يومٌ صار أنصابًا وإضرابًا وذكرى..


أسعد موسى عودة


ماتوا لنَحيا؟!
جاء العُنوان الصِّحافيّ بالبُنْط العريض، من عدد "الاتحاد" الخاصّ، مع صور الثّلاثةَ عشَرَ مَشعلًا من نور: "ماتوا لنَحيا"!!! فهل، فعلًا، ماتوا لنَحيا؟! هل كنّا أهلًا لهذه التّضحية؟! هل أصبحنا مجتمعًا أكثر تَوادًّا وتراحمًا؟! هل صرفنا العنف من شوارعنا وحاراتنا وبيوتنا؟! هل تشبّثنا أكثر بلغتنا وثقافتنا وحضارتنا؟! هل بات الكبير منّا يرحم الصّغير، وهل بات الصّغير منّا يعرف حقّ الكبير؟! هل أصبحنا جسدًا واحدًا وعقلًا واحدًا وضميرًا واحدًا وبوصلة واحدة، تصوّب صوب أهدافٍ لنا ساميةٍ وعُليا..


كنتُ حينَها، في الفاتح من تشرينَ الأوّلِ من العام ألفيْن،في مقتبَل العشرينيّات من عمريَ الحَرون، محرّرًا لغويًّا وعينًا ساهرة فاحصة في جريدة "الاتّحاد" الغرّاء، فكنت شاهدًا حيًّا على أحرارٍ وحرائر، يمارسون العمل الصِّحافيّ المنهجيّ المهْنيّ، بروح عاليةمن الالتزام الوطنيّ، الواعي والمسؤول في تلك الظّروف العصيبة الّتي عصف فيها الطّغيان في البلاد، من شتّى جهات الرّيح، صَبًا ودَبُورًا وشَمالًا وجَنوبًا.
كانت تأتينا الأخبار تَتْرى، فكنّا نلوك الألم ونحبس الدّمع والأنفاس، ونسجّل بحبر العَدَم للتّاريخ وللنّاس تفاصيل يوم أرض جديد، قد صار أنصابًا وإضرابًا وذكرى.وقد جاء العُنوان الصِّحافيّ بالبُنْط العريض، من عدد الجريدة الخاصّ، مع صور الثّلاثةَ عشَرَ مَشعلًا من نور، الّذين كانوا قد ارتفعوا شهداء، ضحايابَطْشِ سُلطانِ الوَحْش: "ماتوا لنَحيا"!!!
فهل، فعلًا، ماتوا لنَحيا؟! هل كنّا أهلًا لهذه التّضحية؟! هل أصبحنا مجتمعًا أكثر تَوادًّا وتراحمًا؟! هل صرفنا العنف من شوارعنا وحاراتنا وبيوتنا؟! هل تشبّثنا أكثر بلغتنا وثقافتنا وحضارتنا؟! هل بات الكبير منّا يرحم الصّغير، وهل بات الصّغير منّا يعرف حقّ الكبير؟! هل أصبحنا جسدًا واحدًا وعقلًا واحدًا وضميرًا واحدًا وبوصلة واحدة، تصوّب صوب أهدافٍ لنا ساميةٍ وعُليا، في هذا الوطن الّذي لا وطن لنا سواه، والّذي أمسينا فيها أضْيعَ من الأيتام على مآدب اللّئام؟! أم أنّنا لا نزال حمائل وقبائل، مرائين ومنافقين ومنتفعين؛ يأكل منّا القويّ الضّعيف، فيسلبه الرّغيف؛ ونُريق بأيدينا دماء أهلينا في الشّارع وعلى الرّصيف، ونبتعد قدْر المستطاع؛ "بعّد بعّد" عن شيء اسمه لغة عربيّة، في مدارسنا الرّسميّة والأهليّة، بأيدي الكثير من مفتّشينا ومرشدينا ومديرينا ومركّزينا ومعلّمينا وطلّابنا وأهلينا، إلى أن صحَوْنا على "قانون القوميّة"، فخجلنا وأعلنّا– من باب ردّ الفعل ورفع العتب، يا لَلْعَجب!–أنّ هذا العام سيكون "عام اللّغة العربيّة"! "فلْيحيَ، إذًا، قانون القوميّة"!!!
أمَا آنَ لأحزابنا السّياسيّة، ولأُطُرنا التّنظيميّة المهْنيّة والاجتماعيّة والدّينيّة، ولجمعيّاتنا الأهليّة، ولصِحافتنا المحلّيّة والقطريّة، ولمدارسنا الرّسميّة والأهليّة،أن تعود إلى لعب دورها الرّياديّ، أو أن تلعب دورًارياديًّا في تربية مجتمع عربيّ فِلَسطينيّ، يعي أنّه مجتمعٌ إنسان، صاحب لغة وصاحب ثقافة وصاحب حضارة، صاحب حقّ وصاحب أرض سُلبَ معظمَها، لكن اختار أن يبقى على ما بقي له منها، في دولة اختار أن يكون جزءًا منها، وأن يُثري خِزانتها بنحو أربعين مليار شاقل جديد[!!!] من الضّرائب كلّ عام؛ وليس مجتمعًا فاقد العلم والوعي، مشلول الإرادة، سليب القدرة، يستعطي ويستجدي، مترنّحًا عند عتبات غفير الوزير، ليرمي له اللّئيم الفتات؟!
نعم، فينا من الأفراد الكثير الكثير، من هُم مَفخرة في كلّ مجال وعلى أيّ صعيد، يجترحون البطولات، علمًا ومالًا، بشرف ونظافة يد، ولكنّنا كجُملة مجتمع نحن بحاجة إلى مخلّص ينتشلنا من هذا الوحل إلى الأبد، لنبني لنا المجد؛ "بالعِلمِ والمالِ يَبني النّاسُ مُلكَهُمُ \ لم يُبنَ مُلكٌ على جَهلٍ وإقلالِ".
شكرًا لك أخيَ المناضل النّائب أيمن عودة؛ على ما فعلت وتفعل وستفعل، بوعي وحنكة وشرف ونظافة يد؛ على أن استللتَ من أنياب نتنياهو ووزير ماليّته قرار الحكومة 922 غير المسبوق، القاضي بضخّ خمسة عشَر مليار شاقل جديد للبلدات العربيّة في البلاد بأجهزتها الحياتيّة المختلفة، على مدار خمس سنوات حتّى سنة 2020، والّذي بِتنا نرى أثره في أعمال التّطوير الكبيرة والكثيرة الّتي تشهدها بلداتنا العربيّة دون المدن المختلطة، الّتي لم يشملها هذا القرار الحكوميّ، بعد مرور نحو سبعين عامًا على ميلاد أوّل حكومة في إسرائيل. ولكنّ هذا المبلغ – قرّائيَ الأعزّة –والّذي سيعود بالفائدة، أصلًا، على اقتصاد إسرائيل، يظلّ أقلّ من نصف ما تكنزه خِزانة الدّولة منّا، عامًا بعد عام [!!!] أرأيتم كم نحن أصحاب حقّ كبير؟! فمهما فعلوا ومهما قدّموا، أيًّا، كانوا، رؤساء حكومات أو رؤساء بلديّات أو وزراء، أو ما شئتم ومن شئتم من هذه المسمّيات وأصحاب هذه الصّفات، فسيظلّون لئامًا ومقصّرين؛ وكم بالحريّ إذا ما أضفنا إلى ذلك الغُبن التّاريخيّ، المتمثّل بنكبتنا؛ الّتي بنَوا عليها استقلالهم وأوّل ميزانيّة دولة لهم؛ بتشتيت بيوتنا وإرهاب نسائنا وأطفالنا وسلب خيراتنا وأموالنا.
ولكنّ المهمّ والأهمّ، قَبْلًا وخِلالًا وبَعْدًا، أن نلتفت نحن إلى أنفسنا بأنفسنا، بقامات منتصبة ورؤوس مرفوعة، وأن نقلع منّا كلّ شرّ، وأن نزرع فينا كلّ خير، وأن نتسلّح بالخُلق الحسن وبالعلم النّافع وبالوعي الحادّ، وبمبادئ الشّرف ونظافة اليد بلا حدّ، وبقيم الإيثار والعطاء وأولاد البلد، عسانا، يومًا، فعلًا، نكون؛ وإلّا فهذه ستكون نكبتنا الكبرى بفعل أيدينا الصّغرى.
هذا، أيّها الأعزّة؛ وعن معارك انتخابات البلديّات وغيرها من المسرحيّات، لنا لقاء وحديث في الأعداد القادمة بإذن الله تعالى، داعين الله– عزّ وجلّ – أن يُرِيَنا الحقّ حقًّا ويرزقَنا اتّباعه، ويُرِيَنا الباطل باطلًا ويرزقَنا اجتنابه.


*مِن فَطانة العرب:


سُئِل بعضُ العرب: ماذا تسمّون طعامكم هذا؟ [وقد كانوا يَحْتَسون الشَّوْرَبة] فأجابوا: السَّخين. فثنّوا عليهم بالسّؤال: فإذا برد؟ فأجابوا: لا ندعُه يبرد.
قال أحدُنا لأحدِنا: أنتم آخرُ من دخل فيها [...]؛ فردّ عليه الأخير في الحال: وأنتم أوّل من خرج منها [...].

حِكمة الأسبوع:
رُبّ معصية أورثتْ ذُلًّا وانكسارًا خيرٌ من طاعة أورثتْ عِزًّا واستكبارًا! فأنْعِم علينا اللّهمّ بطاعة واعية مسؤولة،خالصة مخلصة،طاهرة منكسرة، لوجهك الكريم، آمين يا ربّ العالمين!
ولِي عودة منكم إليكم أيّها الأعزّة – إن شاء ربّ العزّة – للحديث، أبدًا، عن لُغتنا ونحْن.



الكبابير \ حيفا

06/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع