المناضل نجاتي صدقي بعيون إسبانية


د. سميح مسعود


مذكرات نجاتي صدقي. أعدها الشاعر حنا أبو حنا



تعرفت على سيرة المناضل الفلسطيني نجاتي صدقي، من مذكراته التي أعدها وقدمها الشاعر الكبير حنا أبو حنا، الذي أجاد وأتقن إعدادها وأمتع القراء بها، قرأتها عند صدورها عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ولفت نظري محطات مثيرة في حياة المناضل الكبير، منها تعرفه على الحركة الشيوعية وانتسابه إليها مبكرًا، ودراسته في جامعة "كوتف" الروسية بعد سنوات قليلة من انتصار ثورة أكتوبر العظيمة، وتمكنِه من الجمع بين العمل السياسي والأدبي والإعلامي.
تعرفت الكومنترن على قدراته، وكلفته بإصدار جريدة في باريس عام 1933، تنطق باسمها موجهة إلى العالم العربي، وقد أصدرها  باسم "الشرق العربي" واستمرت حتى أواسط عام 1936 حين عطلها رئيس الحكومة الفرنسية، بيير لافال، نفسه الذي اتهم بالخيانة العظمى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ونفذ فيه حكم الإعدام.
كما أوفدته الكومنترن أيضا إلى إسبانيا، في أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، لمساعدة الجمهورية في تحرير نشرات باللغة العربية للجنود المغاربة المحاربين مع فرانكو ضد الجمهورية، وتجاوز نشاطه الكتابة فوصل إلى ساحة القتال، وخاطب  المغاربة بمكبرات الصوت وقابل الأسرى، وكتب التقارير من الجبهة.
قرأت مذكراته قبل سنوات مضت، وحملت نسخة منها معي إلى إسبانيا عندما زرتها في نيسان الماضي، أردت قراءتها من جديد في مدريد؛ التي أقام فيها نجاتي أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، وحملت معي ايضًا نسخة من رواية "عَلي: قصة رجل مستقيم" للروائي حسين ياسين عن المناضل الفلسطيني علي عبد الخالق أحد رفاق نجاتي، الذي حارب مع الجمهوريين ضد الفاشية ولقي مصرعه في أرض المعركة، أردت قراءتها أيضا في مدريد، على مقربة من المكان الذي دفن فيه.
زرت إسبانيا بهدف التعرف على عدد من باحثي الحضارة العربية الإسبان،لاستجلاء أفكارهم حول الحضارة الأندلسية، وما قدموه حولها من دراسات واكتشافات جديدة، تتصل بواقع الحياة المعاصرة، لا علاقة لها بالغزو والفتوحات وحكايا القرون الماضية.
 لتحقيق هدفي بقيت في اسبانيا مدة شهر كامل، ولم يمض يوم دون أن التقي بواحد من الباحثين أو أكثر، ستبقى لهم في نفسي ذكرى لا تنسى، ويرجع الفضل في تعرفي عليهم للرفيقة "كريستينا رويثكورتينا" رئيسة "جمعية القدس للتضامن مع الشعوب العربية" ومقرها مدينة ملقة الإسبانية، لأنها زودتني بأسماء وعناوين كل الذين قابلتهم، وهي ناشطة معروفة بمواقفها المؤيدة للحق الفلسطيني، تربط جمعيتها علاقة خاصة بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومقره غزة، وبمديره المناضل الكبير راجي الصوراني الحائز على جائزة نوبل البديلة.
في مساء يومي الثاني في مدريد التقيت بالرفيق سانتياغو غونسال، نقابي يساري ناشط من أجل فلسطين منذ ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا، زار غزة ورام الله مرات كثيرة، وهو عضو في "التحالف الدولي لأسطول الحرية" الذي يتكون من مبادرات وحملات دولية من مختلف دول العالم، من أجل كسر الحصار المفروض على غزة، وهو عضو أيضًا في "حركة التضامن مع العالم العربي".
جلست معه في أحد مقاهي شارع القلعة، تجاذبنا أطراف الحديث في جو ودي، ركز في بداية حديثه عن مدينته مدريد، أبحر في أعماقها الزمانية والمكانية، وأكد لي أنها مدينة أسسها العرب قبل ما يزيد عن ألف عام وكانت تعرف باسم مجريط، بعد ذلك اتسع مدى حديثه في تواصل سردي عن نشاطه واهتماماته بكل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني، استرعى انتباهي تفاصيل دلالات كثيرة عن نضاله، كناشط قادر على إيصال صوته إلى المحافل الإسبانية والأوروبية.
تحدث عن بداية تواصله مع "بيت الشرق" في القدس، وعن زيارة له لرام الله برفقة أعضاء عشرة اتحادات عمالية نقابية أوروبية، للاطلاع على معاناة الشعب الفلسطيني الرازح تحت نير الاحتلال منذ سنوات طويلة،كما تحدث عن مقالات  كثيرة ينشرها بين الحين والآخر، يُسلط فيها الضوء بموضوعيةعلى مستجدات القضية الفلسطينية، بمضامينها المحلية والإقليمية والدولية، وما يجري  حولهاعلى أرض الواقع .
وفي لحظة لمعت عيناهُ، وسألني مستوضحًا:" هل سمعت بالمناضل الفلسطيني نجاتي صدقي.؟ "
أومأت برأسي إيجابًا، وتحدثت عن مذكراته التي أحمل نسخة منها، تتضمن معلومات مسهبة عن نشاطه الوطني والأممي، وتنوع مواهبه في مجالات عديدة كالصحافة والعمل الإذاعي والأدب والترجمة، فقد عمل في إذاعة الشرق الأدنى، ونشر كتبه في سلسلة "إقرأ" المصرية، كما نشر قصصه في عدد من المجلات المصرية منها مجلة الرسالة الشهيرة ، ومن كتبه في مجال الأدب، كتابه عن الشاعر الروسي بوشكين، الذي نال إعجاب الكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة، وكتاب عن تشيخوف وآخر عن مكسيم غوركي.
التفتَ إلي "سانتياغو"، قائلًا: "يقدره الحزب الشيوعي الإسباني كثيرًا، لنشاطه المميز إبان الحرب الأهلية الإسبانية ، فقد أوفدته "الكومنترن" إلى إسبانيا، لتقديم المساعدة إلى الجمهوريين، في مجال تنظيم الدعاية العربية في الأوساط المغربية، وقد أبلى بلاءً حسنًا في هذا المجال، كمسؤول عن تحرير النشرات الموجهة إلى الجنود المغاربة المنضوين تحت قيادة فرانكو، لإزالة الغشاوة عن أعينهم، سواء كانوا في ميدان القتال أو الأسر."
اتسع مدى حديثه عن نشرات نجاتي باللغة العربية،التي كانت توزع في جبهات القتال، ويوقعها باسم مستعار اتخذه لنفسه هو مصطفى بن جلا، وجد فيه رنينًا مغربيًا..خاطب باسمه هذا الجنود المغاربة للانضمام إلى صفوف الجمهوريين، وحاول به إقناعهم بان الجمهورية ستترك للمغرب حرية تقرير المصير، ومن أجل تنظيم نشاطه الإعلامي، أسس مع مجموعة من الشباب الجمهوري، جمعية باسم " الجمعية الإسبانية المغربية" عينوا لها أمينة سر، واتخذوا لها مكتبًا، وصنعوا ختما، وُحدد هدفها بتنظيم الدعاية في جبهات القتال.
أسعدني حديثه عن نجاتي وعمق العلاقة الإسبانية الفلسطينية، المنقوشة في أغوار التاريخ، وعلى ضوء حديثه بينت له أن نجاتي ذكر في مذكراته، بأنه كان  يشارك في ساحات القتال لمخاطبة الجنود، وأنه كان من المفترض أن ينشئ في الجزائر إذاعة ناطقة باسم الجمهورية الإسبانية،لتبث في دول المغرب العربي، إلا أن أسبابًا فنية حالت دون ذلك.
استثرت حماسه، وأخذ  يتحدث عن دلالات كثيرة تؤكد على أهمية تجربة نجاتي ودوره المميز في دعم الجمهورية الإسبانية  في حربها ضد الفاشية، وأثار دهشتي عندما بين لي أن المخرجة المصرية المعروفة  آمال رمسيس، اهتمت بتجربته وانتجت عنه فيلمًا بعنوان "تأتون من بعيد"
سرعان ما تحدث بعد ذلك في شرح أوسع عن علاقة أتباع الفكر اليساري بالحرب الأهلية في إسبانيا، وتعقيبا على كلامه تحدثت عن المناضل علي عبد الخالق الذي ضحى بروحه من أجل الجمهورية، وووري الثرى في إسبانيا.
فوجئت بأنه لم يسمع بالمناضل علي وليست لديه أدنى معرفة بمناضلين فلسطينيين آخرين ، حاربوا مع الجمهوريين ضد الفاشية، ومنهم من لفظ أنفاسه الأخيرة وفارق الحياة في أرض إسبانيا البعيدة.
وعدني سانتياغو أن يبحث عنهم في سجلات الحرب الأهلية، وأن يطالب بنوع من التكريم لهم، ليعرف الإسبان أن ثلة من أبناء  فلسطين، استجابوا عن وعي لمبادئهم الأممية النبيلة، في ثلاثينات القرن الماضي، وتطوعوا من أجل الدفاع عن شرف الإنسانية.
فجأة  فقدت خيط الحديث، سرحت صامتًا أتأمل أطياف أفكارٍ كثيرة مرت بخاطري، حاولت فيها إيقاظ ذكرى مُناضلين من بلدي قبل النكبة والشتات، قاتلوا بشهامة ورجولة في ساحة النضال والشرف.
أفقت من تأملاتي على صوت سانتياغو وهويقول لي: "هل يمكنني تصفح مذكرات نجاتي؟"
أخرجتها في الحال من حقيبتي، وأخذت أقرأ له بعض صفحاتها، بدأت بالمقدمة التي كتبها الشاعر حنا أبو حنا في مستهل المذكرات، وأدرك منها سانتياغو مدى الجهد الذي بذله كاتبها شاعرنا الكبير؛ للحصول على مسودة المذكرا ت وإعدادها ونشرها.
تفاجأ سانتياغو لمعلومات كثيرة عن نجاتي لم يكن على معرفة بها من قبل، منها دراسته في جامعة " كوتف" بموسكو بعد ثمانية أعوام من انتصار ثورة أكتوبر، وتقدير المسؤولين في الكومنترن لقدراته ومواهبه، وتعيينه محررًا مسؤولًا عن صحيفة الشرق العربي الموجهة إلى الدول العربية من باريس، التي كانت تدعو إلى مناهضة الاستعمار في الدول العربية، ومناصرة الحركات  الوطنية الاستقلالية، وشن حملات على دولة الانتداب في فلسطين.
بعدها قرأت له الجوانب المهمة من مذكرات  نجاتي عن الحرب الأهلية الإسبانية، واتصالاته بالمسؤولين الجمهوريين أثناء الفترة التي تواجد فيها  في إسبانيا.
دُهش سانتياغو لذاكرة نجاتي التي تحفظ التواريخ والأسماء والأماكن وكثيرًا من التفاصيل المتعلقة، باسماء الوزراء والمسؤولين في حكومة الجمهورية الإسبانية، وتذكره اسم وزير الزراعة "فيسنته أوربيه" المكلف بالشؤون  المغربية، والذي عمل معه نجاتي طيلة وجوده في مدريد، وتذكره شارع "سيرانو" الذي أقام فيه بشقة، كان يكتب فيها النشرات الموجهة للجنود المغاربة، ومقالات للصحف التي كانت تصدر في مدريد، مثل " بوليتيكا" و"ألموندو أبريرو"و " كلاريدار" ومقالات أخرى لصحف عربية.
تملكتني رغبة في تلك اللحظة للتعرف على شارع "سيرانو" الذي عاش فيه نجاتي في مدريد، عبّرت للرفيق سانتياغو عن تلك الرغبة، وفي الحال غادرنا المقهى، ومضينا معا مشيا على الأقدام في شارع القلعة، ومنه اتجهنا إلى عدة شوارع  متقاطعة في وسط المدينة، اجتزناها وسرعان ما وصلنا الشارع المطلوب.
أدرت بصري في كل جهاته ضمن بعد مكاني واسع، ولاحظت ضخامة محلاته التجارية، وكثرة الناس الذين يتجولون على امتداده أفرادًا وجماعات.. تمشينا فيه وأشار لي سانتياغو بيده؛ إلى بنايات كانت مقرات أجهزة  حكومية للجمهورية إبان الحرب الأهلية، وردد بصوت خفيض: "من المؤكد أن نجاتي كان يتردد عليها بين الحين والآخر".
 واصلنا التجوال في نفس الشارع، وفي لحظة اقترح علي سنتياغو، أن نزور معًا متحف الملكة صوفيا للفن الحديث، للتعرف على لوحة "جورنيكا" من أجل استذكار ضحايا الحرب الأهلية، لأن بيكاسو رسمها بناء على تكليف من حكومة الجمهورية، واستوحاها من قصف طائرات ألمانية وإيطالية مساندة لقوات فرانكو، لمدينة جورنيكا في منطقة الباسك يوم 26 أبريل/ نيسان 1937.
وتكمن أهمية اللوحة في أنها تعرض في ثنايا مضمونها الدفين؛ عناصر جوهرية عن مآسي الحروب والمعاناة التي تسببها للبشرية جمعاء، تظهر فيها كاشعاعات تتجمع في بؤرة تختلط فيها الأفكار الإنسانية، وتصبغها بصبغة خاصة، تبرزها كلوحة تدعو إلى إعلاء مبادئ السلام في الحياة المعاصرة.
بعدها غادرنا شارع "سيرانو"، واتجهنا في طريقنا إلى متحف صوفيا للفن الحديث، وسرعان ما وصلنا المتحف المطلوب، ولجناه واتجهنا في الحال الى الطابق الثاني حيث توجد لوحة "جورنيكا" التي تعد من أشهر لوحات القرن الماضي، نظرت أمامي ووجدت نفسي أمام اللوحة المنشودة في رحاب قاعة كبيرة.. لوحة جدارية ضخمة تبلغ مساحتها ما يقرب من سبعة وعشرين مترًا مربعًا، عادت إلى إسبانيا عام 1981، إثر إرساء الديمقراطية فيها وعودة الحريات العامة.
على مقربة من اللوحة، وجدت في قاعات مجاورة لها، شواهد كثيرة تدل على خصوصيتها، منها فيلم يسترجع تفاصيل أحداث مؤلمة من أيام الحرب الأهلية، وخزائن زجاجية مليئة بالكتب والملصقات والصور، تؤجج حالة مفعمة بالمعاني الفكرية والسياسية اليسارية، المعبرة عن رؤى ومفاهيم أتباع الجمهورية من أمثال بيكاسو، منها صور لينين وكتب باللغة الروسية، ومنشورات وصور لأهم زعماء الحزب الشيوعي الإسباني، منهم الرفيقة دولوريس إيباروري، والرفيق سانتياغو كاريو.
وقفت مطولًا أمام تلك الخزائن، واستمر بصري بالتنقل بين خيوطها المتشابكة على اتساعها، وفي لحظة التفتُ إلى "سانتياغو" سائلًا عن إمكانية حفظ مذكرات نجاتي مع الكتب والصور والمنشورات المعروضة، لدوره المتميز في الدفاع عن الجمهورية، فأجابني بجدية واضحة: "سوف أرفع اقتراحك إلى الحزب والمتحف."
سلمته كتاب المذكرات، ورفع يده مبسوطة في وضع القسم، وقال لي: "سأبذل كل جهدي لتكريم نجاتي بما يليق به في مدريد."
لاحقًا غادرنا المتحف، وسرعان ما تجولنا في عدة ساحات شهيرة وسط مدريد، منها ساحة "سانتا آنا" ، حيث يوجد تمثال للشاعر الخالد "فيديريكو غارسيا لوركا"، شعرت بانفعالات كثيرة توالت في نفسي الواحدة تلو الأخرى وأنا أنظر إليه، بعدها عدنا أدراجنا إلى شارع القلعة، في وقت كان فيه الليل يُرخي سدوله على المدينة.

//ع
قدير وموهوب
تفاجأ سانتياغو لمعلومات كثيرة عن نجاتي لم يكن على معرفة بها من قبل، منها دراسته في جامعة " كوتف" بموسكو بعد ثمانية أعوام من انتصار ثورة أكتوبر، وتقدير المسؤولين في الكومنترن لقدراته ومواهبه، وتعيينه محررًا مسؤولًا عن صحيفة الشرق العربي الموجهة إلى الدول العربية من باريس، التي كانت تدعو إلى مناهضة الاستعمار في الدول العربية، ومناصرة الحركات  الوطنية الاستقلالية، وشن حملات على دولة الانتداب



صدقي: مندوب الكومنتيرن






نجاتي في القدس عام 1923

السبت 8/9/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع