معرض في تل أبيب يجاهر بسلب أعمال عربية وعرضها برغم إرادة أصحابها لضرب المقاطعة!


هشام نفاع


مقطع مصور من عمل للفنان المصري وائل شوقي



سرقة، حرفيًا
تعود القصة الى إعلان خرج به غاليري يطلق على نفسه اسم أو صفة الـ "مركز للفن والسياسة" في مدينة تل أبيب، بشأن تنظيم معرض عنوانه "فنون عربية مسروقة". للوهلة الأولى يظن المرء أن هناك تلاعباً ذكياً ما خلف هذا العنوان، أو صياغة تحمل غمزة نقدية مخبّأة ما. ولكن قراءة النص المرافق والداعي لذلك المعرض، تكشف أن المقصود حرفياً هو سرقة لأعمال فنية عربية وعرضها.



ثرثرات المترَفين
بالمفهوم السلبي للتفلسف المبتذل المُفرغ من مضمونه، يدّعون أنهم اختاروا البدء بهذا المعرض في مركزهم "احتجاجاً على الوضع الراهن..". على من يحتجّ بالضبط هذا المُنعَم بالترف خلف الجدار الحديدي المحروس بأحدث الأسلحة الموجهة إلى الفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً؟ من هو عنوان سهامه النقدية؟ ليس المؤسسة السياسية والعسكرية التي تفرض هذا كله، بل ليس هناك تحديدا لأي عنوان، بل مجرد ثرثرات متخففة من أي التزام أخلاقي ومن أي استعداد لدفع الثمن الواجب: واجب المعارضة وتبعاتها


   

خلف شتى المواجهات السياسية بما في ذلك تجلياتها العسكرية، سواء على حدود غزة المحتلّة أو على حدود الجولان المحتلّ مع عمقه السوري شمالاً، شهد غاليري إسرائيلي في أواسط تموز المنتهي حدثاً يمكن القول إنه جسّد في العمق صورة مكثّفة جداً لفعل وفكرة السيطرة والتملّك عنوة بقوّة الذراع والبندقية والدبابة على ما ليس لك! لم تكن في الغاليري أسلحة لكنه اشتمل على كامل العدة التفكيرية- العقائدية للقيام بفعل سيطرة وتملّك قسري وعنيف مماثل في الماهيّة.
تعود القصة الى إعلان خرج به غاليري يطلق على نفسه اسم أو صفة الـ "مركز للفن والسياسة" في مدينة تل أبيب، بشأن تنظيم معرض عنوانه "فنون عربية مسروقة". للوهلة الأولى يظن المرء أن هناك تلاعباً ذكياً ما خلف هذا العنوان، أو صياغة تحمل غمزة نقدية مخبّأة ما. ولكن قراءة النص المرافق والداعي لذلك المعرض، تكشف أن المقصود حرفياً هو سرقة لأعمال فنية عربية وعرضها.
وقد جاء في الدعوة التعريفيّة حرفياً: "يُقدم المعرض للجمهور الإسرائيلي مجموعة مختارة من أعمال الفيديو لفنّانين من العالم العربي والمعروضة في أرجاء العالم، لكنها لم تُعرض في إسرائيل بعد. يلقي هذا المعرض الضوء على العالم الفنّيّ في الدول العربية المجاورة، الغائب والمخفي عن المشهد الفنّيّ والثقافيّ المعاصر في إسرائيل. تسعى الإشارة إلى الحدود السياسيّة والجغرافيّة إلى لفت الأنظار إلى مكانة إسرائيل الشاذة في أسرة الشرق الأوسط".
حتى هنا أيضاً قد يخطر بالبال أن هناك مَن يسعى الى توجيه حزمة استثنائية من الضوء على ما ينتج من أعمال فنية عربية يتم حجبها عن الجمهور الإسرائيلي، قاصداً نقد الانغلاق الإسرائيلي في مقابل المحيط الجغرافي والثقافي القريب، والذي يتم الهرب منه نحو الانخراط المفتعَل في حيّزات أوروبا سواء في الغناء (يوروفيجن، مثلا) أو الرياضة (دوري كرة السلة، مثلا) أو التصوّر الذاتي بل التوهّم الذاتي (إسرائيل دولة غربيّة في الشرق). لكن هذا أيضاً يتضح كخطأ متسرّع: لا يوجد أي نقد لإسرائيل الرسمية. فالمنظمون يصارحون في بيانهم باللغات الثلاث، العبرية والإنجليزية والعربية، بما يلي: "تُعرض هذه الأعمال في إسرائيل دون عِلم الفنّانين، ومن خلال الإدراك الكامل لعملية سلب ممتلكاتهم هذه"، ويفسّرون إقدامهم على فعل السلب هذا بالقول إنه: "بواسطة هذه المعرض نسعى إلى تعزيز واقع من التعاون والحوار في الشرق الأوسط، واقع بدون حروب واحتلال، عالم بدون حدود؛ الواقع الصحيح المرغوب بنظرنا". ومن المغري جداً التفكير في التناقض الهائل بين الإقدام على فعل سلب أعمال لفنانين وبين الحديث عن تعاون وحوار. السلب كفعل عنيف لا يقيم أي وزن لإرادة المسلوب منه، هو فعل يساهم في التعاون والحوار مثلما تساهم رصاصة بندقية في تقريب القلوب. بشيء من السخرية الجادّة قد يُقال إن هذا ما يجري، إسرائيلياً، في خصوص كثير من الممتلكات والمنتَجات التي تُسلب وتُدمغ بالأزرق والأبيض ويُعلن عنها "وطنية إسرائيلية" ثم يُقال: هذا جزء من القاسم المشترك الذي يجمعنا مع جيراننا. هذا ما حدث لزيت الزيتون ولأطباق شعبية عديدة.


فَرضٌ للأمر الواقع بهدف كسر المقاطعة الثقافية لإسرائيل الرسمية

لا يخفي المنظّمون المجاهِرون بالسّلب أنهم اختاروا "عدم نشر أسماء الفنّانين لعلمنا بعدم رغبتهم بعرض أعمالهم في إسرائيل كجزء من المقاطعة الثقافية العربية والعالمية لدولة إسرائيل، وكي لا نفرض عليهم تعاوناً لا يرغبون به، وبهدف عدم تعريضهم لسيف الانتقاد واتهامات الخيانة". أي أن هناك بالإضافة إلى السّلب فَرضٌ للأمر الواقع بهدف كسر المقاطعة الثقافية لإسرائيل الرسمية، والتي يقوم بها أصحابها لأسباب سياسية وبدوافع أخلاقية. وهكذا فلا يتم سلب ممتلكات أولئك الفنانين، بل تُنتهك كرامتهم الذاتية من خلال تهشيم موقفهم الداعي للمقاطعة.
لا يمكن التخلّص من صورة تلحّ على الذاكرة حين فرضت السلطات الاسرائيلية على قسم من أهل قرية كفر قاسم لقاءً على مأدبة طعام لفرض "صُلحة" عليهم قبل أن تجف دماء شهداء المجزرة الوحشية التي اقترفتها قوات الأمن الاسرائيلية في قريتهم في العام 1956. دوس الإرادة الشخصية وممارسة العنف ضد الكرامة الذاتية للإنسان وجرّه الى ما يناقض وجدانه، هو نهج واحد في الحالتين. هذا الإرث البشع يجد له تجليات في هكذا معرض، أبرز ملامحه العميقة الغطرسة والوقاحة والتبلّد المطبق نحو من يُزعم بالسعي للتقرّب منه.
وحتى تكتمل صورة القتامة يتفنّن منظّمو استعراض "الفنون العربية المسروقة" في التفلسف، بالمفهوم السلبي للتفلسف المبتذل المُفرغ من مضمونه، إذ يدّعون أنهم اختاروا البدء بهذا المعرض في مركزهم "احتجاجاً على الوضع الراهن، ومن خلال الإيمان بقدرة الفن على توسيع الآفاق، وتغيير وجهات النظر، وإحداث التغيير الاجتماعي والسياسي وسعياً إلى الحرية والديمقراطية في المنطقة بين النهر والبحر، وفي العالم كله". على من يحتجّ بالضبط هذا المُنعَم بالترف خلف الجدار الحديدي المحروس بأحدث الأسلحة الموجهة إلى الفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً؟ من هو عنوان سهامه النقدية؟ ليس المؤسسة السياسية والعسكرية التي تفرض هذا كله، بل ليس هناك تحديدا لأي عنوان، بل مجرد ثرثرات متخففة من أي التزام أخلاقي ومن أي استعداد لدفع الثمن الواجب: واجب المعارضة وتبعاتها؛ ثرثرات عن "توسيع الآفاق" و"تغيير وجهات النظر" و"إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي" والسعي الى "الحرية والديمقراطية". هكذا تمارس هذه الغايات المؤسسة الإسرائيلية نفسها؛ سعي الى "تغيير وجهات النظر" بفرض العقوبات على المدنيين في قطاع غزة، مثلا، لينسوا الاحتلال الاسرائيلي ويقوموا على السلطة هناك سعياً الى "إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي" وتحقيق "الحرية والديمقراطية". عقليّة صمغُها العُنف والإملاء والتجاهل التام لإرادة الطرف الآخر وكرامته الإنسانية. وهو بالضبط ما يقوم به من يسلب أعمالا فنية لمبدعين عرب ويعرضها دون إرادتهم وخلافا لموقفهم السياسي والأخلاقي المنسجم مع المقاطعة الثقافية. هذا هو التجلّي الأبشع للعنف، فهو لا يتم بالسلاح، بل بمزاعم استخدام الفن والإبداع لنشر الحريّة.
يكفي التمعّن في هذا الانقطاع الجاهل الهائل عن كُنه القيم التي يثرثر بها منظمو المعرض، من خلال الأوصاف التي يسبغونها على مشروعهم: إن "مركز الفن والسياسة" هذا "يعمل على تشجيع إعادة النظر بالقيم الأساسية والمؤسسات المفاهيمية للفنون الحديثة المستقلة، مثل المُلكية، التأليف، المشاهدة. المركز هو منارة لحرية التعبير والالتزام السياسي المدني، ومحور للفكر والعمل على تعزيز قيم استخدام القدرات الفنية، ويبحث في الاقتصاد والتمدن الجديد، وينقش على رايته حب الآخر والمختلف، وشجاعة وشغف التجدد، واحترام كل إنسان". فعلا، لا يوجد أرفع من احترام الإنسان بواسطة دوس إرادته والسيطرة على ممتلكاته والتصرف بها كملك خاص!


لعب الدور الأحبّ على القلب الاسرائيلي الشائع: دور الضحية

هذا النص الذي يكشف العديد من طبقات تفكير وتوجّه وعقليّة الغطرسة لدى أصحابه احتوى على التصريح المقتضب التالي: "غالباً ما يتطلب من الفن تخطي الحدود الأخلاقية والقانونية والمعيارية بغية التقدم إلى الأمام"..
هنا يتقدمون خطوة للأمام في معرض تملّك ما ليس لهم، في معرض السّلب، وهو تملّك للفن حين يقوم بدور مقاوِم للهيمنة بمختلف تجلياتها، فتراه يسلك كمقاوِم لاحتلال أو عدوان يضطر اضطرارا لرفع سلاح. لكن هذا لا ينطبق أبداً على من يتحرّك في حيّز القوي المهيمن العدواني، فيسلب الآخرين ممتلكاتهم ويتصرّف بفظاظة بها ناسباً لذاته صفة من يتخطى الحدود لتحقيق غرض نبيل. هناك نوع من الغطرسة التي تبعث على الحماقة لدى ممارسيها بدرجات غير قابلة للتخيّل.
وكأن هذا كله لا يكفي، فقد أدلى بعض منظمي المعرض بتصريحات لعبوا من خلالها الدور الأحبّ على القلب الاسرائيلي الشائع: دور الضحية. أحدهم قال بحسب صحيفة "هآرتس" إن "المعرض المشار إليه يمثل نوعاً مختلفاً من الأداء، حيث يثير أسئلة عن العلاقة بين الفن ومؤسساته، وعن كيفية التعامل مع القانون، ومع الواقع، ومع الاتفاقات السياسية، ومع حملات مثل حملة مقاطعة إسرائيل (بي. دي. إس)، ومع الحكومة الإسرائيلية... فكرة المعرض نشأت عندما حاولنا إقامة معرض عادي يضم أعمالاً عربية برضى أصحابها، ولكننا لم نستطع أن نحصل على موافقتهم، حيث إنهم إما تجاهلونا أو رفضوا". وقالت أخرى "نحن نحتاج إلى سلام في وقت لا يتقدم السلام... وقد مددنا أيدينا، لكن مبدعيها رفضوا وأعطونا ظهورهم، نحن نعرف أن هذا فعل أحادي الجانب". الطريق التي يقترحها هؤلاء لتحقيق السلام المفقود هو المزيد من سلب الضحايا وتملّك ممتلكاتهم. وهو ما تفعله المؤسسة الحاكمة في إسرائيل بجميع مركباتها. ومن هنا القول إن هذا المعرض لـ"الفنون العربية المسروقة" قد جسّد في العمق صورة مكثّفة جداً لفعل وفكرة السيطرة والتملّك عنوة، من إنتاج مؤسسة إسرائيل الرسمية.


إمكانية مقاضاة الجانب الإسرائيلي في المحاكم الدولية


ركز عدد (قليل) من وسائل الإعلام العربية على الحدث، ونقل أن بعض الفنانين العرب وبينهم وليد رعد (لبنان) ووائل شوقي (مصر)، ممن سرقت أعمالهم، سارعوا إلى إدانة المعرض سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي تصريحات صحافيّة. وتحدث بعضهم عن مشاورات يجرونها مع جهات قانونيّة بشأن مقاضاة منظمي المعرض والغاليري في محاكم دوليّة. وهم يقولون إن هذه السرقة العلنيّة للأعمال الفنيّة العربيّة ليست ظاهرة معزولة عن سياق تاريخي منذ مئة عام على الأقل يقوم على مبدأ سرقة حقوق الآخرين في التاريخ والجغرافيا والثقافة بكل تجلياتها لمصلحة مشروع استيطاني عنصري يقوم على إلغاء الآخر.
الفنان وائل شوقي قال في تصريح إعلامي: "ما الهدف من كونك لصاً وفخوراً بفعلك هذا؟ على أيّ حال هذا لن يغير من الأمر شيئاً، كل هؤلاء الفنانين الذين عرضت لوحاتهم بمن فيهم أنا، ضد عرض أعمالهم في إسرائيل. لقد جعلتم هذه النقطة أكثر وضوحاً". وقال شوقي إنه بلّغ وكلاءه في لندن وفي بيروت، بإمكانية مقاضاة الجانب الإسرائيلي في المحاكم الدولية.



ما الذي يتبقى من "الفن والسياسة" إذا كانت النتيجة استخداما انتهازياً للفن؟

لم يتوقف الإعلام الإسرائيلي بصفحاته وأقسامه الثقافة بما يكفي أمام عرض الأعمال العربية المسروقة في تل أبيب، بالرغم من إرادة أصحابها. بل إن أحد النقّاد في صحيفة "هآرتس"، التي تملك صوتاً رزيناً مختلفاً عن سائر الإعلام المهيمن، ركّز في مقالة تناولت المعرض "القرصاني" على السبل البديلة الكفيلة بعرض الأعمال كفعل لاسلطوي بدلا من الظهور بمظهر السارق. وقدّم الناقد بعض النصائح كي تكون السرقة متماهية مع الفعل الفني الذي يتجاوز الحدود والمعايير. وهو نفسه لا يدرك أنه يتحدث من داخل حيّز الهيمنة.
لكن عدداً قليلا من المواقع والمجلات الفنية المستقلة خرج بمواقف واضحة تدين فعل السرقة ومحاولة الاستعراض بأن ما حدث هو إقدام على فعل سياسي راديكالي. ولعل أحد أبرز الردود كان للمجلة الفنية الإلكترونية "توهو"، التي نشرت مقالا وقعته هيئة تحريرها قالت فيه إن "فنون عربية مسروقة" هو "معرض ملوث بالفظاظة، الجهل، السّخف والخداع. ومنظموه يدوسون بجلافة إرادة الفنانين المعروضين بعدم عرض أعمالهم في إسرائيل" وأكدت أن "عضوات وأعضاء هيئة تحرير توهو يرفعون صوتهم ضد هذه الفعلة الانتهازية التي تجري تحت قناع التنوّر والحوار".
المجلة الفنية المستقلة التي تستقر في تل أبيب وتصدر بثلاث لغات: العبرية، العربية والانجليزية كتبت: نشهد في السنوات الأخيرة ظاهرة: أشخاص ينشطون في حقل الفن وسط دوس حقوق فنانين ومواطنين، تحت قناع التنور والحوار. نحن ندعو أفراد المجتمع الفني في إسرائيل إلى عدم التعاون مع مثل هذه الأفعال. ونجد أنفسنا ملزَمات بتناول هذه الظاهرة مرة أخرى اليوم، في ضوء معرض "فنون عربية مسروقة"، الذي افتتح مؤخرا في "مركز الفن والسياسة".
تستعيد المجلة محاولة سابقة لفرض عرض أعمال لفنانين عرب دون موافقتهم بل بالرغم منهم، فتكتب: "قبل سنة واحدة فقط افتُتح البينالي المتوسطي الثالث في سخنين. هناك أيضاً سعى القيّمون إلى عرض أعمال لفنانين من العالم العربي، بدون علمهم ولا موافقتهم، انطلاقا من رؤية مفادها أن مثل هذا العرض لا يشكل إمكانية واردة لفنانين كثُر، سواء بسبب الظروف السياسية في مكان سكناهم، أو بسبب النظام الإسرائيلي المحتل والقمعي، أو بسبب قيَم المجتمعات التي ينتمون اليها. هناك أيضا حاول المنظمون استخدام حملة الـBDS (المقاطعة الاقتصادية والثقافية الدولية لإسرائيل) لغرض إنتاج علاقات عامة للمعرض، فعرضوا أنفسهم كضحية لوضعية عشوائية ليست متعلقة بهم، وبرروا أفعالهم بنواياهم الحسنة. يومها أيضاً ثارت معارضة جماهيرية حادة وغضب شديد على هذه الفعلة الحقيرة".
وفي مقارنة مع المعرض قيد البحث، تقول افتتاحية التحرير: "لكن هناك (في بينالي سخنين) على الأقل لم يفاخر المنظمون بفعلة السرقة وعرضها كخطوة ثورية ولا بالتجاهل الفظ لإرادة الفنانين كفعل "تعزيز واقع من التعاون والحوار في الشرق الأوسط، واقع بدون حروب واحتلال، عالم بدون حدود"، على حد قول منظمي معرض "فنون عربية مسروقة". في حالة سخنين تم استعارة الأعمال من مجموعة FRAC وتم إنزالها حين طلبت المجموعة الفرنسية ذلك، وفي ضوء طلب الفنانين إلغاء الإعارة حين علموا بعرض اعمالهم في إسرائيل خلافا لإرادتهم وبدون علمهم. بل إن أحد الفنانين ذهب إلى حد الادلاء بمقابلة لصحيفة "هآرتس" شرح فيها الأضرار التي قد يتعرض لها نتيجة لهذا التلاعب بالعقول. يومها كتبنا، وكتب كثيرون آخرون، حول الأضرار الممكنة التي قد تلحق نتيجة هذه الفعلة بفنانين ومبدعين وكذلك بنشاطات رفض، بحوارات، بأشكال تعاون، وبإمكانيات تضامن أساسي، قائمة على مستويات جماهيرية مختلفة، وأكدنا على واجب المجتمع الثقافي بالتنصل من هذه الفعلة الخطيرة وبإدانتها".


"بماذا يختلف موقف منظمي المعرض عن موقف حكومة اليمين في إسرائيل؟"


المجلة توقفت أيضاً عند محاولة منظمي معرض "فنون عربية مسروقة" عرض أنفسهم كمن يحملون رسالة راديكالية، وتقول عنهم: "يبدو أن منظمي المعرض في تل أبيب لم يتعلموا شيئاً من ذلك. واعتقدوا أن مجرد وعيهم المشكلة (فعلا – توزّع في المعرض أوراق تشمل الحقوق الفكرية وقائمة مراجع حول الحيّز العام) والإعلان عن ذلك، لا يعفيهم من المسؤولية فحسب، بل يضيف طبقة من الراديكالية المزعومة لأفعال الخداع والنصب المهينة التي أقدموا عليها. بدلا من إنزال الأعمال واصلوا المحاججة وكأنهم محامون أنه "اخترنا عدم نشر أسماء الفنّانين لعلمنا بعدم رغبتهم بعرض أعمالهم في إسرائيل كجزء من المقاطعة الثقافية العربية والعالمية لدولة ‏إسرائيل، وكي لا نفرض عليهم تعاوناً لا يرغبون به، وبهدف عدم تعريضهم لسيف الانتقاد واتهامات الخيانة‎."‎ فعلا بوسع الفن إنتاج وتطوير حوار، ولكن ليس بواسطة فعل اغتصاب، حتى لو أرفقت به اقتباسات لفوضويين من العام 1840 ودعوة إلى "حوار مفتوح" (المنظمون هم من يحددوا قواعده). إن من يمارس الاحتلال يسرق ثم يأمر ضحية الاحتلال بالتكلّم. عملياً، النقاشات من النوع الذي يذهب اليه المعرض تجري طوال الوقت، من دون حاجة للفرض والإكراه، الخداع والترويج الشخصي العدواني".
إن مثل هذه الأفعال التي قام بها البينالي في سخنين والمعرض في فضاء العرض الجديد في جنوب تل أبيب "تدوس بفظاظة جلفة إرادة الفنانين المعروضين بعدم عرض أعمالهم في إسرائيل، انطلاقا من موقف يطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ويعارض التطبيع الذي يتعاطى مع الطرفين كمتساوي المسؤولية ومع الاحتلال كـ"صراع". هذا ليس فعلا عنيفا فقط بل ينطوي على جهل، سخافة وخداع" تؤكد مجلة "توهو" وتتعاطى مباشرة مع الجذور السياسية لهذا المسلك إذ تكتب: "فوق كل شيء، يبدو أنه يتغذى من المزاج السياسي السائد في دولة إسرائيل والذي لا يمكن فصله عن السياسة الإسرائيلية العنيفة، العنصرية، الاستغلالية والمحتلة، والتي يمكن ملاحظة آثارها على امتداد الطيف السياسي كله تقريبا، وفي كل نقطة من الحيز العام. إلى ذلك يجب أن يُنسب الاستعراض الذاتي المستهجن، إن لم نقل المعيب، للمنظمين وكأنهم ضحايا الوضع السائد، وليس أنهم يقومون بفعل سرقة ودوس غير أخلاقي بحكم مكانة القوة والاستعلاء. ولا يهم كم سيقومون بقفزات أكروباتيكية، وما اذا كان المعرض يقع في سخنين أو في شارع هشارون في تل أبيب. ويجب أن ننسب إلى ذلك المزاج السائد ذاته، محاولة استملاك كل رد فعل على الحدث (بما يشمل هذا الرد طبعا) وكأنه ناتج ايجابي للحدث نفسه، ولم يكن ليتم لولاه. إن رد الفعل المستعلي والمستخف ومكمّم الأفواه من قبل المنظمين على أقوال الفنانة والممثلة رائدة أدون خلال حفل افتتاح المعرض، شكل بالضبط مثالا دقيقا لما يقف خلف تلك "النوايا الحسنة" التي يتشدقون بها. من المهم التأكيد: كي تكون فنانا أو قيّماً لا يكفي أن تعلن هذا عن نفسك. هناك حاجة لأن يتم قبولك بهذه الصفة. ونحن نرفض. نحن نراكم على حقيقتكم: فلاسفة مزعومون ومنظرّون مزيفون، وشخوص إعلام وعلاقات عامة تفتقرون إلى عمود فقري أخلاقي. ما الذي يتبقى من "الفن والسياسة" إذا كانت النتيجة استخداما انتهازياً للفن؟ بماذا يختلف موقف منظمي المعرض، الذين يدّعون اليسار الجديد، عن موقف حكومة اليمين في إسرائيل؟".





(ينشر بالتنسيق مع ملحق "المشهد الإسرائيلي")

السبت 4/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع