أصداء من الرحيل.!


يوسف جمّال


كان جالسًا بجانب قبرها يبكي بحرقة، كطفل فجع بموت أمه، وجاءه خبر موتها قبل لحظات..
سمعت صوته من بعيد..
وصل صوت بكائه إلي، وأنا جالس  بجانب قبر أمي، الذي يقع على الطرف الآخر من المقبرة..
انه عمي سعيد الجمل.. ابن حارتنا..
كان في التسعين من عمره، أو ما يزيد..
 قمت من مكاني وسرت باتجاهه، ولما دنوت منه، والتقطتني عيناه، توقف عن البكاء، وأخرج منديلًا من جيبه، ومسح الدمع  عن عينه بسرعة، كي يخفي "جريمته" قبل ان أصل.
"المحاربون القدامى لا يبكون.!"
 هكذا كان يقول، وهو يسرد لنا، أحداث البطولات، التي اشترك فيها مع رفاقه الثوار، للدفاع عن البلاد.. في وجه الإنجليز ومخططاتهم.
"عشر سنين مرّوا على وفاة خديجة.!"
همس بصوت مخطوف، بعد أن جلست بجانبه..
"مرَّت كنور البرق.!"  أضاف بحنين حزين، وعيناه تتوهان في زمن مضى..
"الله يرحمها..!" قلت بحزن، يخالطه رحمة وشفقة.. 
وبدأ يحكي لي قصتها معه.. كأنه كان يبحث عن آذان تصغي له:
 نزلتُ عن الجبل بعد سقوط البلاد، ودخلت بيتنا، وصحت بها:
"بسرعة حضِّري حالك، وحضِّري الولد، وما خف َّ من الأغراض، إحْنا طالعين من البلد.!".
" لوين.!؟ ".سألت وعيناها تكادان "تنطّان" من مكانيهما.
 "الى يعبد.! قرية يعبد  بدها اتظل مع العرب.!"  قلت حاثًا إياها على الإسراع..
 "بس.."  أرادت أن تقول شيئًا من الاعتراض..
"ما في وقت للتردد..!  اليهود بدورّوا علىَّ، وعلى باقي الثوار.. وانتي بتعرفي شو بعملوا فينا ان مسكونا.!".
 قاطعتها، مفهمًا إياها، أن أمر الرحيل مفروغ منه.
  وضعنا الخبزات، وجرة ماء،وبصلات، وقنينة من الزيت، وركبت الحمار،  ووضعت الولد أمامي، وسرنا باتجاه الحدود.. وخديجة تسير خلفنا..
كانت بلدنا لا تبعد عن برطعة، التي شطرتها الحدود الجديدة  الى قسمين، سوى مشي ساعتين..
بعد ان سرنا نصف الطريق، أوقفت الحمار بجانب شجرة سريس،وجلسنا في ظلِّها، فقد أشفقت على خديجة، من عناء المشي في الطريق الوعرة.
كانت تمشي في وجوم شديد.. وطول الطريق لم تقل كلمة واحدة..
حاولت عدة مرات، أن أستدرجها للكلام فلم تستجب..
توقعت ان تنفجر بالبكاء، حسرة على فراق بيتنا وقريتنا.. فلم أسمع منها.. بقيت صامتة كأنها صخرة تتحرَّك.!
كنت أنظر الى الوراء،  كي أقرأ في وجهها، شيئًا مما تخبئه في داخلها، فلم أجد إلا صفحة ملساء، وعينين تجولان في فراغ مختوم.
"سعيد تعال نرجع الى بلدنا.!" نطقت من بئر عميق مسدود..
بعد ان جلست على صخرة بجانبي..
طرقتني المفاجأة في رأسي..فصحت بها :
"هذا أمر محسوم، لا يمكننا التراجع عنه.!".
ليش..ما..!؟
أنت تعرفين أنني مطلوب لليهود.!
وأنا وابني لن نترك بيتنا وبلادنا.! قالت بتحدّ..
حتى لو أجبرتك.! أجبتها، وأكاد أتفجَّر من الغضب..
كانت هذه المرة الأولى، التي تتحدّاني فيها، منذ أن عرفتها.!
بعد نقاش وصراخ وتهديد، قالت كلمتها الأخيرة، التي لن أنساها ما حييت:
" تستطيع ان تقطِّعني.. أن تذبحني.. أن تدفني.. ولكني لن أخطو ولو خطوة أخرى الى الأمام..!! لن أرحل من بلدي.! ".
يبدو أن فرقة من جنود حرس الحدود، كانوا قد سمعوا أصواتنا العالية..
وقبل أن يروني سبحت الى الأمام، واختفيت بين أشجار السريس المتشابكة.
- وين كنت سألها أحد العسكر.!؟
- كنت عند أهلي في برطعة..
- وين رايحة..!؟
- مروحة على بلدي عرعرة..
- لليش رحت على برطعة.. بتعرفيش انه في منع تجوُّل.!
- الجوع يا عسكري..
- شو إللي معك في خرج الحمار..!؟
- شوية مؤن من عند أهلي!
فتركوها..
كنت أسمع الحوار، الذي جرى بينها وبين العسكر، وأنا منبطح في داخل السريسة..
وكان ما بين أن يلقوا القبض عليَّ، وما بين نجاتي - قيراط..!
 لقد جمَّد الهلع دمي..كنت خائفًا عليها وعلى ابننا، أكثر من خوفي على نفسي..
ولكنهم رجعوا الى الوراء.. ولما تأكدتُ من ابتعادهم عني، واصلتُ طريقي الى يعبد.
أما خديجة، فقد ركبت الحمار، ووضعت ابننا أمامها، ورجعت الى بلدنا.
 مكثت في يعبد، يومين ضيفًا عند أحد المعارف..
  وبينما كنت جالسًا معه أمام بيته، وإذا بصبيٍّ يقف في الطريق الى جانبنا، ويتوجه الى صاحب البيت:
عندكم زلمي اسمه سعيد الجمل..!؟
فقلت له: أنا سعيد الجمل..!
فردَّ: في إمرأة تنتظرك في بيتنا..!
فرافقني أحد أولاد مضيفي، كي يرشدني الى بيتهم..
كنت أسير وأمواج من الهمِّ تجتاحني..
من تكون هذه المرأة !؟
..وماذا تريد منّي !؟
أتكون خديجة غيَّرت رأيها، ولحقت بي!؟
بتعملها خديجة.!؟
 وعندما دخلت بيتهم.. هالني ما رأيت..!
كانت هي..خديجة.!
 وقبل ان أنطق بكلمة.. وقبل أن أسأل عن ابننا صاحت بي:
 بتبيع الدّار بدون ما تقول لي.!؟.
ولم تمهلني لأردَّ عليها أكملت:
هات ثمنها.. بدّي أرجِّعهم للّي اشتروها!
مددت يدي الى جيبي، وأخرجت النقود، تناولتها منّي، وقامت من مكانها،  وأسرعت الى الحمار، وركبته، ونهرته متوجهة نحو باب الدار..
" بدكيش تتريحيلك شوية..  مشوارك كان بعيد.!؟"
توجهت لها صاحبة البيت..
 فأجابتها وهي تغادر :
"مشكورة يا حبيبتي.. الطريق بعيدة.. والليل جاي، ووراي ولد.!".
وهنا توقف عمي سعيد عن الكلام..
نظرت الى وجهه، فوجدت انه غرق،في حوّام خنق أنفاسه، وملأ عينيه بالدموع..
وانتظرته حتى ينشل نفسه ويتمالكها.. منتظرًا بقيَّة قصته، التي ملكت أسماعي، وأخذتني الى مناطق عميقة من مشاعري.!
 فشعرت أن روحي طارت مع خديجة..!
عاد عمي سعيد من غيابه، ليكمل حكايته:
 فخرجت من دار مضيفي، ولحقت بها..قشعتها عيناي.. كانت تبعد عني مسافة، من المستحيل أن ألحق بها، خصوصًا وهي تركب حمار..
فبدأت أصرخ بأعلى صوتي:
يا خديجة.! يا خديجة.!
استنيني يا خديجة.!
بعد أن كاد صوتي  يبح، توقفت.. فتأكدت أنها سمعت مناداتي..
وعندما وصلتها.. ركبت أمامها على الحمار  ورجعنا الى بلدنا.. الى بيتنا..
انطلق في الأجواء صوت أذان العصر، فقام عمي سعيد من مكانه وهو يقول:
" بدّي الحق صلاة العصر في المسجد.!"
ومشى نازلًا عن المقبرة..
أما أنا فبقيت جالسًا، أفكر فيما عملته خالتي خديجة!
 

09/07/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع