عالقان في منتصف الطريق

يوآب حيفاوي


محمود وبيركوفيتش
كانت هذه هي المرة الأولى التي  تكلم فيها محمود بهذا الشكل امام الصف: طرْح تحليل كامل لموضوع، علما بأنه  يستصعب التحدث  باللغة العبرية. لكنه، هذه المرة، شعر بأنه قد درس الموضوع بشكل جيد وبأن لديه ما يقوله، وقد جاءه كلام الأستاذ كصفعة على وجهه بقدر ما كان مفتخرا بإنجازه. احتج محمود قائلا، لا، لا يا أستاذ، أنا قرأت المسرحية، ودرست خلفياتها، وهذا تحليلي الـ...



كان محمود مسرورًا ومتشجعًا، وأراد ان يسرع للقاء الاستاذ، واثقًا انه سيتمكن من حل القضية من خلال الحديث معه.
توجد مكاتب دائرة الفنون في الطابق العشرين من برج الجامعة. عندما اقترب محمود من مدخل البرج تمنى أن يكون المصعد بانتظاره عند الطابق الأرضي. رأى باب المصعد مفتوحا فأسرع ليدخله في اللحظة الأخيرة.
كان المصعد مليئاً بالطلاب، ولكن نظر محمود وقع على الشخص الواقف عند حائطه الخلفي: الأستاذ بيركوڨيتش!
 لو كان يعرف انه في المصعد لم يكن ليسرع بدخوله!
في الأيام التي تلت "الجدال" بينهما، تخيّل محمود كيف ستكون المرّة الأولى التي سيلتقي فيها بالأستاذ بيركوفيتش. كان يخطط ما الذي عليه أن يقوله له. أقنع محمود نفسه أنه وبالكلام الموضوعي والمتوازن، حين يلتقي بالأستاذ وجها لوجه في غرفة الاستقبال، لن يكون  للأخير مناص من الاستماع إليه. ولن يتكرر ما حدث أمام كل الطلاب في قاعة التعليم.
ولكن مع حضوره هنا، امام الأستاذ، بهذا الشكل المفاجئ، على مسافة قبضة اليد، عادت مشاعر الإذلال والغضب لتغمره، وكأن الواقعة قد صارت للتو.
كان المصعد يقف، في البداية، عند كل طابق، يتحرر من حمله الثقيل من الطلاب المتوجهين إلى الكافيتيريا والمكتبة وبعض غرف التعاليم في الطوابق الأولى. وبعد قليل بقى محمود لوحده مع أستاذ بركوفيتش ليكمل المشوار إلى المكاتب في الطوابق العليا...
محمود، وإن لم يكن متأكدا إذا ما كان الأستاذ قد انتبه إلى وجوده في بداية الطريق، متأكد أن الأستاذ رآه الآن. لكن كلاهما وقف صامتا كأنه لم يكن يعرف أحدهما الآخر...
حاول محمود الابتسام للأستاذ، وراحيفكر: أليس من الأفضل أن أبدأ الحديث معه منذ الآن؟ وشعر ان لحظات الصمت  تبني جوّا من البرودة والاغتراب ر بينهما، وقد يكون من الأصعب عليه أن يكسر هذا الحاجز عندما يدخل غرفة الاستقبال كما  خطط سابقا...
في الطابق الثامن،  وقف المصعد وفتح الباب الأوتوماتيكي، ولكن لم يكن هنالك أحد. وعندما أغلق الباب أخذ المصعد يتحرك ببطء غير طبيعي، ثم توقّف تماما عن الحركة قبل أن يصل الطابق التاسع.
على الاستاذ أن يستقبل الطلاب ويستمع لقضاياهم في غرفة الاستقبال. أما هنا فهما شخصان لا علاقة بينهما وقد علقا في هذا المصعد الملعون. وإن لم يكن هذا لوحده سببا كافيا للقلق والتوتر، فإن وجودك في صندوق مغلق مع شخص لا تعرفه وقد تشاجرت معه قبل عدة أيام، يجعلك عصبيا أكثر.
تذكر محمود كيف وقف في الصف أمام الطلاب وهو يحلل مسرحية "حنوخ لڨين" المشهورة "ملكة الحمّام"... كانت الوظيفة الملقاة عليهم تحليل المسرحية من وجهة نظر سياسية واجتماعية، وقد علم محمود أن الأستاذ بركوفيتش كان محسوبا على اليسار، وكان يشجع الطلاب على التعبير عن آرائهم بحرية في الصف. تشجع محمود وقرأ المسرحية ودرس من خلال عدة مصادر أوضاع المجتمع الإسرائيلي في مرحلة ما بعد ما يسمّونها "حرب الأيام الستة"، ودرس باهتمام تفاصيل ردود الفعل الغاضبة والعنيفة التي سببتها هذه المسرحية... وفي نهاية الأمر، لخّص، امام الصف، قائلا بأن حنوخ لڨين قد تحدى الاجماع الشوڨيني في المجتمع الصهيوني.
عندها، هبّت القبيلة للدفاع عن النار التي تجتمع حولها. ولم يحدث بعدها أن نشأ تحدّ بهذا المستوى في كتابات لڨين، حيث تميّزت كتاباته اللاحقة بالإكتئاب، ولم يقم بعده من يتحدى كما فعل.
لم يعلم محمود ماذا كان الأمر الذي أغضب الاستاذ في تحليله. هل كان كلامه عن المجتمع الاسرائيلي أم التوصيف المهين للڨين باعتباره قد خضع للضغط، أم الاستهتار بمن خلف لڨين... في كل الأحوال،  قطع صوت الاستاذ الغاضب كلام محمود متسائلا: من أين جلبت  كل هذه التفاهات؟ المؤكد أنك وجدتها على الانترنت في المواقع التي تقوم بنسخ الوظائف منها مجانا!
كانت هذه هي المرة الأولى التي  تكلم فيها محمود بهذا الشكل امام الصف: طرْح تحليل كامل لموضوع، علما بأنه  يستصعب التحدث  باللغة العبرية. لكنه، هذه المرة، شعر بأنه قد درس الموضوع بشكل جيد وبأن لديه ما يقوله، وقد جاءه كلام الأستاذ كصفعة على وجهه بقدر ما كان مفتخرا بإنجازه. احتج محمود قائلا، لا، لا يا أستاذ، أنا قرأت المسرحية، ودرست خلفياتها، وهذا تحليلي الـ...
أخذ الاستاذ يمزق بعض طروحات محمود أمام الطلاب. لم يتذكر محمود شيئا مما قاله الأستاذ بالنسبة لملكة الحمام أو بالنسبة للڨين أو لأي شيء آخر. ولكنّه شعر أن الأستاذ، حينما كان يقتبس من كلامه، كان يقلد لهجته العربية، ويعود ليشدد على بضع الأخطاء اللغوية، وسط ضحك الطلاب.
لم يتمكن محمود، في نهاية الأمر، من تمالك أعصابه، وقال للأستاذ بصوت عال وبجرأة لم يعرف من أين أتته: والله يا استاذ، يبدو أنك تريد أن تبني لنفسك شعبية في صفوف الطالبات على حسابي... فانطلقت بعض الضحكات.
تحوّل وجه الأستاذ إلى اللون الأحمر وانفجر غضبا قائلا: أنت وقح، وليس لك مكان في هذه الجامعة!
تأمل محمود الشخص الواقف أمامه، فوجده متوتّرا، ويدفع بظهره جدار المصعد، وقد أخرج كتابا من حقيبته وتصفّحه متظاهرا بالتركيز في القراءة وبعدم رؤية محمود.
قرأ محمود عنوان الكتاب: "مسرحيات حنوخ لڨين – بين الشخصي والمجتمعي"... وانتبه لاسم الكاتب: البروفيسور بيركوفيتش.
عندما عاد المصعد للحركة، ووصل إلى الطابق العشرين، توجّه محمود إلى سكرتارية دائرة الفنون وقدّم طلبا لوقف تعليمه. يمكنه، إن أوقف التعليم قبل منتصف العام، أن يوفّر جزءا من قسط التعليم.
حيفا – حزيران 2015

السبت 3/11/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع