المكان بينَ الذاكرة والنسيان في رواية عائد إلى حيفا لغسان كنفاني


بسام عرار


    ** تقديم
          لقد عاشَ الفلسطينيونَ، أحياؤهم وجمادُهم نكبةً تركت صورة على أدمةِ التاريخ وما زالت هذه الصورةُ تتجلى بالوضوحِ والاتّسامِ، حتى يومِنا هذا فهذا الموضوع شغلني إنسانيا وأكاديميا علميا.
          الإنسانُ الفلسطيني صاحبُ الأرضِ والتاريخ والأسبقية، حرِيٌّ به أن يبقى ما بقي الزيتون، وأن يتجلى في ذاكرته حلمُ العودةِ والرجوع حيثُما حل وارتحل، كما الريشات الكنفانيات - كما ورد في الرواية - بقيت على الطاولة عشرين عاما في بيت سعيد وصفية بعد ان خرجا إثر النكبة مِن حيفا عام 48، وتركا فيه ذكرياتٍ وريشاتٍ وطفلًا رضيعا عمره خمسة أشهر، اسمه خلدون ولم تطيرها رياحُ الوحدة ووحشة الغرباء.
          إنّ الهمومَ التي شغلتِ الروائي الفلسطيني بعدَ نكبةِ عام 48، تركزت حولَ الحنينِ والذكريات، والأرض سلبا أو بيعا، وتركزت حول حياة المخيم البائسة وعنصرية الآخر، وفقد الذات الفلسطينية والعربية وغيرها.(1)


** غسان كنفاني
 - ولد غسان كنفاني في عكا عام 1936م.
 - نزح مع عائلتهِ إلى دمشق عام 1948 م.
 - عمل مُدرسا للتربيةِ الفنية في مدارسِ الأونروا في دمشق، ثم انتقل إلى
    الكويت، عام 1956 م، حيث عمل مدرسا للرياضة والرسم.
 - في عام 1960، أسسَ كنفاني جريدةَ الهدفِ الأسبوعيةَ، وبقيَ رئيسًا
    لتحريرها حتى استشهادِه.
 - اغتالته المُخابراتُ الإسرائيليةُ في تموز، عام 1972م، من خلال تفجير
   سيارتهِ أمام منزله في الحازمية.(2)


** مدخل إلى رواية عائد إلى حيفا
رِواية عائد إلى حيفا هي نثرٌ بِرشةِ الحلم ؛ انغرست بدمِ القلب صورت حياةَ اللجوءِ الفلسطيني، واقتلاعَه مِن أرضه في نكبة عام 48 فقد قسمتِ الجسد الفلسطيني إلى نِصفين ولم تفلح كل المحاولات في إعادة صياغة الجسد بعد عشرين عاما، حاولت النكبة تغيير الزمان والمكان على الأرض، وفصل الجسد عن الروح، وهو جسد العائلة الفلسطينية في حيفا ؛ سعيد وزوجته صفية وابنهما الرضيع خلدون، فقد هربا من القصف والقتل وتركا البيت والطفل والذكرى وعادا بعد عشرين عاما الى ذات المكان، آملينِ في أن يسترجعا بعضا من ذكرياتهم السّليبة لقد وقفت عقبةُ الإنسانِ أمامهما، إنه الإنسان الذي صقلته افكار عشرين عاما تزامنا مع البكاء الذي كان ينشجُ من بعيد، أجل إنه بكاء الأم صفية - دوف - هذا الشاب الذي لا يعرفُ خلدون البتة ولم يُخَفف عنه بُكاءً أبدا، لقد رفض دوف أبويهِ البيولوجيينِ، فعرف سعيد أنه أخطأ عندما ظن أن الوطنَ هو الماضي فقط وأيقنَ أن البكاءَ لا يُعيدُ وطنا. (كان عليكم ألا تخرجوا مِن حيفا، وإذا لم يكن ذلك ممكنا فقد كان عليكم بِأي ثمن ألا تتركوا طفلا رضيعا في السرير). (3) (لقد مضت عشرون سنة يا سيدي! عشرون سنة! ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك؟). (4) إن الشخصية ذات الدم الفلسطيني والفكر الصهيوني - دوف - قد سيطرت عليه أفكارُه التي تشرّبها على امتداد عشرين سنة وفي ذلك تجلّ في انتشالِ المكان مِنَ الدم والأصل، بتأثير التربية وزرع الأفكار على امتداد عمر طويل، إنه الدم ُ الذي اشتمّ هواءَ حيفا عشرين عاما دون أن تفلحَ في ايقاظ ِ العروبةِ في دَمِه، كان الولاءُ كلُّ الولاءِ للأبوينِ التقليديينِ لا للبيولوجيينِ.
            يتناول الكاتبُ "غسان كنفاني" قضية صعبة جدا وهي إعلان الاحتلال السماحَ للفلسطينيينَ عام 1967 بزيارة أرضِهم التي شُرّدوا منها عام 1948 فتطرحُ الذات والفلسطينية تساؤلا عنِ الانتماءِ للوطن، ويعني ذلك الالتصاق بالأرض ِ وتدعو الوعي بذلك تماما عندما يكونُ فوقَ أرضه لا عندما يكون ُ نازحا عنها، وتهدده بِخسارةٍ فادحة وتغلقُ الأبوابَ كلها أمامه، إلا الطريق المُسلح لا غير.(5)
          (إنني أعرفها، حيفا هذه لكنها تنكرُني) (6) ويخالُ الباحث أن سعيدا كانت تراوده العودة عن حيفا قبل رؤيةِ خلدون بعد أن قام المستوطنانِ ايفرات كوشن ومريام بِأخذِ المكانِ حاصلينِ على ما فيهِ من ذكريات مادية ومعنوية، لقد أحسّ الفلسطيني بِأنّ المكانَ يعاتبُه ويُنكرُه، (قالت صفية :- إنهم يذهبون الى كل مكان، ألا نذهب الى حيفا؟). (7) (نرى بيتنا هناك، نراهُ فقط) (8) 
المكان ُ ليس فِكرةً تخطر على البالِ أو طيفا يتجلى في لحظة ويذهب فكيف للمكان أن يتحول إلى طيفٍ عابر في خاطر الأم صفية؟ وبعد كل هذا الصراع العاطفي يوقن سعيد بأن الطريق الوحيد للوصول إلى المكان بذكرياتهِ المادية والمعنوية هو الطريق المُسلح، (وأنا واثقةٌ مِن أنّ خلدون سيختار والديهِ الحقيقيينِ لا يمكنُ أن يتنكرَ لِنداءِ اللحمِ للدم) (9) (عاشت صفية- أم خلدون - عشرين عاما تفصلُ بين هزيمتي 1948م ثم 1967 م تنتظرُ لحظةَ لِقائِها ابنَها الذي لم تتمكن مِن حملِه معها من بيتها في حيفا عام النكبة، من حيفا الى رام الله وتحمل هزيمة حزيران أملا بلقاءِ الابن الذي كان عمره آنذاك خمسة أشهر (10)
يخالُ الباحثُ أن الأمَّ ذاتَ العواطفِ الجياشة غاب عن خاطرِها أنّ عشرين عاما جثمت على خمسةِ أشهر بريئة وهي عاقدةٌ ِ الأملَ على حنين الدم للأصل، لقد كانت صفية تخال أنها ما تزال في بيتها المسروق ظانةً أنها تحملُ رضيعَها النائمَ في غياهبِ الطفولةِ، وسيصحو الآن باكيا طالبا رضعة تنسيهِ همّه الأوحد، الجوع، كلا إنّ عمرَه الآن عشرون عاما، وسيطلب أبعد من ذلك، سيطلبُ حلا لقضيته وإنسانيته.
           (ومثلما كان يفعل قبل عشرين سنة تماما خفف سرعة سيارتهِ الى حدها الأدنى قبل أن يصل الى ذلك المنعطف الذي يعرف أن سفحا صعبا يكمن وراءه)
. (11) (وهنا كناية عن أن العائد سعيد لا يقبل التخلي عن تفاصيلِ الحركة في مكانهِ دلالة على وجوده الحي فيه وإن غادره، فخفف سرعة السيارة الى حدها الأدنى قبلَ الوصولِ للمُنعَطَفِ لأنه يعرفُ أنّ سفحا صعبا يكمن وراءه فانعطفت سيارته كَما كان يفعل دائما، فالحركة تعني عودةَ المكان بنفسِ آليةِ الحركةِ المعبرة عن وجودِهِ كإنسان مرتبط فيه نفسيا وعاطفيا وجسديا). (12) ويلمسُ الباحث حركةَ انفعال الذاكرة وحركةَ تحطيمِ قيودِ النسيانِ فالذاكرة تعانقُ المكان بمادياته ومعنوياته على طريقتها الدراماتيكية بسرعة خاطفة غير مُخططِ لها فتلمسُ الحجرَ والشجر بكل أبعادِهما في ذاكرة توقظها رؤية العين وبصيرةُ القلب التي تغربت عن المكان عشرين عاما، وفي ذلك عودةُ المكان الى محله الحقيقي في اللا وعيِ وبواطنِ الإدراك.


مصادر ومراجع

1- ماجدة حماد، جماليات الشخصية الفلسطينية لدى غسان كنفاني، ط1، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، على الغلاف.
2- إبراهيم الفيومي، قراءة نقدية في الرواية العربية، ط1، 2001،مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية للنشر والتوزيع
3- غسان كنفاني، عائد إلى حيفا مؤسسة الأبحاث العربية ش،م،م ص70
4- المصدر السابق ص70
5- ينظر، نضال الصالح، قضية الأرض في الرواية الفلسطينية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004
6- غسان كنفاني، عائد الى حيفا ص11
7- السابق ص23
8- السابق ص24
9- السابق ص27
10- حسين المناصرة، المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية الفلسطينية، ص76، 2002، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
11- زرياف المقداد، دلالات المكان في الرواية الفلسطينية

10/07/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع