قانون القومية: المظاهرة الكبرى والأسئلة الكبرى أمام الجماهير العربية (1)


حسن مصاروة


التطور الطبيعي
نحن لسنا مجموعة من الباحثين جئنا بعد مئة سنة من سن القانون لنقارن بينه وبين وثيقة الاستقلال في بحث علمي منزه عن الواقع. هذا لا يعنينا الآن، انا أعتقد اصلا أن قانون القومية هو التطور الطبيعي لوثيقة الاستقلال. ما يعنينا الآن هو ما الذي يعنيه هذا القانون على الأرض ولماذا يؤسس وضمن أي استراتيجية يأتي. نحن الضحية المباشرة لهذا القانون، نحن المعنيون المباشرون في هذا القانون أكثر من أي أحد آخر، نحن الضحية المباشرة ضمن هذه الاستراتيجية التي تمس بقاءنا ووجودنا وحياتنا في هذه البلاد.


عن “الّلا-سياسة”
الممارسة النظرية التي لا تملك أي فرصة في أن تتحول في أيدي الجماهير الى قوة مادية على شكل ممارسة نضالية، لا تعدو كونها تنظيرا استعلائيا نَرجسيا. إنها بالأساس دعوة الى “الّلا-سياسة” و”الّلا- فعل” و”الّلا- نضال” ولا تخدم الا المؤسسة في بث اليأس والتوهان في صفوف الجماهير ولا تُساهم الا في تكريس الوضع القائم وتأبيده وإن أتت بثَوب “التغيير الثوري”. على كل حال لا يُمكن النظر الى هذه المظاهرة على أنها مجرد فعل نضالي انتهى أو مُجرد ردة فعل فورية آنية، ولهذا يكتسب الحديث عنها اليوم بعد أسابيع أهمية حقيقية.


بعد سنوات من طرحه على طاولة الكنيست سُن قانون القومية في ظرف تاريخي متسق ومؤاتٍ، مع وصول أبشع وجوه الامبريالية الامريكية إلى كرسي البيت الابيض، ترامب الحليف الجديد الأكثر اتساقا لليمين الاستيطاني في اسرائيل، هذا بعد اعلانه عن القدس عاصمة ابدية للشعب اليهودي وترويج ادارته لما يتداول باسم “صفقة القرن” بتواطؤ خاضع غير مسبوق بوقاحته من الرجعية العربية وعلى رأسها السعودية بقيادة “صبي امريكيا” الجديد في المنطقة، محمد بن سلمان المتحالف لا مع اسرائيل فقط بل بشكل مباشر واستراتيجي مع اليمين الاسرائيلي بقيادة نتنياهو. وفي ظل حكومة اسرائيلية مغرقة وموغلة في اليمينية أكثر من أي وقت مضى، توجهها وتسيطر عليها وتمسكها من رقبتها أيديولوجيا الاستيطان التلمودية التوسعية الاستعمارية الدموية، بقيادة نفتالي بينيت والبيت اليهودي. والعنصرية الفجة السافلة والفوقية العرقية الترانسفيرية بقيادة ليبرمان. كل هذه العوامل المحيطة هي ما جعلت سن هذا القانون ممكنا من جهة، وهي ما تكسبه بعدًا أوسع وأخطر من جهة أخرى.
لا يمكننا أن نقول صدقا ان القانون يعيد صياغة علاقة الدولة مع مواطنيها العرب، ليس بشكل جذري على الأقل إنما هي بالاساس قوننة صريحة لهذه العلاقة الممارسة تنفيذيا بأشكال مختلفة على مر عقود خلت، تضع حاجزا قانونيا تشريعيا صلبا على شكل قانون أساس أمام أي محاولة للمناورة على شكل انحراف فردي عن النهج المؤسس الناظم لهذه العلاقة، وخاصة اذا كان الانحراف  على يد السلطة القضائية. لطالما جذرت المؤسسة الصهيونية الحاكمة في اسرائيل العلوية اليهودية في هذه البلاد والتعامل مع العرب الباقين في وطنهم كمواطنين درجة ثانية. بل اقل من ذلك، قنبلة ديموغرافية موقوتة، خطأ تاريخي في سير المشروع الصهيوني الساعي الى بناء دولة يهودية طاهرة عرقيا. اذًا على المستوى النظري المنزه عن السياق الموضوعي لا جديد تحت الشمس في إسرائيل. لكن على المستوى العَملي، فنحن على أعتاب مرحلة جديدة وخطيرة كليًا وبكل المقاييس.
قد يستغل البعض بيننا هذا الشعور العام بأن لا شيء جديد يأتي به قانون القومية لبث الكسل والاستكانة ونزع الشرعية عن انتفاض الجماهير العربية ضد القانون واذا لخصنا النقاش الذي يطرحه هذا البعض منذ سن القانون وهو نقاش استعلائي في كثير من جوانبه  فيمكن تلخيصه بالسؤال الاستنكاري والمضلل في آن: ما الذي تغير؟ ما الفرق بين قانون القومية ووثيقة الاستقلا ؟
والجواب، لمن ينتظر الجواب فعلا، هو أن المقارنة بين وثيقة الاستقلال وقانون القومية لا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد، ان هذا ليس الا نقاشًا اسرائيليًا، داخل الاجماع الصهيوني. نحن نعتقد فعلًا أن وثيقة الاستقلال عنصرية احتلالية اقتلاعية في طبيعتها لا تنفصل عن سياقها التاريخي ولو زُخرفت بكلمة “المساواة”  لارضاء المجتمع الدولي في حينه. كانت المدماك الأول في اقامة الدولة التي قامت على أنقاض شعبنا مهجرةً اياه وسالبة أراضيه. فأما هذا القانون فهو تصعيد خطير في الحرب على جماهيرنا العربية وشعبنا الفلسطيني، يؤسس لآبراتهايد واضح ولأرضية خصبة لمخطط اقتلاعي ترانتسفيري. هذا القانون هو اللبنة الأولى في استراتيجية طويلة الأمد يؤسس لها اليمين الاستيطاني المتنفذ اليوم في الدولة، تهدف أولا في تصفية قضية الشعب الفلسطيني نهائيًا، والقضاء على أي أمل يحمله في انجاز حقه في تقرير مصيره في سياق استراتنيجدية اقليمية أوسع مترجة فيما يتم تداوله بمسمى صفقة القرن. تضمن تعميق وشرعنة الاستيطان في الأراضي المحتلة، والعمل على الضم النهائي. ومن ثم التضييق أكثر ما يمكن على العرب مواطني الدولة في الأرض والمسكن، تصعيد مصادرة الاراضي وهدم البيوت، وفي مشاريع تهويد الجليل وتركيز البدو في النقب لتهويده، على مسار الترانسفير الذي بات يلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى. انها اذا معركة وجودية من الدرجة الأولى ولا يمكن أن نقف أمامها مكتوفي الأيدي. وها هي أول “بشائر” قانون القومية تهل علينا من “كابنيت “الاسكان برئاسة الوزير غالانت متمثلة بمشروع تهويدي جديد يشمل إقامة خمس بلدات يهودية جديدة في الجليل والنقب، مجاهرًا بأن هذا القرار يأتي بموجب بند تشجيع الاستيطان اليهودي في قانون القومية. ولن ننتظر حتى نرى بشائر أخرى في القريب العاجل بروح هذا البند وبنود أخرى.

نحن لسنا مجموعة من الباحثين جئنا بعد مئة سنة من سن القانون لنقارن بينه وبين وثيقة الاستقلال في بحث علمي منزه عن الواقع. هذا لا يعنينا الآن، انا أعتقد اصلا أن قانون القومية هو التطور الطبيعي لوثيقة الاستقلال. ما يعنينا الآن هو ما الذي يعنيه هذا القانون على الأرض ولماذا يؤسس وضمن أي استراتيجية يأتي. نحن الضحية المباشرة لهذا القانون، نحن المعنيون المباشرون في هذا القانون أكثر من أي أحد آخر، نحن الضحية المباشرة ضمن هذه الاستراتيجية التي تمس بقاءنا ووجودنا وحياتنا في هذه البلاد. في هذه الحالة إن عدم المبالاة النابعة من السؤال العفوي، “ما الفرق؟” هي المصيبة بحد ذاتها. نحن فعلا لا نريد أن ننتظر حتى نعرف جواب هذا السؤال على “جلودنا”، على بقائنا ووجودنا..


* قانون القومية في ظل الحالة السياسية الاسرائيلية

ترانسفير، نكبة ثانية، آبارتهايد. قد تبدو كلها للوهلة الأولى ضروبا من التهويل الزائد. وهي كذلك اذا نظرنا الى القانون بمعزل عن الاستراتيجية التي يأتي ضمنها والتطورات السياسة التي أخرجت هذا القانون الى حيز الواقع. لا يمكن الاستنباط من نص القانون وحده نتائج مترتبة. لكن النظر الى الحالة السياسية في اسرائيل يخبرنا الكثير عنه وينبئنا بنتائجه المترتبة. أيديولوجيا اليمين تسيطر بشكل كاسح على الشارع الاسرائيلي، “اليسار” وكل الجمعيات والحركات والمبادرات المرتبطة به تتعرض لحملة شعبية من نزع الشرعية والتحريض. أصبحت كلمة “يساري” عند قطاعات واسعة في الشارع الاسرائيلي مرادفة للخيانة. ما كان قبل سنوات في هامش السياسة الاسرائيلية من أصوات متطرفة مجاهرة بالعنصرية الفجة أصبح اليوم في متن القيادة الاسرائيلية. مشاريع الترانسفير التي كان يلوح بها ليبرمان كورقة رابحة لجذب أشباهه من العنصريين أصبحت تُتداول بشكل شرعي على طاولة رئيس الحكومة مع مبعوثين أمريكيين. “البيت اليهودي” بيت اليمين الاسيتطاني التلمودي يتحكم بشكل يفوق حجمه بأضعاف بمفاصل هذه الحكومة، يفرض قوانين الضم بشكل سلس مهيئا لمشروعه في ضم كل المستوطنات. الديمقراطية حتى بمعناها الشكلي في اسرائيل تتعرض لاختلال بنيوي. الديمقراطية التمثيلية القائمة على امكانية تحول الأكثرية الحزبية/الايديولوجية الى أقلية بين انتخابات وأخرى  تمثيلا لمبدأ تبادل السلطة لا تجد أي ترجمة فعلية في الواقع السياسي الاسرائيلي. حكومة اليمين وعلى رأسها نتنياهو بعد كل هذه السنوات في الحكم لا يبدو انها قابلة لأن تتبدل انتخابيًا في الأفق القريب.
أما المعسكر المقابل لحكومة نتنياهو، أو اذا صح تسميته باليسار الاسرائيلي، وهو ما لا يصح بالطبع، فيمر بأسوأ مراحله التاريخية. وها هو أمام أكبر مواجهة في تاريخه، أمام يمين يحقق انتصارا تلو الآخر وينشب مخالبه في مفاصل الدولة العميقة، يتمخض بعد كل هذا عن بديله المتمثل بورقة “محروقة “مثل تسيبي ليفني مجرمة الحرب بحكم دولي والليكودية في الصميم، وشريكها آبي جباي، وهو من يمكن وصفه بكل موضوعية كأتفه شخصية أفرزتها السياسة الاسرائيلية في السنوات الأخيرة. مجرد انتهازي ينتمي الى فصيلة اللا-فقريات السياسية. وجد مكانا على رأس حزب العمل في عصر أفوله، عرضا من أعراض هذا الأفول. بدأ حملته الانتخابية بالمزاودة على نتنياهو من على يمينه، وكأنه اراد منذ البدء أن ينفي عن نفسه تهمة “اليسارية” التهمة المكلفة في اسرائيل اليوم. هو ذاته خرج مؤخرا لينضم الى موجة التحريض على النواب العرب في إثر توجههم الى الأمم المتحدة  لتدويل التصدي لقانون القومية. المهزلة هنا تتمثل في أن جباي لم يكن شريكا لنتنياهو في ذات التحريض فحسب بل هو يزاود على نتنياهو بأنه هو وحده من يملك الحق بالتحريض، فالأخير، على حد تعبير جباي، جلس مع عرفات ووافق على اطلاق سراح الف اسير فلسطيني. اذا هذه هي المهزلة التي تمخضت عن “اليسار” الاسرائيلي لمواجه نتنياههو وحكومته.
 أما ذلك الذي يطلق على نفسه مسمى “اليسار الحقيقي” في اسرائيل، “ميرتس” فليس أقل تخبطا من الآخرين، وخاصة تحت رئاسته الجديدة، تمار زاندبرغ، التي يبدو أنها تاهت بين مهمات اليسار في دولة مثل سويسرا مثلا ودولة مثل اسرائيل في سياقها الاحتلالي، المتهربة من الأسئلة الصعبة المرتبطة بالاحتلال والاستيطان وطبيعته الدموية والمصائبية على المجتمع الاسرائيلي ايضا والواقع الفاشي الاقتلاعي الذي يخلقه، المتهربة من سؤال ضرورة قيام الدولة الفلسطينية، الى الاسئلة الصغرى المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والجندرية. وضعت ميرتس ورئيستها الحالية بالذات أمام اختبار حقيقي أثناء سن قانون القومية. فبالتزامن مع النقاش المستمر حول قانون القومية طرح النائب يوسف جبارين مقترح قانون أساس، في مواجهة قانون القومية، يسعى الى تغيير مبادئ الدولة ضمن قانون ينص على الديمقراطية والتعددية والمساواة التامة بين كل مواطنيها على المستويين المدني والقومي، رُفض بالطبع بتصويت غالبية الائتلاف والمعارضة ومنهمم ميرتس ما عدا النائب عيساوي فريج، ومع أن النائب موسي راز ختم على اقتراح القانون الا أن ضغطا رهيبًا مورس عليه من قيادة الحزب ورئاسة الكتلة حتى ينسحب من الهيئة العامة أثناء التصويت. حجة رئيسة الكتلة كانت أن روح القانون تناقض مبدأ “دولة الشعب اليهودي”. اذا في الوقت الذي تستحكم فيه الفاشية ولغتها يختار من يدعي أنه “اليسار الحقيقي” في اسرائيل أن لا يتخذ موقفا واضحا، غير متردد وغير متذبذب، مع الديمقراطية الحقيقية في وجه الفاشية. ويرفض أن يتبنى بديلا حقيقيا للقيم المعادية للديمقراطية التي تحكم لغة اليمين، ويكشف وجهه الحقيقي الهزيل والهش والعاجز عن طرح بديله. بل يختار اجترار نفس اللغة التي يرتكز عليها اليمين في فاشيته ونفس اللغة التي نما من صلبها قانون القومية.
وهذا بالضبط ما ظهر من خطاب رئيسة حزب ميرتس، التي اختارت تبني نفس خطاب المعسكر الصهيوني  في معارضة قانون القومية، بالبكاء على وثيقة الاستقلال والتغني بعصر بن غريون وصهيونته “الحقيقية” و”المستنيرة”، كما فعلت في المظاهرة الأخيرة قبل سن قانون القومية. غير مدركة أو متناسية أن الضحايا المباشرين لقانون القومية، العرب الباقون في هذه البلاد، يعيشون اليوم في عصر نتنياهو وبينيت، على بشاعته وظلاميته وعنصريته، في ظروف أفضل نسبيًا، الى حد الآن على الأقل، من الظروف التي عاش تحتها أجدادهم في عصر بن غريون، عصر الحكم العسكري ومجزرة كفر قاسم. وليس بالطبع المقصد هنا المفاضلة بين عصريّن، ولم يكن هذا التحسن النسبي في الظروف منةً من أحد بل نتاج نضال طويل الأمد، انما هي مقارنة بقصد فضح زيف الدائرة الضيقة التي يدور فيها اليسار الصهيوني المتهرب الى القشور من مناقشة الجذور الحقيقة التي أفرزت قانون القومية.
اذا، في ظل هذه الظروف التي تحكم الساحة السياسة الاسرائيلية يأتي قانون القومية ومنها يكتسب خطورته، من تجذر اليمين في مفاصل الدولة من جهة ومن تردي حالة ما يسمى باليسار حد التلاشي من جهة أخرى. وفي ظل هذه الظروف يصبح من الواجب بل من الضروري على الجماهير العربية أن  تستنفر في التصدي له، بل جعل التصدي له عنوان حياتها اليومية، السياسية والاجتماعية، من جهة، وضرورة طرح بديلها التقدمي الديمقراطي القيمي الجذري لمستقبل هذه البلاد والشعبين اللذين يعيشان فيها.


* المظاهرة الكبرى في تل أبيب

كان الرد الطبيعي للجماهير العربية على قانون القومية هو المظاهرة الكبرى التي دعت اليها لجنة المتابعة في تل أبيب وانضمت اليها فيما بعد قوى يهودية ديمقراطية. عشرات الآلاف من العرب ينضم اليهم آلاف من اليهود في وسط تل أبيب يرفعون معًا شعار إسقاط قانون القومية والمطالبة بالمساواة الحقيقية، القومية والمدنية، يتصدون للقانون وكل ما يحمله من العلوية العرقية اليهودية في هذه البلاد. نجحت المظاهرة ورسالتها بتحشيد هذه الألوف رغمًا عن حالة اللامبالاة السياسية التي تنخر في جسد الجماهير العربية. اللامبالاة السياسية التي يحاول البعض من المنشغلين في السياسة تعميقهما وتشجيعها وتغذيتها بعلم أو دون علم، عن طريق بث العدمية واليأس، أو طرح شعارات لا يمكن أن تجد ترجمة حقيقية على أرض الواقع، شعارات لا يمكن أن تترجم للممارسة نضالية. ورغمًا عن محاولة البعض إفشال المظاهرة من منطلق رفض رسالتها السياسية، أو رفض الرسالة السياسية التي يدعون أن المظاهرة تقدمها. بالطبع دون المبادرة لأي عمل نضالي بديل يُقدم أي رسالة سياسية بديلة، يعرفون في قرارة أنفسهم أنها فاقدة لأي قدرة على التحشيد، انما مجرد الإكتفاء بممارسة جعجعة كلامية نظرية لا تُسمن ولا تغني عن “نضال”. أو من منطلق وبهدف نزع الشرعية عن “القيادة السياسية” التي دعت للمظاهرة، وهي ليست قيادة سياسية لتيار أيديولوجي واحد بل قيادة لكبرى التيارات السياسية الفاعلة على الساحة العربية الممثلة في إطار لجنة المتابعة. بما أن مهاجمة القيادة السياسية للجماهير العربية هي الهواية المحببة لبعض النخب الثقافية والثورية النرجسية الواقعة في غرام شعارتها حد الثمالة. الذين لا يهاجمون القيادة السياسية بصفتها ممثلة لخط أيديولوجي ومشروع سياسي يختلفون معه ويقدمون له بديلًا وهذا شرعي بل وواجب لاغناء الحالة السياسية العربية في الداخل، بل يتفننون بمهاجمتها وبأكثر الطرق وقاحة لكونها “قيادة “بحد ذاتها، تتحمل وحدها مسؤولية تردي الحالة السياسية. يخلقون واقعًا متخيلًا تتحول فيه هذه “القيادة” إلى صاحبة سلطة تنفيذية انتزعتها غصبًا، أي في مخيلتهم هي “السلطة” ذاتها التي يجب التمرد عليها، في إشباعٍ غريزي للرغبة في التمرد المراهق، في تعظيم للأنا الفردية الرافضة للخضوع لأي سلطة كانت. غير مدركين أن ما يسمونه “قيادة” لم تأخذ مكانها عن طريق دبابة ومدفع ولم تُجبر غصبًا، تحت سلطة لا تملكها، الجماهير أن تحتشد حولها، بل هي الفرز الطبيعي للأحزاب الفاعلة على الساحة السياسية ويقاس حجم تأثير كل واحد منها، في معظم الأحيان،بحسب حجم القواعد الجماهيرية لكل حزب يمثلونه.
نحن بالطبع لا ندعي أن هذه القيادة منزهة عن أي نقد، ولا ننزها من أمراض الترهل والانتهازية التي قد تصيب بعضًا منها، ونعي أن الحالة السياسية سمحت لبعضها على أن يعتلي مكانه في عصر النجومية الفردية غير مرتكز على أيدلوجيا أو على قاعدة شعبية فاعلة سياسيًا. نرحب بالنقد المرتكز على قاعدة المشروع السياسي المقابل، البرنامج السياسي مقابل البرنامج السياسي، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون على تحشيد الجماهير كلٌ حول مشروعه. وليفرز قيادته من صلب النضال الجماهيري، لا من المقاهي والدردشات الثقافية. اما أن يكون النقدُ حقيقيًا كهذا واما أن يكون نرجسيًا فردانيًا لا يسعى لتغيير واقع سياسي بقدر ما يسعى لعبادة إنعكاس الأنا الفردية في مرآة المقهى “الثقافي”. وهذا ما تمثل في المظاهرة الأخيرة في انقسامٍ عملي واضح بين الفاعلين السياسيين في المجتمع العربي، بين من اختار أن يخرج الى الشارع وأن يحشد ويجند ويعمل على إخراج الجماهير من حالة عزوفها الى همها اليومي للدفاع عن همهما القومي العام، يحول ادراكه بخطورة قانون القومية المكتسب من كونه فاعلًا سياسيا في حزب سياسي الى إدراكٍ في الوعي العام للجماهير الشعبية يحملها لأن تحول هذا الوعي إلى قوة مادية على شكل عمل نضالي. وبين مجموعة أخرى اختارت أن تبقى في فقاعتها المريحة توزع الانتقادات والاستعلاء على الجماهير بل الاستهزاء بها. وبين مجموعة أخرى اختارت بالاستمرار في طرح مشروعها السياسي” الراديكالي” القديم،الذي أثبت تاريخيًا على أنه عاجز عن التحشيد، واستغلت هذه اللحظة بالذات حتى تعلي صوتها في طرحه. مساهمة هي الأخرى دون ادراك على تعزيز حالة العزوف السياسي، لأن طرح بديل “سياسي” ذي مسحة راديكالية لا يُمكن أن يُترجم واقعًا الى فعل نضالي تتبناه الجماهير، ما هو الا “جعجعة كلامية”. الممارسة النظرية التي لا تملك أي فرصة في أن تتحول في أيدي الجماهير الى قوة مادية على شكل ممارسة نضالية، لا تعدو كونها تنظيرا استعلائيا نَرجسيا. إنها بالأساس دعوة الى “الّلا-سياسة” و”الّلا- فعل” و”الّلا- نضال” ولا تخدم الا المؤسسة في بث اليأس والتوهان في صفوف الجماهير ولا تُساهم الا في تكريس الوضع القائم وتأبيده وإن أتت بثَوب “التغيير الثوري”. على كل حال لا يُمكن النظر الى هذه المظاهرة على أنها مجرد فعل نضالي انتهى أو مُجرد ردة فعل فورية آنية، ولهذا يكتسب الحديث عنها اليوم بعد أسابيع أهمية حقيقية. بل يجب الارتكاز عليها كمقدمة لأفعال نضالية تتبعها، على استراتيجية نضالية طويلة الأمد. وعلى النقاشات التي دارت حولها كأرضية ترتكز عليها ممارسة نظرية جمعية لكل الفاعلين على الساحة السياسية العربية في الداخل تُحدد معالم طريق لما هو آتٍ. اكتسبت هذه المظاهرة أهميتها على الساحة السياسية في اسرائيل بكونها مثلت المجموعة الوحيدة التي لم  تخرج اعتراضًا على قانون القومية من منطلق “الولاء” لدولة إسرائيل، أو لمعايير الصهيونية “الأصلية”، أو خوفًا على صورة إسرائيل أمام العالم. أو من منطلق أن هذه المجموعة تقدم خدمات لهذه الدولة عن طريق مؤسساتها العسكرية أو تبذل دما من أجلها، وبناءً على ذلك تستحق احترامًا أو بالأحرى “فتاتًا” في المقابل. بل تأتي بخطاب أهل الوطن الأصليين، المجموعة التي تستمد حقها في المواطنة من انتمائها لهذا الوطن، هؤلاء الذين لم ينزحوا الى إسرائيل ولم يتسللوا الى حدودها ولم يهاجروا اليها مع الطيور المهاجرة ولذلك لن يغادروا هذا الخريف، ولا في أي خريف قادم. هم أصحاب الوطن والأرض ولدوا هنا من صلب آبائهم وأجدادهم،متجذرون باقون في هذا الوطن، الذي أكدوا دائما بالنقش بأظافرهم على صخوره، أن لا وطن لهم سواه، لم يأتوا الى اسرائيل، بل هي أتت اليهم، قامت على أنقاض نكبة شعبهم وتهجير إخوتهم، ومن هذه المُنطلقات بالذات يرفضون أن يكونوا مواطنين درجة ثانية في وطنهم ويرفضون أن يتمتع أيًا كان بعلوية قومية عليهم. من هذه المنطلقات يرفضون هذا القانون وما يمثله. ولهذا بالذات ولأن هذا هو خطاب المظاهرة والمتظاهرين من الجماهير العربية، تكتسب المشاركة اليهودية المهولة أهمية استثنائية. ففي خضم مساعي نزع الشرعية السياسية عن الجماهير العربية التي يمارسها اليمين والمعسكر المقابل المسمى باليسار ومحاولة استثناء هذه الجماهير من كل النقاش الدائر حول القانون، بل يشترك كلا المعسكرين في التحريض على المظاهرة. تأتي هذه المشاركة اليهودية الكبيرة بمؤشرات لأفقٍ جدي، تظهر أنه بالرغم من الروح اليمينية المسيطرة على الشارع الاسرائيلي وترهل ما يسمى باليسار، هناك صوت آخر وفرص أخرى بعيدًا عن “اليسار” المترهل وخطابه لخلق سياسة جديدة داخل المجتمع الاسرائيلي، بالذات لأن الجماهير العربية بالمشروع السياسي الذي يقودها في هذه المظاهرة أثبتت أنها تستطيع، بل هي الوحيدة التي تستطيع تقديم بديل ومخرج حقيقي، ديمقراطي، تقدمي، انساني، جذري، قيمي لشعبي هذه البلاد، عن هستيريا الفاشية والعسكرة والاحتلال والاستيطان والدموية التي تحكم المجتمع الاسرائيلي وتأخذه الى الهاوية. مما يضع على عاتقنا وعلى عاتق شركائنا الحقيقيين في الشارع الاسرائيلي مهمة تاريخية، لا من إنقاذ أنفسنا فقط من سطوة الفاشية الصهيونية، بل الجمهور اليهودي أيضًا من سطوتها.
(يتبع)

الجمعة 14/9/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع