الموت يغيب الروائي السوري الشهير حنا مينة عن 94 عاما


عبد الخالق اسدي



في الواحد والعشرين من آب الحالي 2018 غيّب الموت الكاتب والروائي السوري حنا سليم حنا ووالدته ريانا ميخائيل زكور مينة الملقب بشيخ الرواية السورية ،اديب الحقيقة والصدق العصامي الذي ساهم في اغناء الرواية العربية وعمل باجتهاد حتى اجاد وأبدع.  رحل بعد معاناة طويلة مع المرض بعد ما لعب دورا رياديا في الرواية السورية والعربية من خلال عشرات الاعمال التي اتسمت خصوصا بالواقعية ويعتبر أيضا أحد رموز الرواية في العالم. كما يعتبر كذلك احد كبار كتاب الرواية العربية حيث لقب ب " شيخ الروائيين العرب "وحمل لقب اديب الحقيقة" وهو من الشخصيات الكبيرة في كتابة الرواية العربية وساهم مع لفيف من الكتاب اليساريين في سوريا. وكان يجاهر بانتمائه الشيوعي في تأسيس رابطة الكتاب السوريين واتحاد الكتاب العرب في دمشق في خمسينيات القرن الماضي، وقال عن نفسه انه كاتب الواقعية الاشتراكية، وان عشاق النقد التقييميين  يعدون حنا مينة ابرز اسم بعد نجيب محفوظ على خارطة الرواية العربية المعاصرة، وكان له دور كبير في التواصل مع الكتاب العرب في كل انحاء الوطن العربي .
ولد حنا مينة في مدينة اللاذقية في 9/3/1924 بعد اربع بنات وهو ما كان يعتبر مبعث شؤم وعار، وعند ولادة حنا كانت والدته تسال الله ان يحميه وتنذر النذور وتبتهل بكل ما في الابتهالات من ضراعة الا تطفئ هذه الشمعة لأنه كان مريضا. وشاء القدر ان يعيش حنا في قلب الخطر وهذا الخطر لازمه حتى الشباب وعاش طفولته في احدى قرى لواء الاسكندرونة على الساحل السوري. وفي عام 1939 عاد الى اللاذقية وهي عشقه وملهمته بجبالها وبحرها. كافح كثيرا في حياته منذ الصغر عمل ومالا في ميناء اللاذقية ثم كبحار على السفن والمراكب واشتغل مهنا أخرى كمصلح دراجات ومربي أطفال في بيت سيد غني الى عامل صيدلية الى صحفي أحيانا. ثم الى كاتب مسلسلات إذاعية للإذاعة السورية باللغة العامية الى موظف في الحكومة الى روائي.  حنا مينة اب لخمسة أولاد، صبيان هما سليم الذي توفي في الخمسينيات في ظروف النضال والحرمان والشقاء والأخر سعد اصغر أولاده وهو ممثل معروف في بطولة المسلسل التلفزيوني "نهاية رجل شجاع" مأخوذة من رواية والده، وله ثلاث بنات سلوى طبيبة  سوسن تحمل شهادة في الادب الفرنسي وامل مهندسة مدنية.
بدأ حياته بمقالات قصيرة واخبار صغيرة ثم تطور الى مقالات كبيرة وقصص قصيرة كتب الروايات والقصص الكثيرة وكان لحياته القاسية اثر في رواياته وكان يقول: "كنت أعاني البطالة والغربة والفقر والجوع واحسد الكلب لان له مأوى "دخل المعترك السياسي مبكرا وعمره 12 سنة وناضل ضد الاستعمار الفرنسي الذي هو امتداد للاستعمار التركي العثماني الذي كان قبله، وهما وجهان لعملة واحدة وهي الاستغلال واستعباد الشعوب واستنزافها ونهب خيراتها .له أربعون مؤلفا ومعظم رواياته تدور حول البحر وأهله، دلالة تأثره بحياة البحارة اثناء حياته في اللاذقية، وكان البحر دائما مصدر الهامه حتى ان معظم اعماله مبللة بمياه موجه الصاخب  وكان يقول في هذا السياق : "لحمي سمك البحر دمي ماؤه المالح صراعي مع القروش كان صراع حياة، اما العواصف فقد نقشت وشما على جلدي اذا نادوا يا بحر اجبت انا البحر انا فيه ولدت وفيه ارغب ان اموت فيه".
  كانت مساهمته كبيرة فيما يعرف بأدب البحر وله 8 روايات عن البحر أهمها "الشراع والعاصفة" اطلق عليه النقاد اسم قصيدة البحر او ملحمة البحر وترجمت الى الإيطالية ونال جائزة عليها. ومن أقواله عن البحر: "امنيتي الدائمة ان تنتقل دمشق الى البحر او ينتقل البحر الى دمشق  اليس هذا حلما جميلا". حصل على جوائز عديدة في حياته سورية وعربية وعالمية وكان يقول : "مهنة الكاتب ليست سوارا من ذهب بل هي اقصر طريق الى التعاسة الكاملة".
الغريب فيما كتب من وصية قبل اكثر من عقد من الزمان قبل وفاته تمنى فيها الا يحتفى به ميتا والا يبكيه احد ولا يحزن عليه احد والا تقام له حفلة تابين واصر على جنازة  "بسيطة جدا عندما الفظ انفاسي الأخيرة آمل واشدد هذه الكلمة الا يذاع خبر موتي في أي وسيلة إعلامية مقروءة او مسموعة، فقد كنت بسيطا في حياتي وارغب ان أكون بسيطا في مماتي وليس لي اهل لان اهلي جميعا يعرفون من انا في حياتي وهذا افضل، لذلك ليس من الانصاف في شيء ان يتحسروا علي عندما يعرفونني بعد مغادرة هذه الفانية. كل ما فعلته في حياتي معروف وهو أداء واجبي تجاه وطني وشعبي وقد كرست  كل حياتي لأجل هدف واحد نصرة الفقراء والبائسين والمعذبين في الأرض، وبعد ان ناضلت بجسدي في سبيل هذا الهدف". أصر على "جنازة بسيطة"  مثل حياته يحمله فيها أربعة اشخاص " غرباء " من دائرة دفن الموتى ويهيلون التراب على جثمانه وينفضون أيديهم من بعد وكان امرا لم يحصل  هذا هو الاديب العربي السوري الذي اثرى المكتبة العربية والعالمية بمقالاته ومؤلفاته غارفا إلهامه من بحر الحياة والبحر الطبيعي .
(دير الاسد)
الخميس 6/9/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع