اللون الأصفر ساطعًا


د. حسن مدن



بعد انتهاء أحد عروض الكوميدية الأسترالية هانا كَادسبي، المعروفة بسعة اطلاعها، كونها درست تاريخ الفن، اقترب منها أحد الحاضرين، وهي تغادر المسرح، مبديًا استهجانه مما قالته في عرضها الذي انتهى للتو، بأنها تتناول أدوية تساعدها في التغلب على متاعبها النفسية الكثيرة، وما تعانيه من موجات اكتئاب، قائلًا لها: أنت فنانة، ويلزمك التوتر النفسي كي تبدعي. هل كنا سنحصل على لوحة رائعة مثل لوحة "عبّاد الشمس"، لو أن فان جوخ، مبدع اللوحة، كان يتعاطى أدوية للتغلب على ما كان يعانيه من توترات نفسية، جعلت الكثيرين يصفونه بالجنون؟
في عرضٍ لاحق لها سردت هانا كَادسبي هذه الواقعة، معقبة أنها كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بفائدة أنها درست تاريخ الفن، لأنها تعرف سيرة فان جوخ، من خلال دراستها، وتعرف أنه، مثلها، بل أكثر، كان يتعاطى أدوية مهدئة لتوتره النفسي، وأن هذه الأدوية لم تحل دون أن يبدع "عبّاد الشمس"، وغيرها من اللوحات التي خُلِّدت في تاريخ الفن التشكيلي.
ليس هذا وحده ما تعرفه المرأة عن معاناة وإبداع فان جوخ، فهي تعرف أيضًا أن الرجل الذي عاش حياته عليلًا، استوحى في بعض لوحاته صور الأطباء الذين كان يتردد عليهم لتلقي العلاج من الاكتئاب، بل إنه في إحدى اللوحات، لم يكتف برسم وجه الطبيب، وإنما أيضًا صورة النبتة التي تستخرج منها الحبوب التي كان الطبيب يصفها له للعلاج.
لكن المعلومة الأهم بين هذه المعلومات، التي هي كلها مهمة، لتعريفنا بسيرة وإبداع فان جوخ، هي أن الدواء المستخرج من النبتة التي صوّرها في لوحته، يجعل العين ترى اللون الأصفر بالذات أكثر عمقًا وسطوعًا، مما هو فعلًا.
ولنا بعد هذا أن نتخيّل سر هذا السطوع للون الأصفر في "عبّاد الشمس"، وربما في غيرها من لوحات الفنان، لأنه، بتأثير ما كان يتناوله من حبوب، مستخرجة من تلك النبتة، كان يرى في هذا اللون عمقًا لا يراه الآخرون، بمن فيهم الفنانون مثله.
هل كان فان جوخ مبدعًا متميزًا لأنه يرى اللون الأصفر بهذا العمق؟
لا، طبعًا، ولم يكن على هذه الدرجة من التميّز لأنه كان سابقًا لعصره، كما يزعم بعض كتاب ودارسي تاريخ الفن. تجزم هانا كَاسبي بأنه لا أحد يولد قبل وقته، سوى الأطفال الخدج الذين لم يكتمل نموهم بعد، الرجال والنساء العظام يأتون في عصرهم تمامًا، هم يتميزون لأن العصر الذي يعيشونه، وبالطبع المكان الذي يعيشون فيه، يهيئان لهم ذلك التميّز.
كيف يمكن القول إن أشهر الفنانين الانطباعيين ولد قبل عصره، هو الذي عاش في زمن كانت فيه الانطباعية في ذروتها، وبالنتيجة أصبح هو أحد أهم وجوهها؟
كان فان جوخ، ككل العظام، ابن زمنه، ليس سابقًا له ولا متأخرًا عنه.
الخميس 12/7/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع