هكذا تجنّد الجهاز القضائي الإسرائيلي بأكمله لصالح المشروع الاستيطاني


اورئيل بروكاتشيا


حتى قبل حدوث كارثة الاستيطان اليهودي في «يهودا» و»السامرة» كان يقف على الأجندة مسألة قانونية أساسية: «هل يسمح القانون الدولي لدولة ان توطن مواطنيها في المناطق التي احتلتها. الرأي الذي ترسخ حينئذ كان انه بشكل عام يجب ابقاء الاراضي «الخاصة» بأيدي اصحابها الفلسطينيين، ولكن ليس هنالك ما يمنع من استيطان يهودي بما سمي بـ «اراضي دولة».
مهدت هذه السياسة الطريق لاقامة معظم المستوطنات في «المناطق»، وتوطين مئات الالاف من الإسرائيليين فيها. ولكن نظرا لان الشهية فقط ازدادت مع السنين، تقف الآن على جدول الاعمال أيضا احتمالية مصادرة اراض خاصة لغايات الاستيطان اليهودي. التعبير الاخير عن ذلك تم تقديمه الان من قبل القاضي ارنون درئيل، الذي سمح بنقل اراض خاصة للفلسطينيين لأيدي سكان البؤرة الاستيطانية غير الشرعية، متسبيه كرميم، استنادا الى الادعاء بأن سكان البؤرة الاستيطانية ومن أرسلوهم عملوا «بحسن نية».
بسبب ذلك، يجدر أن نطرح سؤالين أساسيين. الاول : ما هي بالضبط (اراضي الدولة) وما هو التبرير القانوني ليتم فيها توطين مواطنين اسرائيليين؟ الثاني: ما هي (حسن النية) تلك التي بها ما من شأنه ان يبرر مصادرة اراض خاصة من ايدي اصحابها الفلسطينيين؟
معاهدة جنيف الرابعة، والتي هي جزء من القانون الدولي الذي يلزم اسرائيل، يمنع بصورة صريحة نقل مواطني دولة محتلة الى أراضي الدولة التي احتلت. ولكن الموقف الرسمي لحكومة اسرائيل كان وما زال أن الميثاق لا يسري في «المناطق» نظرا لان هذه ليست «اراضي محتلة»، كتعريفها في الميثاق. التبرير لهذا الادعاء هو أن «يهودا» و»السامرة» كانت سوية مع «ارض اسرائيل» الغربية، جزءا من الانتداب البريطاني، وانها لم تنتهِ في يوم من الايام في حكم القانون للمملكة الاردنية الواقعة على الجانب الاخر من النهر، بل تم السيطرة عليها من قبل مع انتهاء معارك «حرب الاستقلال». بسبب ذلك، وحسب المقاربة ذاتها فان هذه «المناطق» لم تحتل من قبل اسرائيل، حيث إن الاحتلال يكون فقط عندما يتم وضع اليد على اراض تعود الى جهة سيادية أجنبية بالقوة من قبل جهة اخرى. هذه الفكرة الأصيلة، والتي بمقتضاها فإننا لم نحتل مطلقا «المناطق»، رفضت تماما من قبل المجتمع القانوني الدولي في العالم، واليهم انضم ايضا قانونيون اسرائيليون. ولكن حتى لو افترضنا بأن الحق هو مع من يرفض احتلال «المناطق» في حرب «الأيام الستة»، فان التبرير القانوني في اسكانها بمواطنين اسرائيليين يثير صعوبات جدية: اذا كان ميثاق جنيف لا يسري على هذه المنطقة، فانه يطرح السؤال إلى اي معيار للقانون الدولي تستند سياسة الاستيطان في «يهودا» و»السامرة»؟ الإجابة الإسرائيلية عن ذلك تتمسك بالوثيقة المعروفة كــ «أنظمة لاهاي»، لسنة 1907، والتي بمقتضاها الارض العامة – اي اراضي الدولة في المناطق المحتلة، تعطى للدولة المحتلة، «بإخلاص». يصعب قليلا التوفيق بين القول بان ميثاق جنيف لا يسري على «المناطق» لانها ليست محتلة وبين الاعتراف بها كـ «مناطق محتلة»، عندما يتعلق الامر بانظمة لاهاي. ولكن هذا ليس هو الدحض الوحيد. الصعوبة الاساسية تنبع من أنه حسب كل التفسيرات المعقولة لانظمة لاهاي، فانه يحظر على الدولة المحتلة، التي تسيطر على مناطق محتلة بإخلاص، ان توطن فيها سكانها على حساب سكان المنطقة المحتلة والذين من أجلهم وجد الاخلاص.
في الماضي ردت اسرائيل بانه ليس في توطين يهود في اراضي الدولة ما من شأنه المس بواجب الاخلاص، من بين امور اخرى بسبب ان الامر يتعلق بتوطين مؤقت، في حين ان الانظمة تحظر فقط التوطين الدائم في اراضي الدولة تلك. مؤخرا اصبح ليس من المريح الحديث عن ان الوجود الاسرائيلي في «المناطق» مؤقت بشكل عام وخاصة في المستوطنات، على ضوء حقيقة أن المستوطنين اصبحوا يربون هناك جيلا ثالثا من السكان «المؤقتين». بناء على ذلك تتعاظم قوة ادعاء اكثر تطرفا، والذي بمقتضاه حتى المستوطنون هم «سكان المناطق، بالضبط مثل السكان الفلسطينيين»، ولهذا فان مطالب الاخلاص الموجودة في القانون الدولي تستهدف ايضا مصلحتهم، وليس هنالك ما يمس انظمة لاهاي. جميل، أليس كذلك؟
الدولة لا تخالف منع توطين مواطنين اسرائيليين على اراض خاصة للفلسطينيين. ولكن ايضا هذا القليل وضع الآن على خط النار. البؤرة الاستيطانية، متسبيه كرميم، والذي الحكم بشأنها من شأنه أن يصبح سابقة قضائية في مناطق واسعة في الضفة، اقيم بجزء منها على اراض خاصة. وهكذا جرى نقاش حاد في نزاع اراض بين اصحاب تلك الاملاك وبين المستوطنين الذين استوطنوا عليها بفضل الهستدروت الصهيوني العالمي الذي يعمل من بين امور اخرى على توطنين يهود في «المناطق».
اعترفت المحكمة حقا بملكية الفلسطينيين، ولكن رغم ذلك حكمت لصالح المستوطنين. الحكم يستند الى القاعدة القانونية «انظمة السوق»، والتي هي الحاسمة في النقاش بشأن الحقوق ما بين الاصحاب الحقيقيين للعقار وبين من اشتراه بمقابل وبحسن نية من شخص تظاهر بكونه صاحبه. البث في حالات كهذه صعب، وتقريبا تراجيدي، لأن كلا الطرفين يعتبران ضحايا الرجل الوسيط الذي باع عقارا ليس له، ولهذا فان فوز احدهما يمكن ان يتحقق فقط على حساب مأساة الاخر؛ لانه لا يوجد خلاف على حسن نيته.
القاعدة الواسعة في قوانين الاملاك تدفع عن الاصحاب الاصليين بافتراض ان الرجل الوسيط لا يستطيع ان ينقل لغيره حقوقا اكثر مما لديه على العقار. «انظمة السوق» والتي تسمح بالانحراف عن هذه القاعدة، تعتبر شاذة وتمس بحقوق الملكية. بكونها استثناء فانها مشروطة بشروط قاسية، وبغيابها يظل العقار بأيدي أصحابه الأصليين. ان نوعية الاستثناءات مرتبطة بماهية الأملاك. اذا كانت الممتلكات هي أموال نقدية فان من يشتريها من أيدي سارق يحظى بأوسع حماية، لان المشتري ليس مزودا بادوات تمكنه من ملاحظة السرقة. كل قاعدة أخرى كانت ستخلق صعوبة في الاعتماد على تسلّم مدفوعات. في أملاك الأراضي، بالمقابل، يصعب على المشتري الاستناد في الحماية بحماية»أنظمة السوق»، لان بامكانه فحص أحقية البائع (مثلا عن طريق مراجعة الطابو). والجهد المطلوب من اجل ذلك يتضاءل امام الأهمية الاقتصادية للصفقة.
في حالة متسبيه كرميم فان حق الأصحاب الفلسطينيين كان مسجلا في الطابو المحلي، وكان من السهل فحصه. أيضا الامر العسكري، والذي من خلاله كان بالإمكان الاستنتاج بان الأرض مدار الخلاف هي فئة «أراضي الدولة»، يثير تساؤلات عديدة: الأرض موجودة خارج الخرائط التي حددت حقوق ملكية الدولة، ورسمت بصورة غير مكترثة وغير دقيقة، وهي حقيقة كانت معروفة للجميع.
ما تبقى من الشروط التي تبرر «أنظمة السوق» في هذه الحالة كان قرار المحكمة بان الهستدروت الصهيوني اعتقد بحسن نية وحتى ولو بدون أن يبذل جهداً معقولاً لكشف الحقيقة، بانه يستلم ويبيع للمستوطنين «بابخس الاثمان» أراضي هي أراضي دولة.

*عن «هآرتس»

12/09/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع