الزفت الأبيض


إبراهيم طه


الزفت يعني القير والقار. والقار أسود مثل "الشْحار". و"الشحار" مثل الشحرور وهو الطائر الأسود المعروف. ولعلّ الجذر "شحر" من العبرية القديمة أصلا،وهو موسوم باللون الأسود دائمًا، فيقولون عن الفجر في لغتهم "شاحَر" لأنه ينسلخ عن سواد الليل. واللون الأسود عندهم على العموم "شَحُور"... على كلّ حال، هذه وظيفة بيتية للأديبينمحمد نفاع ونمر نمر. أما الزفت في قاموسنا العصريفهو للتبييض. كلّ رئيس مجلس محلّي يريد أن يُنتخب مرّة ثانية لا يجد ما يبيّض به وجهه إلا الزفت.
الزفت أبرز بشائر الانتخابات المحلية في قرانا ومدننا العربية. حين ترى عمّال الزفت بدأوا ينتشرون في الشوارع والأزقّة فاعلم أنّ البلد مقبلة على انتخابات. الحقيقة أنني لا أفهم بالضبط سرّ العلاقة الغريبةبين الانتخابات المحلية في قرانا العربية والزفت!ولماذا لا تصيب هذهالحالة رؤساءنا إلامرّة واحدة كلّ أربع سنوات؟!فكّرت فوجدت أربع ميزات مركزية في الزفتوهي، مثلما يبدو لي، السبب فيكلّ هذا الغرام والهيام:
أولا: الزفت لونه أسود مثل سواد الليل في عزّ الشتاء لا ترى فيه بارقة ضوء.وهو ما يلائم بعض رؤسائنا في فكرهم ونظرتهم إلى الأمور. ثانيًا: الزفت شيء تحتيّ، وظيفته أن يُداس. وهكذا يعوّدنا الزفت على طأطأة الرقبة والنظر إلى تحت دائمًا.وهو ما يحاول بعض رؤسائنا أن يعوّدونا عليه. "عينك على الزفتة!"كان يقول لي معلّم السياقة بشيء من الغضب حين كان نظري يسرح أحيانًا.ثالثًا: الزفت يخرب كلّ سنةولا يُصلّح إلا كلّ أربع سنوات. وهكذا يظلّ الرئيس مشغولا بالزفت من الانتخابات إلى الانتخابات. رابعًا: يقولون والله أعلم إنّ مجال الغشّ في شغل الزفتكبير. يتّفقالمجلس أو البلدية مع المقاول على طبقة سميكة من الزفت، ووقت الشغل لا يقيّر الشوارع إلا بطبقة رقيقة تخرب بسرعة.. سمعت كثيرًا عن بعض الروساء الذين لا يخشون في الله إلًّا ولا ذمّة!
وماهي الأعمال التي يصلح لها هذا الزفت وتصلح له؟ هي أربعة أيضًا. أربع صفات وأربع وظائف:
أولا: سدّ حفرات وترقيع شوارع وأزقّة.ثانيًا: رفع مطبّات ضدّ السرعة.ثالثًا: تزفيت قدّام بعض البوّابات التي يعد أصحابها الرئيس المرشّح بالتصويت له. رابعًا: تزفيتبعض الأزقّة الضيّقة والقصيرة ووصلات الشوارع، أو تزفيت شوارع كاملة ومركزية. وهذا أقصى وظائف الزفت عندنا.
ومثلما ترون، كلها أعمال ووظائف سامية وإن كانت تحتيّة! ولذلك كنت أرجو أن تكون الانتخابات كلّ سنتين على الأكثر ، رغم ما تجلبه من وجع الرأس،حتى تظلّ شوارعنا مزفّتة ومقيّرة. وهل لدينا أحلام وأمانيّ غير الزفت أصلا؟!
اعتدنا في رئاسة قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا أن يكتب الرئيس المنتخب برنامج عمل مفصّلا  ينهض على خمسة أركان: أولا: تحديد الأهداف وترتيبها وتدريجها حسب حاجة القسم إليها. ثانيًا: تحديد الأدوات أو الخطوات الإجرائية التي يراها مناسبة لتحقيق هذه الأهداف. ثالثًا: جدولة زمنية لكلّ هدف. رابعًا: توصيف الظروف الخارجية المحيطة بالأهداف بدقّة والتي يمكنها أن تسرّع عملية الإنجاز أو تعيقها. خامسًا: وضع خطّة بديلة أو صياغة بديلة لكلّ هدف حتى لا نصل إلى حالة فراغ أو حالة صفريّة إذا تعثّر البرنامج الأول. وحين تنتهي ولايته بعد ثلاث سنوات يسلّم الرئيسَ الجديدَ المنتخبَوأساتذة القسم الكبارتقريرًا مكتوبًا ومفصلا في جلسة خاصة يشرح فيها كلّ ما أنجزه في فترة رئاسته وكلّ ما لم يفلح في إنجازه، يبيّن أسباب إخفاقه في هذه المهمّة أو تلك ثمّيقترح على الرئيس الجديد أدوات وآليّات لإنجازها...صحيح، أقسام الجامعات ليست بحجم قرانا ولا مدننا، لكنّ المبدأ هو المبدأ والمنتهى هو المنتهى.


12/09/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع