة
ورائحة استرخاء الداخل
والتّوالي يرتد ارتكاسا
على الأسلاف
وتقتلنا
الصدور
كما القوافي"
فمن خلال توظيف إيحاءات جسدية كالصدر والعجز وارتباطهما بالجسد ، وفي الوقت ذاته لهما معنيان  في قافية العرب وبنية القصيدة العربية من صدر وعجز للبيت وقد وظّفت المعنى الثاني لترمز للعروبة.
فمطالع القصيدة تشي بالوشاية والفساد والانحلال الحاصل في بلادنا العربية.

الجنس والدين: نرى ربط الشاعرة الموضوع الإيروسي بالدين وربطتهما في أكثر من مكان في ديوانها الشعري:
نشيد الانشاد: لقد وظّفت الشاعرة نشيد الإنشاد في شعرها، ونشيد الإنشاد أحد أسفار العهد القديم وهو حوار بين شولميت ورجل، من مرحلة الغزل إلى مرحلة تحقيق الزواج ، وبالرغم من افتقار سفر نشيد الإنشاد  للمحتوى الديني إلا أننا قد نتخذه تمثيلا مجازيا لعلاقة الإنسان بالله .
ونشيد الإنشاد مناجاة غزلية إيروسية:
"هنا صحا النهار
على كاحلينا
بدّل القمر
بنشيد الانشاد" .

النبي لوط
"هنا مررنا أتانا لوط يخلصنا من سدوم
وأتت أسطورة الخلود"
والرمز الإيروسي واضح في قصة النبي لوط الذي جعله الله وسيلة للتخلص من الانحرافات الجنسية الحاصلة في سدوم وعلاقات اللواط .
وما يجمع نشيد الإنشاد والنبي لوط هي أرض الميعاد فلسطين

النبي والعنكبوت:
"يأتي من شقوق الجدار
يحبك شباكه
يصطاد
لمسة منك
ويبعث فيك التفاتا إلى النبي"
نجد ربطا بين إيحاء إيروسي وهو اللمس وبين النبي من خلال توظيف تناص قرآني وقصة النبي محمد مع العنكبوت وكيف أنقذه من الكفّار فاللمسة________ بعثت التفات النبي وفي البعث حياة .

الراهب:
"حريق في باب الراهب
عبق في معابد التّعبد
مررت في الأرض التي
من ذاك الدّهر الذي
تحفّيتُ لها
تعرّيت
دخلتها
وحدي
ولا أحد
إلاي
مكان للعبادة
مكان للذة
امرأة
كقبر مختوم
بالشمع واللبّان"
ونرى ربط الإيروس بالعبادة:
مكان للذة________________ مكان للعبادة
طقوس دخول المعبد_______ العري " تحفيت لها تعريت دخلتها "


*سيميائية اللغة الإيروسيّة


حين تكتب المرأة" تبدأ بنبضات أنوثتها الحالمة، حيث ينبري المخيال الانزياحي إثرها، في استدعاء صوت الآخر وصورته، هذه الفضاءات الحالمة المهيمنة على السرد النسائي، تجتاح المرأة الكاتبة أثناء فعل سرد، فتجسد رغبتها الأزلية في الاستئثار بمن تحب، حيث تبقى الفضاءات الترميزية المتاحة للإسقاط الفني رهينة الجسد".
فنجد ابتكارا لصور إيروتيكيّة حداثيّة للأنوثة موغلة في الرمزية من خلال المزج الغريب وربط أعضاء في جسم الانسان مع جمادات ونباتات كالعتمة والليل ، البرتقال والوردة، النهر والخارطة.
جسد الليل
أفخاذ الخارطة
أفخاذ الخيول
أفخاذ الركوع
تجاعيد النعاس
جسد النهر
جسد البرتقال
جسد المسافة
فخذ الوردة
أعضاء الليل
نبض العتمة
وجع من لحم ودم

وهنا تكمن لذّة الكتابة من خلال ممارسة الحب بين الكلمات والجسد " اللذة لا تأتي هكذا، بل اللذة اتّخاذ قرار وجودي صارم تلتزم به ذات الكاتب/القارئ لتتجاوز ذاتها وتبحث عن ممكناتها، يجب على الكائن أن يسلك طريق العاشق ، بعيدًا عن قوانين علم الجمال الكانطي، بل تبدد كل حضور للمعنى بتفتيته، والدخول في لعبة الهدم والبناء وتلك هي لذّة الكتابة/القراءة".
وكأنّ بالشاعرة تبدّد كل حضور للمعنى بتفتيته وخلق معنى جديد وتأنيس للأشياء، فأصبح لليل أعضاء وللعتمة نبض وللوردة وللخارطة فخذ وللنهر وللبرتقال ولليل أجساد.فكلّ أصبح نابضا بالحياة .
وهنا أتقنت شاعرتنا صنع هذا المزيج و"علينا أن نحسن رصد متخيّلات اللغة، اللفظة كوحدة مفردة، وكجوهر مفرد سحري، الكلام  كأداة للفكر أو كتعبير عنها ، الكتابة كرسم للكلام".
وفي قصيدة انزياح، نجد انزياحا كاملا للمعاني وتجسيدا للأشياء:
"يصفن الشجر
والغابة
تنحني الزقزقة تمتلئ بالظلّ
وتصلّي
تتمنّى الغيم يشتهيها
ترجو الشمس تعرّيها
فتنهش دواخلها الذئاب......".
فيأتي الانزياح بالترتيب الآتي :

فالغابة_____________ تتمنى الغيم
الغيم___________ يشتهي الغابة
الشجر________________  يصلّي صلاة الغابة
الشجر____________ يتمنّى الغيم
الغيم___________ يشتهي الشجر
الشمس ___________ تعرّي الشجر
الريح_______________ تفضح نواحيه
الشجر_________ يصلّي صلاة الماء
الشجر_______________ يرجو الشمس
الشمس______________ تعادي الشجر
الغيم_______________ يجهش بالبكاء
الشجر__________________ يصلّي صلاة النار
اللهب ______________ يلحس الزيت
اللهب ________________ يلف ذراع الحرق حول الساق ينهشه
الغابة_______________ تصلّي
الشجر_________________ يصلّي

نحن_______________ نصلّي
                            نتقي شر الانزياح
                           نطالع مزامير النشيد
                              نسبح طلوع الروح
                                نهلل تاريخ الجراح

ونلاحظ تسارع الأفعال الإيروسية هنا : تتمنى – تعرّي- تنهش – يلحس- تدفِئ- يلفّ ذراع الحرق.
فهذا الاشتهاء الحاصل بين أجزاء الطبيعة : الغابة، الشمس الشجر ،الغيم،الريح ، وهذا الاتحاد الإيروسي المولد لصلاة الماء وصلاة النار ولصلاة الغابة  ما هو إلا إسقاط على أرواحنا المتعبة ، فنحن نعيش في أرض عالقة في أقدامنا ، نصارع عليها ، أرض الميعاد ، ونهلل تاريخ جراحنا ونكبتنا في ظل هذا التفاعل الحاصل ما بين التمني والاشتهاء وبين تحقيق المنشود.


*الصوت الإيروسي


"يستقي الصوت الشعري خصائصه وميزاته الجوهرية ويكتشف هويته من خلال طبيعة البنية الإشكالية التي تُظهرها الذات الشاعرة، وهي تتشكل استنادا إلى مقومات كثيفة وغزيرة وزاخرة بالمعطيات والأسباب والرؤى والأفكار والقيم والرموز والدلالات. لإبراز كيفية الصوت الشعري وعمق اتصاله بتجربة الذات الشاعرة في الحياة واللغة ودرجة إيمانه بها وقدرته على تمثيلها شعريا، على النحو الذي يشد من أزر الصوت وينقله إلى مرحلة التمثيل الإجرائي النوعي للذات بحيث يمتزج بها ويعبّر عن فضائها بحرية ورحابة وأصالة، ويستعير إيقاعها ليخوض في مياه التجربة متجها إلى خصوصيته وفرادته واستقلاله".
صوت ولغة الصهيل- نلحظ طغيان لغة وصوت  الصهيل ومفرداتها في ديوان الخيول ،بدءا بالعنوان الخيول.

خيول- وردت تسع مرات
الصهيل-5 مرات
الأصايل- الأصيلة ثلاث مرات
الحصان- ثلاث مرات
يتمطّى- مرّة
الخيالة مرة
صهوة مرة
والخيول وما ترمز إليه  من عروبة وأصالة، ما نفقده اليوم  وتوظيفها في ديوانها بمفهوم إيروسي لتوضح هول الأيروني والسخرية ممّا آل إليه وضع العرب ومفهوم العروبة:
"أفخاذ الأصايل ترجف
من وخز الوثب
تتنهد الأرض
ترمح الأصيلة
تجرح المدى
ينزف
وتنتفض
من ساقيها
يعلو غبار
يغمر جفنها المحمر
تفرك الصهيل بالصمت
ينهد باب الندى
وينفرط الصبح
على عتبة البيت"
وتعددت مفاهيم الأصالة وتغيّرت لتصب في مفهوم واحد وهو الذل والخنوع:
 - خوف وجبن بعد أن كانت تمثل الشجاعة: " أفخاذ الأصايل ترجف من وخز الوثب".
- ترهل- "يخبئها بجسد الأصيلة
ترهلًا
يكفي لوثوب صهيلها"
• طير مذبوح:
• " كالطير المذبوح
على حافة الوقت
متنا كثيرا
....
قم يا ولدي احمل خيولك
وانتصب
من سَبل
على حافة الوجع"


• صوت ولغة العُري
إنّ "المرأة المبدعة تحوّل المباح المعرّى إلى أقنعة في استخدامها للألفاظ كمؤشرات توحي بالبعد الجنسي، أو تتخذها أنثى الرواية سبيلا للبوح عن بعض مواجع الأنوثة ، مستفيدة من ذاكرة الكلمات وحمولاتها الثقافية، فتتحول المفردات إلى أزرار تستدعي البعد الجنسي كاستخدام المرأة المبدعة للقفل والمفتاح ، ولذة الاختراق والالتحام بالآخر المذكّر ، كاستخدام فعل الامتطاء والركوب والنزول والدخول والخروج والمفتوح والمغلق والقلم والورق، وكل ما يندرج تحت عمليات الاختراق وإضاءة المخبوء في مكامن الحجر السريّة المعتمة".
وقد جاء صوت العري متنوعا كاشفا لعيوب المجتمع:
- تعرية الصمت:
"تعرّى الصمت
وأتاني يستحم يلاقي زبد العري
فراح يشهق خائفًا
من الغرق في ظلّه الرجراج
في الماء
فوق ظلي
غرق الصمت
في قباب الماء
المنهّد من مرتفعات الجسد"

• تعرية اللون:
"أرضي شوك
بين يديه
حملني
نزع عني
عرّاني من لوني
وأخذ بين يديه
قلبي يدبغ
من تجريح السكّين".

تعرية النار:
"تتعرى النار
في اللعب
تلامس رقتها
تحن ...تجن
من صحوة الأرق
تقطف فاكهة الوجع"

تعرية الحبيب في الخيال:
"يأتي النوم الغيور
يترك حبيبته
ليعرّيني
في الأحلام
يسرد سر الفيض المنهار
عند انحناءات المستور".
وقد وظّف العري في الحواس المختلفة:
السمع من خلال تعرية الصمت
اللمس من خلال تعرية الحبيب
البصر من خلال تعرية اللون.


*خاتمة


حلّقت شاعرتنا الفلسطينية نداء خوري في الفضاء الإيروسي، فبرعت في توظيف سيميائية هذا الفضاء وبتعرية واقعنا السياسي والاجتماعي من خلال مرجعيات شعرية بدأتها بالدال العنواني الإيروسي وتوظيف اللغة الإيروسية بحيث أصبحت عروبتنا  جسدا بأعضاء وأفخاذ ، فقامت شاعرتنا بتعرية الجسد  بأسلوب أيروني صارخ وموضح لهول المفارقة بحيث مزجت حواسنا الخمس بالفضاء الإيروسي لنصرخ ألما من لذة الصدمة.



*المصادر والمراجع


*المصادر:
نداء خوري ، الخيول، ديوان شعري، مكتبة كل شيء ، حيفا، 2018 .


المراجع:
- بارت، رولان، لذّة النّص ، ترجمة فؤاد صفا، منشورات الجمل، 2017.
دبابي،مديحة، إبداع الخطاب النقدي عند رولان بارت، خطاب الكتابة والتجاوز من خلال لذّة النّص، كليّة الآداب واللغات.
السائح، بن الأخضر،مقال لذة السرد النسائي، نزوى العدد رقم 64 ،أكتوبر(تشرين الأول) 2010، ص 47 .
السائح،بن الأخضر الرواية النسائية المغاربية والكتابة بشروط الجسد، جامعة الأغواط.ص 101
عبيد ،محمد صابر ، سيمياء الإيروس من فضاء المخيال إلى نداء الجسد،كلية التربية، جامعة تكريت، العراق، الملتقى الوطني الرابع" السيمياء والنص الأدبي،
فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، ترجمة عبد المنعم الحفني، القاهرة، دار الرشاد، الطبعة الأولى،1992 .
قديدر،سامي  علم الجمال الفرويدي، جامعة وهران، مجلة الجامعة،د.ت.

النعيمي،فيصل غازي، تسويق الجسد بين المتعة والنسق الثقافي، مقاربة لرواية خطوط الطول.. خطوط العرض،2007 جامعة الموصل، كلية التربية مجلة أبحاث كلية التربية ، المجلد 6 ، العدد 1، 2007 ص 304 .



*مواقع إلكترونية
حسن فليحة، موقع  الأديبة فليحة حسن،https://faleehahassan.wordpress.com
رضوان، آمال ، موقع ديوان العرب،http://www.diwanalarab.com/spip.php?article22822




السبت 3/11/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع