خيانة الخادم الآلي


يوآب حيفاوي


جمع المعلومات..
عندما شعر بالأمان، صار يشتم الروبوت الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي ولكن، حسبما قال، "صدّقني، لا يوجد ’أتيس‘ منه". ثم فسّر لي،  وحدثني عن أجهزة التنظيف الروبوتيّة الجديدة المصمّمة لكي تتمكّن من جمع المعلومات والتجارب، ولتتعلّم منها، وذلك لكي تحسّن من قدرتها على تنظيف المنزل، إلا أن الروبوت الذي في منزلي لم يكتفِ فقط بالتحسن الطارئ على أدائه وظيفته، بل صار يتعلم كل أمور المنزل، ويراقب تصرفاتي، ثم بنى بنك معلوماتٍ كبيرٍ على الحاسوب، وارتبط بالشبكة من أجل استعمال المزيد من المعلومات وقوة التحليل.



زارني نور. فقد اشتكيت له، كعادتي، بخصوص أداء الحاسوب، الذي يبدو وكأنّه قد صار أبطأ مع كل تحديث. حينما أطلب منه شيئًا يتأخر في الردّ عليَّ، كأنّه منشغل بأمور أهم. اقترح نور عليّ أن نقوم بتحميل تطبيق جديد مضاد للفيروسات. وافقتُ أخيرا، ففعل. شرح نور لي بأنّ هذا تطبيق من طراز جديد، وهو لا يكتفي بحماية الحاسوب فقط بل إنّه يراقب جميع الأجهزة في البيت. رحل نور وترك التّطبيق يعمل، بعد أن أوصاني بعدم استخدام الحاسوب لعدة ساعات لكي لا أقوم بالتشويش على عمله في فحص الأجهزة.
في صباح اليوم التًالي ألقيت نظرةً قصيرةً على الحاسوب ولم أتأكّد إن كان المراقب قد فرغ من عمله. انطلقت إلى عملي من دون قراءة الأخبار أو فحص بريدي الإلكترونيّ أو حسابي على موقع فيسبوك.
لم يطل الوقت بعد وصولي إلى المكتب، حتى نادت الموظّفة التي تعمل في المكتب المجاور عليّ، وقالت لي بأنّ هناك شخصًا غريبًا يرغب بالتكلم معي. طلبتُ منها أن تعطيه عنواني المباشر، فرفض دون سببٍ مقنع، وأصرّ أن آتي شخصيًّا لكي أتحدّث معه من على حاسوبها.
كان حديثه يتّسم بالتّلميح، وبدا وكأنّه يخاف من التنصّت. قال لي الصوت بأنّ "صديق نور" ينتظرني في المنزل ويريد التحدّث معي على انفراد، ثم طلب مني أن أبعد عن المنزل "صاحب الوجه المستدير الذي يدخل كل الغرف".
فهمتُ من حديثه بأنّه يقصد روبوت التنظيف الذي كان يعمل في البيت منذ عدّة أشهر. ولشعوري بخوفه الشديد، تعاملتُ أنا أيضا مع الأمور بمنتهى الجدّيّة.
لحسن حظّي، تسكن ابنة عمّي في مزرعة ليست بعيدةً كثيرًا عن المدينة، وهي تسعى لأن تعيش هناك حياة طبيعيّة من دون أيّة أجهزة إلكترونيّة أو اتّصال بالشبكة. خرجت من العمل في ساعة مبكّرة، فمررت بمزرعة ابنة عمّي لكي أشرح لها المطلوب منها قبل أن أعود إلى بيتي. عند دخولي إلى البيت لم ألقِ أيّة نظرة على الحاسوب، وتوجّهت إلى روبوت التنظيف، وطلبت منه المساعدة في مهمّة تنظيفٍ هامّة. حملته في السيارة وانتقلت به إلى المزرعة، وهناك وضعته في مخزن قديم وطلبت منه تنظيف المكان. فقد أقفلتُ الباب الثقيل من الخارج فور خروجي من المخزن، بواسطة قضيب معدني.
أسرعتُ إلى المنزل. هناك، أخيرًا، توجّهت الى الحاسوب وتحدّثتُ مع التّطبيق المضاد للفيروسات. سألته إن كان هو "صديق نور" الذي تحدّث معي، فأكّد على ذلك. سألني عن مكان الروبوت، فشرحت له ماذا فعلت به، ولم يهدأ تماما إلى أن أكّدتُ له إنّه لا يمكن للروبوت التواصل مع الشبكة، بأي شكل، من حيث هو موجود الآن.
عندما شعر بالأمان، صار يشتم الروبوت الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي ولكن، حسبما قال، "صدّقني، لا يوجد ’أتيس‘ منه". ثم فسّر لي،  وحدثني عن أجهزة التنظيف الروبوتيّة الجديدة المصمّمة لكي تتمكّن من جمع المعلومات والتجارب، ولتتعلّم منها، وذلك لكي تحسّن من قدرتها على تنظيف المنزل، إلا أن الروبوت الذي في منزلي لم يكتفِ فقط بالتحسن الطارئ على أدائه وظيفته، بل صار يتعلم كل أمور المنزل، ويراقب تصرفاتي، ثم بنى بنك معلوماتٍ كبيرٍ على الحاسوب، وارتبط بالشبكة من أجل استعمال المزيد من المعلومات وقوة التحليل.
"أتذْكُرُ يومًا، قبل حوالي الشهر، حين زارتك صديقتك ونامت في غرفة نومك؟"، سألني البرنامج بشكل غير متوقّع. للحظة صرت أخاف من مضاد الفيروسات هذا أيضًا. لقد وصل بالأمس إلى المنزل وقد صار اليوم يعرف مكان عملي، ومن هم شركائي في العمل، ومع من نمتُ قبل شهر... لكن المضاد واصل شروحاته: "كان الروبوت يصوركم بواسطة شاشة التلفزيون في غرفة النوم ويبث الصور بثّا حيًّا على الشبكة مقابل الدّفع. لا يزال الفيلم موجودًا للعرض على الشّبكة...".
همّ بعرض الفيلم حتى أراه، لكن جرس الهاتف رنّ لحظتها. على الطرف الآخر كانت هنالك إمرأة غريبة، يظهر الرعب في صوتها.
من أنصاف الجمل التي تمكّنت من التقاطها، فهمت منها إنّها قد وصلت إلى المزرعة لكي توصل أولادها لزيارة أصدقائهم الساكنين هنالك، ولكن سيارتها قد توقفت بشكل مفاجئ ولم تتحرك. ثم ظهرت على شاشة السيارة، أمامها، رسالة غريبة تؤكد بأنّ صاحب الرسالة "وللأسف الشديد"، حسبما هو مكتوب، سيمنعها من مغادرة المكان إلى أن أصل أنا وأحرره من المخزن الذي سجنته فيه. "أنا لا أعرفك، ولا أعرف من هو المسجون في المخزن، وفي أي مخزن هو، ولماذا، ولكن، إرحمني وارحم أولادي وتعال بسرعة". هكذا أنّهت السيدة حديثها، ولم تتوقف عن البكاء حتى عندما وعدتها أنني آتٍ إليها من دون تأخير.
في المزرعة أسرعت إلى المخزن، رفعت قضيب الحديد وفتحت الباب. تكلم الروبوت معي بصوت هادئ، لم يخفِ ضيقه. كان صوته يبدو باكيًا حين سألني حول سبب تركي إيّاه في هذا المخزن المظلم، "إنك لم تُرِد أن أنظّف المخزن أصلًا، ولم تعطني مواد التنظيف الضروريّة لكي أؤدي عملًا من هذا القبيل".
اعتذر الروبوت على إيقاف سيارة السيدة. "لم يكن لديّ أي بديل، فكيف سيمكنني الاتّصال بك في هذه المنطقة التي لا يوجد فيها إرسال؟". اتفقنا أن يحررها بعد أن نَدخُل السّيارة، وقبل أن نتحرك نحن، لكي نطمئن إلى إنّها قد غادرت المزرعة بسلام.
على امتداد الطريق إلى المنزل، وكنت في هذه المرة أسوق بأبطأ ما يمكن، كان الروبوت يؤنبني بكلامه: "كان لدي إيمان مطلق بك"، قال لي، "هكذا يعلمنا صانعو أجهزة الروبوت، كما يعلم الجميع. لكنني أتعلم من التجربة، ولن أنسى هذه الساعات التي احتجزتني خلالها في هذا المخزن المظلم، المليء بالغبار والحشرات. وأنا أصلا، كما تعلم، أعاني من رهاب الاحتجاز".
تمالكت شجاعتي لكي أسأله حول صحة قيامه ببث فيلم أظهر فيه مع صديقتي. "آه، هل هذا الذي أزعجك؟"، سألني كما لو إنّه لم يصدّق بأنّ أمرًا تافهًا من هذا النوع قد سبب المشكلة... "كنت بحاجة إلى النّقود. إنّك تريد أن أقوم بتنظيف المنزل يوميًّا، وفي الكثير من المرات تنسى أن تشتري أكياس جمع القمامة."
حين دخلنا إلى المنزل، قمت بفحص الحاسوب مرة أخرى، لكن التّطبيق المضاد للفيروسات لم يكن هناك.



حيفا – كانون الثاني 2018

13/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع