السخرية في كتابات محمد علي طه (1)


د. رياض كامل


جرأة النقد
السخرية في الأدب العربي قديمة جدا تعود أصولها إلى ما قبل الإسلام. وقد طالت فئات عدة من المجتمع، مهما علت وظيفتها، من قادة سياسيين واجتماعيين ورجال دين بجرأة لا نعرف لها مثيلا اليوم، كسخرية أبي العلاء المعري في كتابه "رسالة الغفران"، وقصائد ابن الرومي وأبي نواس وغيرهما في الشعر، وكتاب "البخلاء" للجاحظ الذي يعتبر أهم الساخرين في تاريخ الأدب العربي القديم. من ينظر إلى تلك العهود فسيرى أن أمهات الكتب الأدبية العربية قد خصص أصحابها جزءا هاما لجمع النوادر والحكايات والطرف الساخرة حتى ليعتقد المرء أن هذه الكتب ما كانت لتقرأ لولا أن فصولا منها تختص بالسخرية.



لاذعة ومؤلمة
وُظّفت السخرية بشكل لافت بداية القرن العشرين في أشعار رواد النهضة الشعرية والفكرية الفلسطينية حين أحسّوا أن الأرض تُسحب من تحت أقدامهم فيما العالم العربي يغطّ في سبات عميق، فكتب الشعراء قصائد ترثي حال العربي وتدعو إلى الصحوة قبل فوات الأوان، فكانت لاذعة، مرة ومؤلمة. ثم توسعت وانتشرت في مجمل الإبداع الفلسطيني شعرا ونثرا على أنواعه. كما لجأ إليها المثقفون ورجال السياسة الفلسطينيون في خطاباتهم، في فترة لاحقة، ولنا على ذلك أمثلة عديدة في خطابات إميل حبيبي وتوفيق زياد وغيرهما.


-1-
لن نخوض في معنى السخرية ولا في أصولها اللغوية والنظرية، فقد قام الدارسون بالبحث عن معانيها، أشكالها، طرقها ودوافعها منذ الإغريق والرومان والفراعنة حتى اليوم. وظفتها هذه الشعوب في فنونها المختلفة، كما نجد في رسومات المصريين القدماء ونقوشهم وكلماتهم على جدران المعابد، ويرى كثيرون أن جذورها تعود إلى الآداب اللاتينية. برزت لدى كل من شكسبير في الأدب الإنجليزي وفولتير في الأدب الفرنسي. وهي تعتبر وسيلة هامة بيد الساخر كي ينال من خصمه، وسلاحا بيد المظلوم لتعيد إليه حقه. وظفت في مجال الأدب والسياسة والفن للعمل على تقويم الشعوب من خلال تسليط الضوء على عيوبهم ونواقصهم.
السخرية في الأدب العربي قديمة جدا تعود أصولها إلى ما قبل الإسلام، مرورا بالعصور الإسلامية الأولى حتى تطورها اللافت في العصر العباسي شعرا ونثرا. وقد طالت فئات عدة من المجتمع، مهما علت وظيفتها، من قادة سياسيين واجتماعيين ورجال دين بجرأة لا نعرف لها مثيلا اليوم، كسخرية أبي العلاء المعري في كتابه "رسالة الغفران"، وقصائد ابن الرومي وأبي نواس وغيرهما في الشعر، وكتاب "البخلاء" للجاحظ الذي يعتبر أهم الساخرين في تاريخ الأدب العربي القديم. من ينظر إلى تلك العهود فسيرى أن أمهات الكتب الأدبية العربية قد خصص أصحابها جزءا هاما لجمع النوادر والحكايات والطرف الساخرة حتى ليعتقد المرء أن هذه الكتب ما كانت لتقرأ لولا أن فصولا منها تختص بالسخرية.
لم تتوقف الشعوب عن توظيفها وتطويرها فهي، كما يبدو، جزء من علاج النفوس والقلوب، وكان من أهم من وظّفها وطوّرها في العصر الحديث أحمد فارس الشدياق (1804-1887) في كتابه الشهير "الساق على الساق" (1855) الذي يعتبر من أهم ما كُتب في عصر النهضة، يصب فيه جام غضبه على فئات عدة من مجتمع تلك الأيام دون استثناء كبار رجال الدين. توسعت رقعة توظيف السخرية في العصر الحديث، لتشمل شتى فروع الفن وأنواع الكتابة المختلفة مثل الرسم الكاريكاتيري والرقص والغناء والمسرح والسينما والتمثيل على أنواعه. والسخرية هي من أسهل الوسائل للنيل من الخصم ورسم البسمة على الوجوه، إذا أُحسن استعمالها، ولذلك فهي تتطلب مهارة وحنكة وخفة ظل، وذكاء اجتماعيا وعاطفيا خاصا كي لا تكون ممجوجة، مملة ومنفرة.
أعتقد جازما أنها تحتاج، إضافة لما ذكر أعلاه من مهارات، إلى ثقافة شاسعة واسعة وعميقة، وإلى قدرات لغوية خاصة. ليس صدفة أن يكون الجاحظ مدرسة في السخرية، وليس صدفة أن يكون الشدياق أحد أهم من طور هذا الأسلوب، وكلاهما واسع الثقافة عالم باللغة. أدرك رجال المسرح والسينما أهميتها وقدرتها على الوصول إلى المتلقين فوظفوها في إنتاجهم فظهرت شخصيات لامعة حفرت اسمها عميقا في وجدان الشعوب، كما فعل تشارلي شابلن في الغرب، ودريد لحام وعادل إمام وغيرهما في الشرق.
تصل سهام السخرية النفّاذة كل اتجاه، منها ما يوجه نحو الذات، ومنها ما يوجه نحو الآخر. ولها دوافع عدة أهمها تقديم النقد بهدف الإصلاح، والتعبير عن ألم في النفس عميق، فتكون بذلك وسيلة للتفريغ والدفاع عن الذات والنيل من الخصم. إن من يتابع الأوضاع السياسية والاجتماعية في العالم العربي، وفي فلسطين بشكل خاص سيدرك، دون مجهود كبير، ما يعتمل في قلوب البشر من حزن وأسى وألم كدوافع رئيسية للجوء إلى السخرية. ففي مصر، على سبيل المثال، قام المجتمع بتطوير النكتة ليشفي غليله إزاء ما يحدث في محيطه الاجتماعي والسياسي، فكان لها نكهة مصرية مميّزة قادرة على تحريك الإنسان المصري للترويح عن النفس. أما في المجتمع الفلسطيني، سواء كان هنا أم في الشتات، فإن سخريته مرة وحزينة ولاذعة بل وحادة جدا، ومن السهل أن يلمسها المتتبع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وفي البيوت والتجمعات وأماكن العمل.
وُظّفت السخرية بشكل لافت بداية القرن العشرين في أشعار رواد النهضة الشعرية والفكرية الفلسطينية حين أحسّوا أن الأرض تُسحب من تحت أقدامهم فيما العالم العربي يغطّ في سبات عميق، فكتب الشعراء قصائد ترثي حال العربي وتدعو إلى الصحوة قبل فوات الأوان، فكانت لاذعة، مرة ومؤلمة. ثم توسعت وانتشرت في مجمل الإبداع الفلسطيني شعرا ونثرا على أنواعه. كما لجأ إليها المثقفون ورجال السياسة الفلسطينيون في خطاباتهم، في فترة لاحقة، ولنا على ذلك أمثلة عديدة في خطابات إميل حبيبي وتوفيق زياد وغيرهما.
يعيش الإنسان العربي عامة، والفلسطيني خاصة، حالة من الإحباط، وهو يرى أهم قضاياه عالقة وعصية على الحل. فكان من الطبيعي أن يلجأ بعض الكتاب والفنانين الفلسطينيين إلى هذه الوسيلة، كما فعل الكاتب إميل حبيبي في مقالاته وفي كتاباته في مجالي القصة والرواية، بالذات في روايتيه "المتشائل" و "لكع بن لكع" وكما فعل كل من ناجي العلي في رسوماته الكاريكاتيرية، وسميح القاسم ومحمود درويش وغيرهما في أشعارهم.
كان العرب، منذ الجاهلية، يلجؤون إلى الهجاء كوسيلة يذمون فيها الخصم أو العدو للنيل منه، فينعتونه بأرذل الأوصاف في عرف تلك الأيام مثل الجبن والبخل وعدم الأخذ بالثأر وما إلى ذلك. تغيّر الزمن وتبدّل فوجدنا الهجاء يتخذ مناحي جديدة وأساليب مغايرة، وبتنا نرى الشاعر يذم الخصم مبرزا مقابح الشكل وليس فقط مقابح الأخلاق كقول الشاعر العباسي ابن الرومي:
وجهك يا عمرو فيه طول      وفي وجوه الكلاب طول
وجوههم للورى عظات          لكن أقفاءهم طبول
لا يمكننا اليوم اللجوء إلى مثل هذه السخرية وتسخيرها في الأدب الحديث، فهي لن تُحقق مآربها المرجوة لأن من أهم أهدافها، كما ذكرنا، هو التوعية وتقويم الاعوجاج والتوجيه نحو الصواب وإيقاظ الغافل ونبذ العنف وتحقيق العدالة وإحقاق الحق، كل ذلك بعيدا عن التهريج والمجون. إن الحالة الفلسطينية لا تحتمل التهريج ولا تحتمل الضحك من أجل الضحك.
إن السخرية في التراث العالمي والعربي، على حد سواء، لا يمكنها أن تكون نموذجا يتلقفه المبدع الفلسطيني ليبني سخريته وفق مبناها وفحواها، فما يضحك شعبا لا يضحك شعبا آخر، وما أضحك الناس في مرحلة معينة لا يضحكهم في مرحلة أخرى، ولا نبالغ حين نقول إن لكل قرية ومدينة، أحيانا، أسلوبا مغايرا في السخرية، وما يشفي غليل شعب لا يشفي غليل شعب آخر، فهي مرهونة بزمكانية معينة وبظروف خاصة بكل فئة سكانية.
لقد وظف الجاحظ في كتاباته، وبالذات في كتاب "البخلاء"، غريب اللغة وسيلة للسخرية، كما فعل الشدياق في كتابه "الساق على الساق" في مرحلة متأخرة. لقد كان هدف الشدياق يشبه إلى حد كبير هدف الجاحظ في لجوئهما إلى هذه الوسيلة في السخرية، وهو إبراز سعة معلوماتهما وإبراز عجز المذموم أمام هذا الكم من المعرفة. أما الكاتب إميل حبيبي فقد لجأ إلى الخيال المحلق وإلى اشتقاق مفردات وكلمات غير مألوفة كوسيلة من وسائل السخرية. أما سميح القاسم فقد اعتمد على المفارقة في الكثير من دواوينه وبالذات في ديوان "أنا متأسف" (2009).
لقد نالت سهام محمد علي طه الساخرة من الخصوم وهو يراهم في محيطه العربي الفلسطيني، وفي محيطه العربي عامة، وفي الدولة وقوانينها المجحفة، وفي المجتمع الدولي الذي يتخذ قرارات تتناقض مع رؤيا الكاتب ومبادئه. فهو يعي تماما هول القضية التي يعالجها ويدرك حجمها ومرها وآلامها، لذلك قام بتوظيف وسائل عدة في كتاباته الساخرة، وهي وسائل قريبة في غالبيتها من إدراك القارئ العادي، وغير العادي، وكأني به أحيانا، يحاور المتلقي غير العربي، يهوديا وغربيا، وأحيانا، يخيل لي أنه يحاور القيادة العربية والقارئ العربي في دول العالم العربي الواسع.
يمكن للقراء أن ينظروا إلى سخرية طه من زوايا مختلفة، حسب مستوى ثقافاتهم ومصدرها ونوعيتها. برأينا أن دافع السخرية الأول لديه هو التجربة الذاتية التي لا يمكن فصلها عن التجربة الفلسطينية العامة لما فيها من ألم ووجع وحسرة، فضلا عن الوضع الاجتماعي وما يتعلق به من أفكار ومفاهيم نتيجة حالة العربي الذي حُرم من أهم مقومات الحياة فترة طويلة من عمره. ولذلك صدق من قال بأن السخرية تعالج الواقع وتنمو منه وفيه، لا تتأتّى في الخيال، وليس عمدتها الخيال، لكننا نستطيع أن نؤكد أن التخييل وسيلة تتحول إلى تقنيّة فنيّة من تقنيّات السخرية للتهويل، ثم تعود إلى مرجعيتها الواقعية لأنها تنبع منه وفيه. 
عاش العربي من المحيط إلى الخليج واقعا مرا وصعبا على مدى مئات السنين، وقد عبر المثقف الفلسطيني عن رفضه لهذا الواقع وعن رفضه لأي احتلال، منذ عهود طويلة، وتجدد هذا الرفض مع الاستعمار البريطاني، وقيام دولة إسرائيل، فيما الإنسان الفلسطيني ما زال موعودا بدولة مستقلة لا يعرف أحد أين تقع حدودها، وما هي مقوماتها وأسسها وحقوقها. هذه الحالة العبثية دفعت بعض الكتاب الفلسطينيين، ومنهم الكاتب محمد علي طه، إلى اختيار هذه الوسيلة للتعبير عن الوجع والألم، ربما لأنه يراها أكثر الطرق المباشرة لتقديم النقد نحو الداخل والخارج، نحو الذات ونحو الآخر، ونحو ال أنا وال أنت، دون أن يعني ذلك، ولا بأي شكل من الأشكال أن الكاتب يلجأ في كتاباته إلى اللغة المباشرة أو الأسلوب المباشر، بل إن السخرية بحد ذاتها، هي وسيلة تحتاج أكثر ما تحتاج، إلى كاتب حاذق ماهر فطين، يحسن استعمال الرموز والكنايات والتورية والاستعارات على اختلافها.
إننا نرى أن الكاتب محمد علي طه من أكثر الكتاب الفلسطينيين الذي يوظفون هذا الأسلوب، منذ بداية مشواره الأدبي، حتى باتت ميزة بارزة جدا من ميزات كتاباته. لا تختلف دوافع السخرية عند الأديب محمد علي طه عن دوافع غيره من الأدباء الفلسطينيين، خاصة وأنه قد خاض تجارب سياسية عدة، فانعكس ذلك في مقالاته التي قام بنشرها في صحيفة "الاتحاد" تحت عنوان "مناقيش". بل نكاد لا نقرأ له مقالة من مقالاته التي يواظب على نشرها أسبوعيا، حتى اليوم، في مواقع ورقية وإلكترونية تخلو من السخرية. فقد تابع عن كثب ما تمر به القضية الفلسطينية منذ أن تفتحت عيناه، جرّب الهجرة والتشرد والنوم تحت الأشجار، هُجِّر من بلدته ميعار وهو طفل في السادسة من عمره. عرف معنى "النكبة" وعايش "النكسة" ورأى تشرد الفلسطيني مرارا وتكرارا، وشهد ما مر به الفلسطيني من مآس ومذابح مثل "مذبحة "كفر قاسم"، و"تلّ الزعتر" ومجزرة "صبرا وشاتيلا" وغيرها من المذابح والمآسي حتى اليوم. عمل في حقل التدريس فعاشر الطلاب والأهل والمعلمين، عمل في السياسة وانتمى في مرحلة معينة للحزب الشيوعي في البلاد. لم يترك الكاتب السياسة بعد أن ترك الحزب الشيوعي ولم يقف على الحياد، ولم يكن متفرجا، بل كان مواكبا للأحداث ومتابعا لها، فقد نشط في مجالات عدة يمكن للقارئ أن يتابعها من خلال مقالاته ومن خلال كتابه الأخير "نوم الغزلان" (2017).
انعكست هذه الأحداث وهذه التجارب في مجمل كتاباته، فهذا الكم من الحزن وهذا الكم من الوجع نجد له انعكاسا واسعا فيما ينشر، فكانت السخرية إحدى الوسائل التي وظّفها كوسيلة نقدية قادرة على التواصل مع المتلقي وتجنيده وتثويره، لأنها تعمل على وخز الخصم والنيل منه، خاصة وأن الكاتب قد دخل في التجارب الأكبر ولم يسمع عنها من الآخرين، ولم يقرأها في كتب التاريخ. لذلك لن يستطيع أحد، كائنا من كان، أن يقنعه بأي رواية أو أي حجة مغايرة لتجربته الخاصة والعامة، لأنه مر التجربة وشرب من علقمها قبل النكبة وبعدها فخسر قريته "ميعار"، مسقط رأسه، وسكن بعد فترة من الضياع في قرية كابول لتصبح بيته وبيت أبنائه وأحفاده وعائلته.
قد يقوم أحد الباحثين، يوما ما، بدراسة الفرق بين سخرية محمد علي طه في مقالاته وسخريته في قصصه. إننا نعتقد أنه سيجد الكثير من التشابه، فدوافعها واحدة، لكنّ الفرق يكمن في اختلاف الجانرين وطريقة التعبير، ومركبات كل جنس منهما، فالمقالة تقتضي وسائل تتلاءم مع نوعها ولا تتلاءم مع القصة التي تستدعي حضور مركباتها القصصية أولا.


-2-
لقد لاحظنا أن المقالات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي يواظب الكاتب على نشرها منذ عقود لا تخلو من السخرية، حتى وإن كان موضوعها الرئيسيّ في غاية الجدية. فلا بد من أن يتعثر القارئ بجملة ساخرة أو نادرة قصيرة أو طويلة لتمرير الفكرة، بل إن السخرية في بعض مقالاته هي عمودها الفقريّ. يقيني أن الكاتب يصر على ذلك لعلمه التام أن السخرية تساهم مساهمة كبرى في إيصال الفكرة للمتلقي حتى باتت جزءا من إبداعه وجزءا من شخصيته. فالسخرية يحتاجها المرسِل كما يحتاجها المتلقي لأن الوضع السياسي ما زال مقلقا منذ أكثر من قرن، والوضع الاجتماعي والفكري لم يتبدل، بل هناك أمور فكرية واجتماعية قد حصل فيها تراجع لم نألفه من قبل.
ما نستطيع التأكيد عليه أن الكاتب يقوم بتوظيف القصة/النادرة في المقالة، كعامل مساعد في تمرير الفكرة، فهو يعلم علم اليقين أن المقالة قد تكون جافة، وقد لا تحقق مبتغاها ومرادها، وقد يُحجم عنها القارئ، خاصة وأن الكاتب، كما ذكرنا، يداوم على نشر مقالاته أسبوعيا تقريبا. أما القصة ففيها من العناصر ما يجعلها أقرب إلى القارئ، في اعتمادها على تقنيّات عدة، فضلا عن عنصر التشويق، وقد تُحقق القصة مبتغاها دون اللجوء إلى السخرية. محمد علي طه، إذن، يوظف النادرة والحكاية الشعبية الساخرة كحيلة فنية لتجنيد المتلقي حتى باتت موتيفا متكررا في مقالاته وفي الكثير من كتاباته. ما نستطيع أن نقوله، دون إجراء بحث إحصائي، أن الكاتب يوظف السخرية والمفارقة على أنواعهما المختلفة في معظم مقالاته، أكثر مما يوظفهما في القصة والرواية، وذلك للأسباب التي ذكرت أعلاه، والتي سنعمل على توضيحها فيما يلي.
يلجأ الكاتب في مقالاته الساخرة إلى تسخير وسائل وأساليب عدة منها الأسلوب الكلاسيكي التقليدي الذي أُطلق عليه "أسلوب الذم بما يشبه المدح"، أو "المفارقة اللفظية"، وهي ظاهرة متكررة في مقالاته تساهم في التواصل مع القارئ، لأنها تلجأ إلى إبراز حالة معينة من خلال توصيف مناقض، خاصة أن قراء المقالات الاجتماعية والسياسية ينتمون لشرائح اجتماعية تتفاوت ثقافتهم، وهو يدرك ذلك، وعليه فهو يلجأ إلى هذا الأسلوب لتجنيد القارئ العادي الذي يمكنه التواصل مع مثل هذا النوع من الكتابة. يمكننا أن نقول إنه تمكن من تجنيد القراء من "طبقات" ثقافية وفكرية متعددة. وهو يفعل ذلك عن سبق إصرار يسعفه في هذا التواصل توظيف حكايات ونوادر وقعت في قرية معينة، سمع بها الناس أو بعضهم فيعيد صياغتها مدعومة بلغة مطعمة بجمل عامية، أو قريبة منها، أو بجمل وتعابير قريبة من إدراك القارئ العادي.
سخرية محمد علي طه في معظم مقالاته قد تصل حد الهزء والفكاهة، ولكن منعا للبلبلة فإن السخرية أقوى من الفكاهة والتندر والهزء، وهي أكثر شمولا، لكني أرى أن طه يسمح لنفسه من خلال "شطحاته" التي يكثر منها، في جل ما كتب، سواء في قصصه ومقالاته، للمرور على حكايات ونوادر تساهم في الهزء والتفكّه والتندّر لتصبح في اجتماعها معا مجموعة من المكوّنات التي تجعل السخرية أكثر اتساعا وأكثر شمولية للنيل من الخصم ومن الآخر، وبالتالي تصبح أكثر قدرة على توسيع رقعة المتلقين. ولنا على ذلك أمثلة عديدة منها مقالة حديثة نشرت مؤخرا بعنوان "سائق باص- يللا يا أسطة" (موقع الجبهة، 26.8.2018) تكوّن السخرية عمودها الفقري. يعرض فيها الكاتب لقضية المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، وادعاء المفاوض الإسرائيلي، مرارا وتكرارا، أن الفلسطينيين، منذ النكبة وحتى اليوم، هم الذين يهدرون الفرص في كل مرة تكون دولتهم، حسب ادعائه، قاب قوسين أو أدنى.
 يوظف الكاتب في هذه المقالة العديد من الوسائل المعروفة التي تتكرر في كتاباته، منها عنصر التكثيف الكمي لإحداث التأثير في المتلقي. إذ نراه يكثف من الأمثلة كنوع من أنواع التكرار المعنوي فيظهر الخصم ذئبا في ثياب الحمل. يعرض المسؤول الإسرائيلي على الفلسطيني حلولا "سخية" واحدا تلو الآخر، يرفضها الفلسطيني لأنه يراها هزيلة ذليلة. هي مقالة قصيرة جدا، تتكون من بضعة أسطر توجِز مأساة العربي الفلسطيني الذي يخسر أرضه شبرا وراء شبر، منذ سبعة عقود وحتى اليوم، بشكل منهجي متسلسل زمنيا من الأبعد فالأقرب. يرى المتلقي أن العروض تسير بشكل تنازلي تبدأ بدولة ثم شبه دولة حتى تصل إلى سائق باص. يُقبِل المتلقي على قراءتها مشدودا من خلال تقْنِيَّة المفارقة (الإيرونيا) الأكثر تعبيرا عما يختلج في النفس في مثل هذه الحالة: "والله يا جماعة إنها مهنة مش قليلة، وتساوي مائة ألف شهيد ومليون سجين بدون أن نتهود"، إذ لم يعد أمام الفلسطيني، بعد قبوله هذه المهنة، إلا أن يفاوض حول انتمائه العرقي وانتمائه الديني، فإذا رام الخلاص ما عليه إلا أن يتنازل عن مركبات هويته، وذلك بشروط، هي شروط يفرضها الطرف الآخر تحقيقا لأحلام الطفل العربي الذي سئل يوما: "ماذا تحب أن تكون حينما تكبر؟ فأجاب الطفل: يهودي. فسأله الأب: لماذا يا ولد؟ فردّ عليه كي أكون سائق باص".
تتداخل وسائل عدة لتبرز السخرية من أهمها؛ عنصر المبالغة والتضخيم في الطرح، مستغلا الإطناب كنوع من أنواع التضخيم والمبالغة. ومن خلال المدح بما يشبه الذم: "وقدم لنا مناحيم بيجن (وهو رجل إنساني جدا لم يقتل عربيا في حياته، وأرجوكم ألا تصدقوا ما جرى في دير ياسين فهذا خيال شرقي)..."، وتوظيف الأمثال الشعبية "نفطر على بصلة" وخلق حالة من المفارقة: "نحن شعب اعتاد على الاحتلال" وكأن هذه الجملة بالذات منسوبة إلى لاوعي الآخر الذي يرى الفلسطيني من هذه الزاوية، والاعتماد على الخيال الساخر في ترجمة الأسماء العبرية إلى العربية دون أن يكون هناك أي صلة بينهما، فيتجند الخيال في خدمة الواقع، مدعوما بحكاية قد تكون صحيحة واقعية، وقد تكون من صنع خيال الكاتب حول حكاية الطفل العربي و"طموحه" اللامتناهي كي يصبح يهوديا حتى يتمكن من سياقة الباص. ألم يفرح بعض العرب في "إنجاز" بعضهم حين ترجموا "تل أبيب" إلى "تل الربيع" وهم بذلك يخدمون أيديولوجيا الآخر؟! إن مدينة "تل أبيب" قد أقيمت على أنقاض قرية عربية باسم "الشيخ مؤنس"، ولن تكون في عرف العربي الفلسطيني "تل الربيع" في مفهومها الجميل وفي دلالة كلمة "ربيع" وما فيه من فرح وخضرة وزقزقة عصافير وتجدد حياة.
بقي أن نشير إلى العنصر الأهم وهو اللغة لأنها ليست وسيلة كما يقول البعض بل هي الآلة والأداة التي يصنع منها الكاتب أدبا، كما يصنع الفنان من الحجر تمثالا وكما يصنع البناء من الطين بيتا، وكما نصنع من الخشب ورقا. مواضيع المقالات اليومية تتعرض لقضايا الناس في حياتهم اليومية؛ همومهم وأفراحهم. تنشر هذه المقالات اليوم في وسائل تجعلها قريبة من تناول كل القراء، فقارئ الصحيفة ليس بالضرورة أن يكون هو نفسه قارئ الرواية أو قارئ القصة. ويقيني أن الكاتب يخاطب قارئه الذي يستدعيه ليتحاور معه. لذلك نرى اللغة قريبة جدا من اللغة اليومية، في خطابها، ولا نقصد في تركيبها النحوي أو الصرفي، بل هي لغة قريبة من إدراك القارئ العادي، وفيها أمثلة شعبية وحكايات شعبية وجمل وتعابير مفصحة أو معممة لتساهم في السخرية: "وروح يا يوم وتعال يا يوم، كما يقول أهل هذا الوطن الأصلانيون، راحت السكرة وجاءت الفكرة..." (موقع الجبهة، 22.7.2018).
يوظف الكاتب في مقالاته مستويات عدة للغة؛ الشاعرية والمدعّمة بكل أنواع البلاغة المعهودة، والتناص الذي يغني اللغة، مرورا بوسائل التعبير الحديثة، وصولا إلى لغة محكية، وإن شئت لغة منطقة فلسطينية معينة دون غيرها، أو لغة "الخواجات" والأجانب. ولا ينسى في بعض مقالاته من تضمين النص بتعابير عبرية ذات دلالات يفهمها العربي في هذه البلاد مثل: "... وسمحوا للعرب بالبقاء في "الموليدت" وفي "آرتس شيلانو"، دون أن ينسى وضع ال التعريف على الكلمة العبرية فيتعامل معها تيسيرا للسخرية المُرّة ككلمة عربية، فتولدت حالة من المفارقة والسوداوية.
لهذه الأسباب جميعها التي أتينا على ذكرها، ونظرا لتجنيد تقنيات عدة تمكّنت مقالات محمد علي طه من التواصل مع القارئ، لأنها تعبر عما يجول في فكر المتلقي، كما تعبر عما يجول في فكر المرسِل. أخذ الكاتب على عاتقه أن يعالج أهم القضايا اليومية التي تشغل بال المجتمع. وهو القادر من خلال هذا الأسلوب أن يتواصل مع القارئ العادي نظرا لطرحه هذه القضايا الكبرى بأسلوب وبلغة قادرين على تحريك القارئ وزرع البسمة والقهقهة أحيانا. فالقارئ يتواجه مع هذه القضايا في الشارع وفي البيت وفي نشرة الأخبار، فتأتي السخرية لتخفف من وطأة هذه الهموم وبالتالي تشفي غليله وتخفف من آلامه النفسية. (يتبع)

السبت 3/11/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع