د. بطرس دلة في الخامسة والثمانين شاب حاتميّ العطاء: لك الحياة.. يا شيخ الشباب!


فتحي فوراني


نبع ثقافي
أشرت إلى "ظاهرة البطرسة" الثقافية..وتمنيت عليها أن تغزو جميع ساحاتنا الأدبية والثقافية.. في وطن الآباء والأجداد. أمامنا حديقة غنّاء حافلة بشتى ألوان الطيف الثقافية والاجتماعية والسياسية..نحن أمام نبع ثقافي ثرّ مشاغب لا يعرف الهدوء،  وما سنطرحه لا يعدو كونه غيضًا من فيض.. ونعترف مسبقًا أننا لا نستطيع "الإحاطة بأخبار غرناطة"



اسمحوا لي أن أعتمر قبعة التكريم، تاركا قبعة النقد الأدبي والنقد الأكاديمي والتقييم والتقويم..إلى آخرين من زملائي على المنصة. ولا يتوهمنّ أحد أنني حيادي..أعلن أمامكم من البداية أنني لست حياديًا..وأنني منحاز إلى عريس التكريم صديقنا "البلدياتي"  الدكتور بطرس دلة..ابن هذا البلد وابن هذا الشعب وابن هذا الوطن.


• وردة في حياته خير من حدائق ورد بعد غيابه


قبل 10 سنوات.. وفي سياق التكريم لأحد شعرائنا البارزين الذين ساهموا في بلورة الهُوية الشعرية في هذا الوطن..جلس الشاعر النصراوي المحتفى به  قبالتي في الصف الأول..وأنا ألقي كلمتي في تكريمه.. فلمحت دموع الفرح تكاد تطفر من عينيه..رأيت أمامي  طفلًا مبدعًا ختم العقد السابع وما زال نبع عطاء ثرًّا، وأشرت في كلمتي إلى شلال الفرح الإبداعي الذي انهمر من عينَي عريس التكريم..وهو يسمع الكلمات المعطرة التي تحلق في سماء الحفل..وحوله مملكة الأبناء والأحفاد وجميع الأحبّة من أقرباء وأصدقاء وكتاب وشعراء من مبدعين وغيرهم.
مشهد جميل نبيل وجليل ومؤثر ومثير وأثير..مَحبّة وبهاء ووفاء..
فجميل أن يكون المبدع شاهدًا حيًّا على حفل تكريمه ونهر الحياة يتدفق في عروقه..فيحياته..وليس بعد غيابه عن المسرح..ووردة جورية  تقدم له في حياته خير من ألف حديقة ورد  تغمر ضريحه بعد غيابه عن هذه الدنيا.
جميل أن يكون فارس الليلة.. "فارسًا" في عرس ثقافي بالبث الحيّ والمباشِر والمباشَر.. يتوّج الأحبّة رأسَه إكليلَ غار..بعد مسيرة أدبية طويلة امتدت على مسافة عقود..وهب فيها شبابه وقلمه لشعبه من أجل حياة مشتهاة.
فشعبنا شعب وفيّ ونبيل..ويعرف كيف يحفظ العرفان للذين ضحّوا بشبابهم وساهموا فيضبط الإيقاع للحركة الأدبية الحافلة بالخيرات من ناحية وبما هبّ ودبّ من ناحية أخرى..
هذا هو المشهد الثقافي بأضوائه وظلاله في ربوع هذا الوطن الجميل..
مِن هؤلاء الذين آلَوا على أنفسهم إلا أن يكونوا حُرّاسًا للكلمة الطيبة..ويتحصّنوا في قلعتها..الدكتور بطرس دلة..عريس هذا المساء.


ظاهرة "البطرسة" الثقافية


ذات عرس ثقافي.. أقيم فيه مهرجان الشعر الغزلي في كفر ياسيف الذي أقام صرحه..وفي هذه القاعة..الحبيب أبو حسام..في ذلك المهرجان تولّيت عرافة المهرجان ودعوت الأحبّة المثقفين إلى المرافقة في "نزهة إلى ربوع جمهورية الغزل"..وأشرت إلى "ظاهرة البطرسة" الثقافية..وتمنيت عليها أن تغزو جميع ساحاتنا الأدبية والثقافية..في وطن الآباء والأجداد.
أمامنا حديقة غنّاء حافلة بشتى ألوان الطيف الثقافية والاجتماعية والسياسية..نحن أمام نبع ثقافي ثرّ مشاغب لا يعرف الهدوء،  وما سنطرحه لا يعدو كونه غيضًا من فيض..ونعترف مسبقًا أننا لا نستطيع "الإحاطة بأخبار غرناطة".
نفتح الملف الذي يزخر بما لذّ وطاب..فتطلّ علينا خارطة الطريق اليومية التي اعتمدها الرجل..منهجًا حياتيًّا  بالغ الدقة والإحكام.

كلهم أبنائي..والصباح رباح
نلتقي في المحطة الأولى بصباح عزّ نظيره
فالصباح رباح..
ينهض الفجر الذي يطلّ خجولًا.. فيتناول الرجل بنهم وجبته الأدبية الأولى..أمامه على الطاولة كومة من خيرات أدبية..رواية أو مجموعة  قصصية أو ديوان شعر وصله مؤخرًا..فيجهز على الكتاب.. ثم يستلّ قلم الحبرالسائل..ويروح يعدو حصانًا أصيلًا في ميادين الإبداع.. فيقتحم ساحات الأبجدية البيضاء..ويطرّز كلمة طيبة.. بخطه الذي تستطيع أن تميزه من بين آلاف الخطوط العربية الجميلة..
يفتح الرجل بوابة خيمته الحاتمية مستقبلًا طلائع الإبداع الواعدة.. ويعلق على صدره شعار الكاتب الأمريكي آرثر ميلر.. ويقولها بفرح  غامر.."كلهم أبنائي".
**
إن شرفات القلب مشرعة.. والقلب مفتوح على مصراعَيه.. ترمح المهرة الإبداعية  في طريقها إلى ملعبه الأدبي..فينهض الحبيب أبًا حانيًا يفتح ذراعيه..لاحتضان البراعم الأدبية الواعدة.
يستقبلها الرجل بحفاوة بالغة..ويأخذ بيدها حتى تقف على قدميها ويصلبّ عودها.. وتكتسب أجنحة تحلق بها في سماء الإبداع..
فصاحبنا مورد عذب..ولذا كان كثير الزحام..وحفل ميدانه ببيدر عامر من الإبداعات الأدبية.. وكم من قلم واعد ورَده.. ولم يصدرعنه إلا وقد حمل في حقيبته "مقدمة" تصدرت الصفحة الأولى لذلك العمل الإبداعي..وتكون فرحة الميلاد!
ويزخر المشهد الأدبي بوابل من الأعراس النقدية.


• عن الأرض والزيتون..حصته من هذا الوطن


وبعد الانتهاء من "وجبة" الصباح الأدبية.. ينبري العاشق القروي ملهوفًا  لموعد صباحيّ يوميّ مع عشيقته المعبودة.. فيذهب لكي يعانق  الأرض وترابها وصخرها وزيتونها..يصلّي في محرابها.. ويشبعها ضمّا ولثمًا ويغمرها عشقًا..إنها حصته من أرض الوطن..ولا يستطيع إلا أن يمارس هذا  الطقس اليوميّ الذي يلامس حدودالعبادة.

تجاوزوا الثمانين والتسعين..وما زالوا شبابًا مرحين
في هذه  المحطة..تفتح أمامنا الأبواب..فنلتقي  جنة تزخر رجالًا من ذهب.إنهم رجال الله وجِمال المحامل الذين يحملون على كواهلهم جبالًا.
يأبى الشيوخ الذين انطلقوا بهمّة الشباب وانضمّوا إلى موكب الجيلالذهبي..
يأبى هؤلاء إلا أن يكون شيخ الشباب أبو حسام..خادمهم..فخادم القوم سيدهم..
ويبايعون الرجل قبطانًا لسفينة الشباب المتنكرين بأقنعة الشيوخ الأجلاء.
وتمخر السفينة عباب  البحر..ولا تعبأ بعواصف العمر التي تقصم الظهر.. ولا تبالي بإنذاراته وبطاقاته الصفراء والحمراء.


• هذا الرجل له في كل عرس قرص


في كل عرس ثقافي يكون لأبي حسام  أكثر من قرص..
فما أكثر الأعراس.. وما أكثر الأقراص!
حيثما فتحت صفحة أدبية أو ثقافية في إحدى صحف هذا الوطن.. فلا بد أن تجده أمامك..ولا مهرب لك..
إنه هنا..وهناك..وهنالك..وفي الجهات الأربع..وفي كل منبر من المنابر على الخارطة الثقافية  في هذا الوطن..يستل من جعبته الموسوعية  مقالة تطمح لأن تكون نقدًا لرواية أو ديوان شعر.. أوطرحًا لمسألة أو ظاهرة أدبية أو اجتماعية تثير جدلًا واهتمامًا على الساحةالثقافية.
وحيثما يذهب الرجل يلاحقه صديقه الأبشيهي معانقًا  "مستطرفًا في كل فن مستظرف"..
وكأني بعمّنا الأب شيهي يسلم الأمانة للشاب الجليل..الذي أطلعه تراب الجليل..


• دعوا جميع الأزهار تتفتح


يُسأل السؤال: هل صاحبنا صاحب مذهب من مذاهب النقد الأدبي؟
وسرعان ما يهلّ الجواب: ليس الرجل صاحب مذهب في النقد الموضوعي.. وهو لا يدّعي ذلك.. فطبيعته الإنسانية تحلّق فوق حدود النقد الأكاديمي ومساطرهالفولاذية العابسة والصارمة.
ففي الصراع بين القلب والعقل..على حلبة النقد الأدبي..غالبًا ما تكون الغلبة للفريق الأول.
صاحبنا ذوّاقة للأدب الجميل.. ويؤمنبالشعار الثوري الذي رفعه ماو تسي تونغ.. وطرّزه على رايته  بحروف من ورد جوري.. "دعوا جميعالأزهار تتفتح"!
ويزخر المشهد الأدبي بوابل من الأعراس النقدية التي تتدفق من ورشة الرجل.


• عن العلاقة الحميمة مع  العم سيبويه


لقد حرص  الرجل على هذه العلاقة..وصانها برمش العين..ولم يشأ صاحبنا أن يستفز صاحبه..فكان يحسب له ألف حساب.. وكان يتربص بالخطايا  اللغوية ويعاقب مرتكبيها بخمسين جلدة ناعمة!
فبالإضافة إلى  ذائقته الأدبية واللُغوية، يملك الرجل معرفةنحْوية لافتة.. في هذا الزمن الرمادي الذي أصبح فيه سيبويه يُستشهد آلاف المرات كليوم.. وأصبح  المشهد الثقافي حافلًا بالأخطاء والخطايا والضحايا الأدبية واللغوية التي تملأ الشوارع..
وأصبح جدّنا المتنبي يعيش غربة قاتلة.. يتسكع على أرصفة اللغة المشوهة المعاقة.. ويجلس كالأيتام على مآدب "الآخرين" من "أبناء العم" الذين حاولوا دفنه حيًّا..فتكرّموا علينا بـ"قانون القومية"..وهو قانون مثله ما غنّى المغني!


• نحن أمام  غابة من الأسئلة


نفتح الستار..فإذا بنا أمام غابة من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة.
لم يترك الرجل  حديقة ثقافية أو سياسية أو اجتماعية تعتب عليه.
تعالوا نسأل!
• من ذلك الطالب الذي أتقن رياضة القفز العالي.. فقفز من الصف التاسع وحلق عاليًا وإذا به  في الصف الثاني عشر.. متجاوزًا الصفين العاشر والحادي عشر؟
• واسألوا.. مَن ذلك الطالب الذي تخرج من مدرسة التخنيون الثانوية الصناعية..فتعلم سنتين وحصل على شهادة حداد مؤهل تزينها درجة  من المرتبة الأولى؟ فكيف عملها؟ كيف؟
• اسألوا العتابا والميجنا والمواويل التراثية..مَن  ذلك الراعي البطرسي..الذي يصدح صوته ليروي أرض الشعر العطشى.. ويهيّج الحنين القاتل إلى أيام الزمن الجميل!؟
• إسألوا الكمان.. من ذلك  العازف الماهر الذي يداعب أوتاره ويغازلها كل مساء.. محاطًا بأقمار العاشقين الزهراء؟
• اسألوا الخليل بن أحمد الفراهيدي: من الذي "ركب البحر".. فاعتلى الأمواج المشاغبة وحاول كبحها وترويضها..وعاد من رحلته البحرية سالمًا غانمًا..وقد خبّأ في جعبته قصائد ومقطوعات من  الشعر الطريف.. والزجل الفولكلوري الظريف؟
•  اسألوا.. إذا اجتمع إخوان الصفا وخلان الوفا..من ذلك النجم خفيف الظل.. وزينة المجالس الأدبية..الذي يستل من كنانته..الطرفة الأدبية الجميلة تلو الطرفة؟
تتوالد الطرائف..وتتكاثر مثنى وثلاث ورباع..ويفيض  النهر البطرسي.. ويغمر الضفتين..
• واسألوا "ساحة" البلياردو الخضراء وكريّاتها العاجية البيضاء والحمراء والسوداء.. التي تكرج كرجًا وتسرح وتمرح راقصة على بساط مخملي أخضر.. اسألوها: من ذلك   الفارس الذي أثار بينها الصراعات والنزاعات والصدامات.. التي كانت  تنتهي  بصافي يا لبن.. دون أن تسفك قطرة دم واحدة؟
• اسألوا الأسماك المدللة التي تلعب مع أمواج البحر الأزرق.. مَن ذلك الصياد الذكي المراوغ..الذي يجلس على الصخرة الرمادية حارسًا  لشاطئ  البحر.. ليعود بشبكة حبلى بالأسماك الحمراء؟
تواصل الأسماك مسيرتها..لتصبح سيدة المائدة وزينتها..وإلى جانبها ما تيسر من بنات العناقيد النواسية.
• واسألوا..من ذلك الشاب المثقف الذي وضع في حقيبته ست لغات.. عدّا ونقدًا؟
هذاما همسته في أذني عصفورة خضراء.. ولا أدري كيف ومن أين جاءت!
• واسألوا.. مَن ذلك الطالب الجامعي الذي حصد ست جوائز امتيار من الجامعة العبرية في زهرة المدائن؟
• واسألوا..من ذلك الذي نضا عن ساعديه..ولعب دورًا رياديًا  في إقامة أول لجنة للطلاب العرب في الجامعة العبرية؟
• واسألوا.. من ذلك المعلم الذي تقاعد ولم يبق قاعدًا..فرأس جمعية "إخوتي أنتم"؟
• واسألوا..من الذي خاض معركة ضارية.. مدعومًا بشعبه.. ضد سياسة وزارة المعارف التي وضعت الألغام البيرقراطية في حديقته.. وحاولت اختطاف الرسالة التربوية من حقيبته؟
يقول الراوي الذكي: إن الوصول إلى المنبر التربوي  وتعليم الأجيال الصاعدة تاريخ آبائها وأجدادها ولغتها القومية الجميلة.. أمور يحظر الاقتراب منها..وتشكل خطرًا على أمن الإمبراطورية العظمى!
**
لقد تعبت الأسئلة من أسئلتها..وما تفنى العناقيد!
لقد آن الأوان..لأن نختم الكلمة بمسك الختام!
**
فيا حبيبنا أبا حسام.. نتمنى لك الصحة والعافية وطول العمر
دمت لنا ديمة سكوبًا  ونبعًا حاتميّ العطاء..
دمت لنا قلمًا  شابًّا  دائم الخضرة والبهاء!
لقد عوّدتنا أن تختم مقالاتك بالدعاء الذي أصبح أيقونة بطرسية مميزة..وسمتَ بها مئات النصوص والأعمال الأدبية..فوضعت يدك على رأسها.. وباركتها بالدعاء "لك الحياة"!
اسمح لنا.. هذه المرة..أن نردّ لك التحية.. بمثلها أو بأحسن منها..لك الحياة.. لك الحياة..لك الحياة.. يا شيخ الشباب!

السبت 6/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع