سوق عكاظ في الأمم المتحدة


تميم منصور


لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي يا سيادة الرئيس


آليات القوة
خطاب محمود عباس في الأمم المتحدة، ذكرنا بخطاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، من فوق المنصة ذاتها، في شهر تشرين الثاني عام 1974، لقد اعتلى ياسر عرفات منصة الأمم المتحدة قويًا شامخًا، لأنه كان لا يزال يمسك الثوابت التي تحدد مصير الشعب، وقف وفي يده الكثير من آليات الضغوط والقوة التي يملكها الشعب الفلسطيني  مثل قدرته على الاستمرار بإشعال فتيل الثورة  في كل مكان، وقف ياسر عرفات  وهو يدرك بأن القضية الفلسطينية تحتل الأولويات من الاهتمام في اذهان الشعوب العربية وغير العربية.



خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة والتي تعقد مرة كل سنة - اذا لم تكلف بالانعقاد بصورة طارئة -  خلال هذه الاجتماعات تتحول هذه المؤسسة الدولية القوية والضعيفة في آن واحد الى سوق عكاظ خطابي سياسي، يتبارى ويتنافس عشرات الخطباء، كل واحد منهم يمثل دولته. من هذه الخطابات ما هو استسلامي ضعيف مشبع بالنفاق، خاصة لامريكا وغيرها من الدول، ومن بين هذه الخطابات ما يكون متزنًا قويًا رصينًا معبرًا، ينم عن التحدي للقوى العالمية المهيمنة.
كل السنة لا بد أن يكون هناك وجوهٌ تقف على شفرة التحدي، مثلًا هذه السنة الخطاب الذي القاه الرئيس الايراني، حيث تحدى فيه الغطرسة الامريكية، وأبلغها ان ارادة الشعوب لا تكسر.
 لكن بكل أسف نقول بأن غالبية القادة العرب الذين تحدثوا منذ سنوات سابقة، وهذه المرة داخل هذه السوق عكست خطاباتهم مواقفهم وشخصياتهم المتآكلة الهشة، عبروا في كلماتهم عن طاعتهم للمحور الامريكي، كما عبروا عن عجزهم وخداعهم لانفسهم ولشعوبهم، أوكلوا الحكم على ما تحدثوا به لامريكا وليس لشعوبهم، وقد أعدوا اعلامهم لاجترار ما جاء في هذه الخطابات لنفخها مع أنها خالية من كل مضمون، نستثني من هؤلاء وزير خارجية سوريا، احدى دول محور المقاومة، فقد تحدث بلغة المجرب القوي الرافض للاستسلام، المدافع عن حقه في الاستمرار بمحاربة الارهاب، وتحرير الجولان المحتل.
أما كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس  فقد كانت المفاجأة للهشاشة والدوران في دائرة الضعف، حتى أن بعض المواقع سارعت  الى نقل ما قاله وزير خارجية فنزويلا الذي عبر عن حزنه عندما استمع الى خطاب محمود عباس رئيس دولة فلسطين، فهمس في اذن زميله متسائلًا: هل من جديد في خطاب عباس، ماذا يريد ؟ كما ان الوزير الفنزويلي انتقد السيسي لأنه لم يذكر فلسطين ومأساتها في خطابه.
  حقيقة ان خطاب رئيس دولة فلسطين لم يكن على مستوى الأحداث، ولم يصل الى قاع المأساة التي يعيش بها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة  وفي الضفة المحتلة، وفي كل مكان اجمع الكثيرون من أصدقاء الشعب الفلسطيني على ذلك. والشيء بالشيء يذكر، فخطاب محمود عباس في الأمم المتحدة، ذكرنا بخطاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، من فوق المنصة ذاتها، في شهر تشرين الثاني عام 1974، لقد اعتلى ياسر عرفات منصة الأمم المتحدة قويًا شامخًا، لأنه كان لا يزال يمسك الثوابت التي تحدد مصير الشعب، وقف وفي يده الكثير من آليات الضغوط والقوة التي يملكها الشعب الفلسطيني  مثل قدرته على الاستمرار بإشعال فتيل الثورة  في كل مكان، وقف ياسر عرفات  وهو يدرك بأن القضية الفلسطينية تحتل الأولويات من الاهتمام في اذهان الشعوب العربية وغير العربية.
اعتلى عرفات المنصة لإسماع صوت فلسطين لأول مرة، ليس من داخل مغارة أو موقع عسكري بل من فوق اهم منصة دولية عالمية، الجميع رأى به ثائرًا قبل ان يكون سياسيًا  يرتدي زي الثورة، وأهم ادواتها على خاصرته. لا زالت كلماته خالدة اشتقها من قاموس جمال عبد الناصر عندما قال أمام الملأ أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنقاتل و سنقاتل ومن رمز الثورية جيفارا  والبطل كاسترو، والجنرالات السوفييت الذين قاتلوا في مدينة ستالينغراد.
 عند خطاب ياسر عرفات كانت قاعة الاجتماعات غاصة بالحضور وممثلي الاعلام، الكل جاء يسمع رمز فلسطين لأول مرة في التاريخ، اضطر العالم الى سماع هذا الصوت الذي يجمع ما بين القوة والسياسة.
وقف متحديا الصهيونية ومن يقف وراءها وقال موجهًا حديثه الى رئيس الجمعية: جئتكم سيدي الرئيس: أمسك بندقية الثورة في يد وأمسك في اليد الثانية غصن الزيتون رمز السلام، ردد هذه العبارة ثلاث مرات قائلًا (لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي يا سيادة الرئيس) لا زالت هذه العبارة محفورة في أذهان العالم حتى اليوم.
اذا قارنا خطاب عرفات مع خطاب محمود عباس الأخير وغيرها من الخطابات، نترحم على انفسنا وقياداتنا.
 مضى على خطاب عرفات 44 عامًا، تراجع خلالها الشعب الفلسطيني بدلًا من أن تتحسن حالته ويحصل على المزيد من الانجازات، الشعب الفلسطيني أصبح الوحيد في العالم الواقع تحت الاحتلال، يلعب بمصيره الدول العربية والدول الغربية وجامعة الافلاس العربي، وقياداته المتباينة.
أجمع كل المراقبين أن خطاب عباس ما هو الا تكرار لخطاباته السابقة، خطاب يعبر عن حالة الافلاس وفقدان البوصلة، لأن القيادة الفلسطينية فرطت بالكثير من الثوابت الضاغطة الهامة، تخلت عن المقاومة المسلحة بعد اوسلو، وبعد الانتفاضة الأولى والثانية رفعت شعارًا مبهمًا  الدعوة للانتفاضة الشعبية، لكن كيف ؟ لا أحد يعارض الكفاح السلمي، ولكن توجد قواعد وأسس ومعايير لمثل هذا النضال، من ينادي بها عليه ان يفتح لها الآفاق، عليه ان لا يقمع المظاهرات المعارضة، عليه ان لا يتعاون مع الاحتلال، الانتفاضة الشعبية كلمة حق لكنها لا زالت مع وقف التنفيذ.
أعلن في خطابه أنه على استعداد للعودة  للمفاوضات السؤال  مع من ؟ على أن تكون تحت مظلة دولية، هذا حلم، انها اقتراحات سريعة الذوبان كما يذوب السكر في حليب فاسد..لا أحد يهتم بها.
 حاول ان يستل من سلة الثوابت المتبقية بين يديه، التراجع عن الاعتراف باتفاق اوسلو، الكل يعرف بأن هذا التهديد أجوف  وان عباس عاجز عن تنفيذه، وان الأوصياء عليه في الجامعة العربية لم ولن يسمحوا له بذلك.


06/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع