د. بطرس دلّة شابّ في الخامسة والثمانين


د. محمد هيبي


بالحياة وبالأرض
مكرّمنا، إنسان نعتزّ بأنّه قدوتنا، بتواضعه وبتشبّثه بالحياة وبالأرض كجذور الزيتون. ما زال يركب جرّاره ويحرث أرضه. يهتمّ بالزيتون المعمّر، وبـ "نصباته" الصغيرة التي غرسها بيديه. وهكذا هو أيضا، الإنسان ذاته في حقل المعرفة والثقافة والأدب والنقد، كما في حقل الزيتون، يهتمّ بكبار الأدباء والمبدعين، ويرعى شؤون الصغار الناشئين. يقرأهم بمتعة وتلذّذ، يستضيفهم في بيته، أو يذهب إليهم في بيوتهم، يُصحّحهم بتروٍّ ولطف، ويقدّم لهم النصيحة والدعم، ويكتب عنهم ليأخذ بيدهم


ليس صدفة أن يستقطب مكرّمنا هذا الجمع الغفير الطيب، في هذا البلد الطيب المضياف. فأنت حين تدخل كفر ياسيف تنعم بحبّ أهلها وكرم ضيافتهم. ويسعدك أكثر رقيّ أهلها واتساع آفاقهم وتلك الوجبات الثقافية الدسمة التي يُقدّمونها لك، في مناسبات عديدة وفي أكثر من مؤسسة تهتمّ برعاية الإبداع والمبدعين.
ها هو المركز الثقافي في كفر ياسيف، يحتضن اتحاد الأدباء الفلسطينيين – الكرمل، وضيوفه، وضيوف أبي حسام من كفر ياسيف وخارجها، في حفل تكريم عزيزنا البار بأهله جميعا، وكلّنا أهل الدكتور بطرس دلّة، الذي يستحقّ منّا هذا التكريم وكلّ المحبّة والتقدير.
أبو حسام، إنسان معطاء أقف أمام عطائه حائرا: هل هناك قول يُوفّيه حقّه في مثل هذه العجالة؟ لم يسعدني الحظّ أن أتتلمذ عليه في مدرسة "يني"، ولكنّي عرفته من حديث والدي - رحمه الله - فقد كانت تربطه به علاقة طيبة، وعرفته من أحاديث أخوتي وأصدقائي من تلاميذه، فلم تخلُ سهرة من الحديث عن أخلاقه وأفضاله. وقد أبت الحياة منذ عقدين إلّا أن تجمعنا، وفي مناسبات كثيرة، وتوثّقت عُرى الصداقة، فقد التقت أفكارنا في كثير من مجالات الحياة. وربما الأهمّ، هو لقاؤنا في حبّنا للحياة بكل ما فيها من طيبات وخبائث، وطيّبين وخبثاء. ولكنّنا صاحبنا الطيّبات والطيّبين، وقاومنا، ما استطعنا، الخبائث والخبثاء، من غير أن نُنقص أحدا قدره، أو أن ننكر عليه حقّه في الحياة والحرية والموقف.
لم أكن أنا صاحب فكرة التكريم، ولكنّي حظيت بمهمة إقناع المكرّم الذي، من كثرة ما كرّموه، رفض الفكرة تواضعا. ولكن، لأنّنا في الاتحاد القطري للأدباء الفلسطينيين – الكرمل، نعتبره ركنا من أركانه، فهو معنا منذ ولادة فكرة التأسيس، ارتأينا أن يكون مكرّمنا الأول، لأنّه أكبرنا سنّا وقدرا، وأكثرنا همّة ونشاطا. ولرفضه الفكرة، حمّلني الاتحاد مهمّة إقناعه، وما أسعدني بنجاحي، وسعدتُ أكثر بردّه الذي كثيرا ما يقوله لي حين أتوجّه إليه: لن أرفض لك طلبا، وبهذا أراه قد كرّمني وكرّم الاتحاد قبل أن نُكرّمه.
وصحيح أنّنا هذا المساء، نُكرّم شيخ الاتحاد وعزيزه، لبلوغه الخامسة والثمانين من عمره، وتقديرا لنشاطه الاجتماعي والأدبي والثقافي، وكلّنا أمل أن يمدّ الله بعمره ليواصل مسيرة العطاء، ويستمرّ معين إنسانيته ولُطفه وخبرته وثقافته بالتّدفّق. ولكنّ لأصدقكم القول، واستنادا إلى تجربتي معه، وصداقتنا لعقدين من الزمن، لا أشعر أنّنا نكرّم شيخا، أو كهلا، بل نحن نكرّم شابّا في ريعان شبابه، يحبّ الحياة، ويُحبّ من يُحبّها، والأهمّ من ذلك، يعرف كيف يجعلك تّحب الحياة وتتمتّع بخيرات مواردها، وكيف تترفّع عن خبائثها وصغائرها. لذلك، أنا لا أحدثكم الآن عن شيخ نهلنا من تجربته وحكمته ومخزونه الأدبي والثقافي الذي لا ينضب، بل أحدثكم عن شابّ عرك الحياة وعركته مبكّرا، فبلغ كل هذا لأنّه عرف كيف يظلّ على امتداد الحياة، مفعما بها وبحبّها وبحبّ الناس جميعا.
كنّا قبل تأسيس الاتحاد، وما زلنا، هو وأنا، برفقة أصدقائنا المشتركين في "شلّة الأنس"، كلّما جالسناه، أشعر أنّني شابٌّ في حضرة شابٍّ فاقني بما لا يُقاس، تجربة وخبرة. نسامره وننهل من خمرة أحاديثه، وموسيقى ربابته. اقرأوا كتابه "صوت الربابة"، وستعرفون قصصه وحكاياته ومُلَحَه وطرفه التي كلّما أعادها على مسامعنا، نعرف لماذا يعشق الشعراء النبيذ المعتّق ويكتبون فيه قصيدهم؟
ومن باب آخر، وليغفر لي سيّدي المسيح وتلميذه بطرس الرسول عليهما السلام، عندما نتحدّث عن بطرس دلّة، نتحدّث ونحن ندرك جيدا أنّه ليس صخرة صامدة بوجه عواصف الحياة فحسب، بل هو وأمثاله، صخرتنا التي نبني عليها معبدنا المتواضع، معبدنا الذي ندعو فيه للحياة وحبّ الحياة، وللإنسان وحبّ الإنسان، الأنسان الذي وضع الله سرّه فيه، وخلق الكون له ومن أجله، دون تفرقة أو تمييز. وهذا هو مكرّمنا، يُؤمن أنّ الله خلقِ الكون لنا جميعا، وليس لفئة واحدة، فما بالك إذا كانت تدّعي الصلاح وتُنكره على غيرها؟ خلقه للإنسان الذي يستحقّ صفة الإنسانية. وبطرسنا خير نموذج له ولها. وهو أيضا صخرتنا التي بنينا عليها اتحادنا، الذي ندعو إلى حصنه الكتّاب الفلسطينيين جميعا، لتجتمع كلمتنا ونرقى بالإبداع إلى مكانة تليق به وبنا، وبشعبنا الذي يستحقّ أن نكون حماته، وضميره ومرآته، ومطلقي صرخة آلامه، وهاتكي عرض ظُلّامه.
مكرّمنا، إنسان نعتزّ بأنّه قدوتنا، بتواضعه وبتشبّثه بالحياة وبالأرض كجذور الزيتون. ما زال يركب جرّاره ويحرث أرضه. يهتمّ بالزيتون المعمّر، وبـ "نصباته" الصغيرة التي غرسها بيديه. وهكذا هو أيضا، الإنسان ذاته في حقل المعرفة والثقافة والأدب والنقد، كما في حقل الزيتون، يهتمّ بكبار الأدباء والمبدعين، ويرعى شؤون الصغار الناشئين. يقرأهم بمتعة وتلذّذ، يستضيفهم في بيته، أو يذهب إليهم في بيوتهم، يُصحّحهم بتروٍّ ولطف، ويقدّم لهم النصيحة والدعم، ويكتب عنهم ليأخذ بيدهم. انتاجه، النقدي بشكل خاص، يملأ الصحف والمجلّات والكتب. ولا عجب مثلا، فحين أتصفّح بعض الصحف والمجلّات التي نشرت إنتاجه، وأحيانا خصّصت له عددا خاصّا، لتنشر ما قاله وما قيل عنه، أعرف أنّه ليس صحيحا دائما، أنّ الصحف والمجلّات تكتب عنك لترفع من شأنك، بل تكتب عنك لترتقي هي بك ويرتفع بك شأنها. مكرّمنا ينبوع علم ومعرفة، وشجرة حكمة أوراقها دائمة الخضرة، لا تصفرّ ولا تسقط، وأغصانها تنحني للريح تواضعا، لا خوفا.
لذلك، عندما أتحدّث عنه بطرس دلّة، لا أستطيع أن أقول إنّه مؤرّخ أو كاتب أو شاعر أو أديب أو ناقد، إنّه موسوعة تمشي على الأرض، ننهل من يُنبوعها كلّ يوم. والتجربة خير برهان. تعالوا معنا في مجلس من مجالس أنسه، أو قعدة من طيّب قعداته، وسوف تطربون لصوت رباباته، وتنهلون من بنك حكمته ومعلوماته، وتتفكّهون بحلوِ فكاهاته، وتتملّحون بملْح مُلْحاته. وإذا سألتم الكتاب عن عطر كلماته، والمغناطيس عن سرّ تنويماته، والبحور عن نثره وقصيداته، والغواني عن عشقهن غزليّاته، وأرباب الزجل عن نكهة قفلاته، والعازفين عن شدو كماناته، والمطربين عن سحر أغنياته، سوف تخرجون من إحدى عياداته، بوصفة راقية من السحر وعلّاته. جرّبوها، وستحلفون برأس بطرس وحياته، وتغبطون بنيه وبناته، وإن أنسَ لا أنسَ أحلى هالاته.
وكما يُنهي مكرّمنا قوله دائما: له ولكم الحياة.

السبت 6/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع