فيما يلي ثلاث من الكلمات التي ألقيت في حفل تكريم الدكتور بطرس دلّة لبلوغه الخامسة والثمانين من عمره: الدكتور بطرس دلة: حكاية جيل


إبراهيم طه


النقد الموجز
قسّم العرب الكلام إلى ثلاثة أصناف: إما أن يكون الكلام على المساواة أو الإطناب أو الإيجاز. أما المساواة فهي ما جاء المعنى فيها على قدر الكلام بالضبط لا يزيد ولا ينقص. وقالت العرب إنّ هذا النوع من الكلام لا يحتاج إلى ملكة لغوية خاصة. أما الإطناب فهو ما طال الكلام فيه وفاض عن المعنى، أي كثر لفظه وقلّ معناه. وقد كره العرب هذا النوع واعتبروه ثرثرة وإطالة، وفي الإطالة ملالة. أما الإيجاز فهو ما قلّ لفظه وكثر معناه. وقد أحبّ العرب هذا النوع وفضّلوه على كلّ أنماط التعبير الأخرى وكتبوا فيه الكتبَ الكثيرة، حتى أنهم أقاموا البلاغةَ كلها على الإيجاز..


السلام عليكم،
احتفالنا في هذا اليوم هو أقلّ الواجب، هو واجب لا يسقط بالتقادم، ولا يجوز التحلّل منه بالاعذار، هو واجب الشكر غير الممنون للمربّي الأديب الدكتور بطرس دلّة – أبو حسام. وأبو حسام يحمل قصّة جيل بكامله... وإذا كنا نتحدّث عن جيل فاسمحوا لي بهذه المناسبة الطيّبة أن أبعث باسمنا جميعًا تحيّة من القلب لصديقه وابن صفّه ورفيق دربه الشاعر العروبي الأصيل أحمد الحاج "أبو نزار". وهو من روّاد هذا الجيل الجليل!
وحين أقول إنّ الدكتور بطرس ورفاقه يحملون قصّةَ جيل أذكّر بما يلي: كانت النكبة عام 48 صدمة قوية بكلّ المعايير... هُجّر من هُجّر  من الكتّاب والمثقّفين ولم يبق منهم إلا قلّة قليلة. أصابت هذه الصدمة من بقي منهم بشيء من الصمت المؤقّت فمرّت خمسة أعوام لم يُنشر فيها كتاب واحد بالعربية، حتى نشر المرحوم جورج نجيب خليل مجموعته الشعريةَ الأولى "ورد وقتاد" عام 1953. وكانت هذه المجموعة أول كتاب كامل يُنشر في مجال الأدب... بعدها بالضبط بدأ هذا الجيل ينهض في أواسط سنوات الخمسين، بدأوا يخرجون للدراسة في الجامعات، أسمّيها فترة الخروج، الخروج من حضانة الفلاحة والريف البسيط. والخروج للدراسة في الجامعات في تلك الفترة الحرجة وفي تلك الظروف القاهرة هو في ذاته مغامرة وطنية من المقام الأول. بدأ هذا الجيل ينهض من قلب الرماد وقلب التراب ودرس ودرّس حتى وصلنا بفضل هذا الجيل الجليل إلى ما وصلنا إليه اليوم من إنجازات أدبية وثقافية وعلمية مشرّفة...
يمدّني بالقوّة والطاقة هذا التوقّد الشبابي الجامح والمشاكس يا دكتور بطرس. لا يكلّ ولا يملّ، يكتب باستمرار، يشارك باستمرار في كلّ حفل ثقافي، ناشط فاعل في اتحاد الكرمل للأدباء... ومن أين لي هذا الجموح وهذا الشُبوب؟! فتحيّة لك يا دكتور، تحيّة من كهل في الثامنة والخمسين إلى شابّ في الخامسة والثمانين! 
أقرأ جُلّ ما يكتبه الدكتور بطرس في الاتحاد منذ بدأ الكتابة فيها. وقرأت أيضًا ما وصلني من كتبه الأدبية وقرأت الملفّ الخاصّ الذي حضّره عنه الصديق الأديب محمد علي سعيد في مجلة الشرق عام 2011، فاستمتعت وأفدت. أقول ما أقول في خمس نقاط مركزية أذكرها باستعجال:
النقطة الأولى في الشمولية الموسوعية. يكتب الدكتور بطرس عن كلّ كتاب يصله في كلّ المعارف: في الشعر والقصة والرواية والنقد والتاريخ والسياسة... حتى أنه يستعرض كتبًا كُتبت أصلا بالعبرية والإنجليزية. هذا هو البعد الشمولي في كتابات الدكتور بطرس. وهذه الشمولية المعرفية هي ثقافة موسوعية عامة في توجّهها وليست اختصاصية جزئية.
النقطة الثانية في النقد الثقافي. الدكتور بطرس يعرف النظرياتِ الأدبيةَ الأساسية. رغم ذلك فهو لا يدّعي أنه ناقد منهجي أو مذهبي أو أكاديمي إن شئتم. كما قلت توجّهه ثقافي شمولي موسوعي. هو لا يدعي ذلك وأنا أرى حاجة ملحّة لمثل هذا النقد الثقافي التثقيفي. (وهو بالمناسبة امتداد طبيعي للنهج النقدي الذي كان حاضرًا بقوّة في الاتحاد منذ سنوات الستين إلى سنوات الثمانين). ينشر الدكتور بطرس في جريدة الاتحاد، وهناك شريحة واسعة من قرّاء الإتحاد، شريحة مثقّفة لكنها غير متخصّصة في الدرس الأدبي والثقافي، هذه الشريحة العريضة تُقبل على مقالات الدكتور بطرس لأنها لا ترهقهم بالمصطلحات ومتاهاتها. وقد سمعت هذا الكلام من بعضهم غير مرّة. والدكتور بطرس يرى من واجبه أن يكتب لهذه الشريحة من القرّاء.
النقطة الثالثة في النقد الموجز. قسّم العرب الكلام إلى ثلاثة أصناف: إما أن يكون الكلام على المساواة أو الإطناب أو الإيجاز. أما المساواة فهي ما جاء المعنى فيها على قدر الكلام بالضبط لا يزيد ولا ينقص. وقالت العرب إنّ هذا النوع من الكلام لا يحتاج إلى ملكة لغوية خاصة. أما الإطناب فهو ما طال الكلام فيه وفاض عن المعنى، أي كثر لفظه وقلّ معناه. وقد كره العرب هذا النوع واعتبروه ثرثرة وإطالة، وفي الإطالة ملالة. أما الإيجاز فهو ما قلّ لفظه وكثر معناه. وقد أحبّ العرب هذا النوع وفضّلوه على كلّ أنماط التعبير الأخرى وكتبوا فيه الكتبَ الكثيرة، حتى أنهم أقاموا البلاغةَ كلها على الإيجاز.. يدرك الدكتور بطرس أهمّية الحشد في الإيجاز أثناء حديثه عن مجموعة شعرية بعنوان "صارخ في البريّة" لشفيق حبيب: "دور الكلمة في الشعر أن تتجاوز معناها الحقيقي الذي وجدت من أجله إلى ما هو أكبر وأعمق، فالكلمة يجب أن تعلو على ذاتها، وأن تزخر بأكثر ممّا وجدت له، وأن تشير إلى ما هو أكثرُ من مدلولها الحقيقي".  يميل الدكتور بطرس إلى الإيجاز في كلّ كتاباته. وهذا يوافق توجّهه الشمولي الثقافي. في مثل هذا التوجّه لا يستطيع الكاتب أن يكتب الدراسات والأبحاث المطوّلة. أبو حسام أقرب إلى الإيجاز من الإطالة. ألم يقل الجاحظ في البيان والتبيين: "لكلّ كلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية". مقالات الدكتور بطرس برقية مباشرة.
النقطة الرابعة في الاحتفال بالشباب. الدكتور بطرس لا يُغفل الكتّاب الشباب، يحرص على تشجيعهم بالكلمة الطيّبة، يحضّهم على مواصلة الكتابة، يمدّهم بالأمل والطاقة. لا يتردّد في أن يقرأ كتابًا لشابّ غضّ. وهذه ميزة حميدة ورسالة ثقافية ووطنية، وهي لا تكون إلا لمن خبر التدريس وأحبّ المهنة. يعامل هؤلاء الكتّابَ كما لو كانوا طلابَه، بحنوّ وترشيد.
في نهاية سنوات السبعين ومطلع سنوات الثمانين كتبت رواية قصيرة وبعض القصص القصيرة جدًا وقصيدة واحدة يتيمة.. حاولت مرّة أن أنشرَ بعضها، من باب فتح الطريق أو جسّ النبض، فلم أوفّق. تعثّرت محاولاتي الأدبية الإبداعية، ومن أول غزواتي تركت الشعر والسرد وذهبت إلى النقد... ولو كنت أعرف الدكتور بطرس وقتها لكنت اليوم روائيًا أو شاعرًا.. ومن يدري؟
النقطة الخامسة في النقد المؤدّب. أبو حسام مؤدّب في كتاباته، كما في حياته، رقيق، حييّ. الأسلوب هو الإنسان والإنسان هو أسلوب. لكنّ هذه الرقّةَ وهذا الحياء لا يجعله يغبن الحقيقةَ أو قول الحقيقة. الدكتور بطرس لا يخاف الحقيقة، وهذه حقيقة فعلا، لكنه يحتال عليها بأدبه المعهود. هذا الأسلوب يوفّق بين نقيضين تقريبًا. من جهة أولى لا يتوانى عن المصارحة بالحقيقة هنا وهناك، والصراحة تؤلم في بعض الأحايين، ومن جهة ثانية يعرف كيف يلُفّ هذه الصراحة بكلام رقيق، يُتبعها ببعض المهدّئات. وهو أسلوب صعب. لا يتقنه كثيرون. أنا لا أتقنه. ليتني كنت قادرًا على ذلك! اسمعوا مثلا على ذلك وهو ينتقد مسألة الوضوح في قصص محمد علي سعيد في مجموعته القصصية "أحمد ومردخاي". يقول الدكتور بطرس: "ولو كان عزيزنا محمد قد تدخّل من طرف خفي واكتفى بالتلميح لا التوضيح لكان ذلك مستلطفًا محبّبًا لجمهور القرّاء ولكان فيه احترامٌ أكثرُ لعبقرية القارئ كائنًا من كان".
وفي الأخير، أدعو لك يا دكتور بطرس بدعاء هو أبلغُ دعاء تفتّقت عنه قريحة العرب حتى جعلوه من جوامع الكلم: "هدأة البال"




السبت 6/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع