حضور الدّين في المجال العامّ


نمر نمر


مدّعو المشيخة
هذه الحِكَم والدُّرر التي قيلت قبل نيّف وخمسة عقود، ليست موجّهة لبلاد الأرز وحسب! ‏بل لِمَن يدّعون المشيخة في ديارنا، والدّين الحنيف منهم براء،هَمُّهم وديدنهم التّكفير ‏والتّحريض الأرعن الأهوج، يُمشيخون أنفسهم بلقب فضيلة الشّيخ، فقدوا ماء الوجه ‏والحياة، سقطوا الى الدّرك الأسفل والحضيض ، وأكثر ما يستحقّونه هو لقب: فصيلة ‏الخيش! وهذا كثير عليهم، لِأنّ الخَيْش له فوائد جمّة، ولو استحى القاق لما غنّى، رغم ‏تلميعهم، لِذَرّ الرّماد في العيون والتّمزيق في هذه الدّيار المقدّسة!


             
أن تُلقِيَ نظرة خاطفة على واقعنا وطوائفنا العربيّة في الدّاخل الفلسطيني، معناها أن تُواجِهَ الكثير من النّقد والحسّاسيّات والانقسامات البعيدةعن توقّعات النَّبْض الشّعبي الذي يصبو الى الألفة ووحدة الصّف، في القضايا المصيريّة لجمهورنا في الدّاخل،حبّذا لو تنازلنا عن الكثير من الغيبيّات، التّأطير، التّكفير وإنكار الآخر المُختلف عنّا جُزئيًّا، في الاجتهادات والتّفسيرات لبعض النّصوص الدّينيّة والرّوحيّة التي نُجِلّها، ولِنضع حدًّا لكافّة تجّار الدّين من انتهازيّين وغوغائيّين يدّعون الدّين والدّين الحنيف الحقّ منهم براء.(كلّ فتوى بِفرخة/ عبد النّاصر).
 أمام هذه النّخبة الرّائدة من أبناء شعبنا الكريم، وفي هذه الكلّية العريقة بالذّات ، ومبادرة مدى الكرمل الأخضر الحاضر النّضِر النّاظر، دعوني أضع بعض النّقاط على الحروف، رغم أنّ الموضوع شائك وفيه كثير من المواجهات، النّقد والجلد الذّاتي،وضع بعض الحواجز النّفسانيّة  والتّأطير الطّائفي، وافتعال المناوشات والتّحريض الأرعن أحيانًا فيما بيننا ، بعض الفئات الانتهازيّة في مجتمعنا وتجمّعاتنا المختلفة تنخر كالسّوس، وأجهزة الظّلام تندسّ وتتسلّل بيننا لإشعال الحرائق وتأجيج النّيران، مع وجود فئات سهلة الانقياد خلف الشّعارات التّضليليّة المُسْتورَدة. أمام هذه السّيول الجارفة والأعاصير المُدمِّرة التي تحيق بنا من كلّ حدب وصوب، نرى ان بعض القيادات الدّينيّة التي فُرِضَتْ وادّعَت القيادة بقدرة صانع حاقد، تعتلي المنابر وتخوض المعارك الكلاميّة، وتشارك مشاركة فعّالة في تأجيج نيران الفِتَن ،بدل إخمادها وتطويقها وهي في المهد.
  أقدّم بعض النّماذج الحيّة على يقظة أهلنا والقيادات الحقيقيّة المسؤولة لِرأب الصّدع ووأد الفتنة الفتّاكة، وجاء في موروثنا الشّعبي: لو خِلِتْ المقاثي من النّواطير، كانت بْتِحْمل قناطير!
- عام 1925 حدثت فتنة في المغار بين الإخوة المسيحيّين والدّروز،تأزّمت الأمور ، وتدخّل أهل الخير من الطّرفين وشُكّلتْ لجنة صلح لاحتواء الفتنة، الإخوة المسيحيّون، برئاسة مطران العرب (جريجوريوس الحجّار) انتخبوا اثنين من وجهاء الطّائفة الدّرزيّة آنذاك لتمثيلهم! وهما الشّيخان طريف طريف/جولس ويوسف صالح خير/أبو سنان، وفعلًا نجحت جهودهما المباركة مع الآخرين لإعادة المياه الى مجاريها.وهذا ما يقودنا ثانية إلى وصمة العار في المغار 2005 ، أي بعد 80 سنة، وكلّنا يعي من المستفيد  من سعير النّيران في الهشيم.
- عام 1944 حدث نزاع بين الوَقفَين السّنّي والدّرزي، حول ملكيّة وقف النّبي شُعيب في بلدة حطّين، المحامي أحمد الشّقيري /عكّا، مثّل الطّائفة الدّرزيّة آنذاك أمام القضاء والمندوب السّامي البريطاني،وقد أثبت الشّقيري بأنّ المقام  شيّده أبناء الطّائفة الدّرزية ومن أموالهم،والقضاء  رأى بالدّروز طائفة اسلاميّة، ومن حقّهم إدارة أوقافهم، وقد وافق المجلس الإسلامي الأعلى على هذا القرار، وهكذا كان.
- رسالة مفتوحة إلى قداسة البابا: إبّان الحرب الأهليّة في لبنان 1975 - 1990 ،كتب فضيلة الشّيخ محمد أبوشقرا كتابًا روحيًّا أدبيًّا إلى قداسة البابا في الفاتيكان، شرح فيه ملابسات الوضع بشكل عقلاني، كاتب هذا الكلام ترجم الكتاب الى العبريّة،لقطع داير المصطادين في المياه العكرة، وحين وُضِع الكتاب في مطبعة (عتقي/حيفا)، امتدّت يد آثمة لشيخ أكّاديمي معروفي وَشَوَّهَ عدّة جُمَل لزرع الفتنة، دون إطّلاعي، مما أساء للأمانة الأدبيّة والأخلاقيّة، لم أسكت على ذلك، وكتبتُ بالعربيّة والعبريّة فاضحًا تزوير الشّيخ للنَصّ وَنَسٍب الترجمة لهُ.
-  التّبرّع بالدّم والإغاثة للفلسطينيّين: في الانتفاضتين الأولى والثّانية للشعب الفلسطيني، كنّا مجموعة من الإخوان المعروفيّين، تبرّعنا بالدّم مرّتَين في القدس وغزّة، الدكتور حيدر عبد الشّافي رحّب بنا قائلًا بصدق: لا ينقصنا دمُ شبابنا المنتفض! لكنّنا نُريد أن نُطَعِّمهُ بدمائكم العربيّة الزّكيّة، وهذا ما كان، ناهيك عن جمع الإغاثة  والسّلع الضروريّة للأهل المنكوبين،لم ينعدم بعض زُلم السّلطة كي يندسّوا ويحرّضوا علينا علانية،كأنّهم عرب غيورون، وسرعان ما فُضِحً أمرهم وبانت عمالتهم، ولقطها المقدسيّون على الطّاير!
- زرنا الشّيخ عبد العزيز دويك/ المجلس الوطني الفلسطيني، بعد عودته من المنفى في مرج الزّهور، قرب مدينة حاصبيّا، في عهد حكومة اسحاق رابين 1993 ، فبادرنا بالتّرحاب وأخبرنا عن بطولات وكرامات وكرم الحَصَابِنَة الذين وفّروا قوت أولادهم وخصّصوه لنا، ناهيك عن التّعاطف وحُسن المعاملة.
- الرّسائل المشبوهة التي تُرسَل لنا بريديًّا بالتّهديد والوعيد، بتزوير تواقيع شيوخ مسلمين جليليين راحلين(من الخارج)، أقاموهم من بين الأموات ودبلجوا لنا  الرّسائل المُنكرة باسمهم، ولم يخفَ الأمر حتى على السّذجة مِنّا، وإن دلّ الأمر على شيء ، فإنّه يدلّ عل غباء ولؤم أجهزة الظلام  لتشتيتنا أيدي سبأ.
- ما جرى بين الفريقين الرّياضيّين (هبوعيل /معين/دالية الكرمل)  و(أبناء باقة الغربيّة) 2007 ، والشّتائم المتبادلة (من الوزن الثّقيل)، ممّا حدا بالمجلس الدّيني الدّرزي بإصدار بيان شديد اللهجة 26 /11 /2007 ، جاء فيه: نُنَدّد بشدّة بالكلام البذيء والتّصرّفات الحمقاء التي قام بها نفر من الغوغائيّين الجاهلين من مُشجّعي ومُؤيّدي الفريق الرياضي/هبوعيل/معين/دالية الكرمل...
- وسائل الإعلام المختلفة  ترقص على الدّماء، وتسكب كافّة المحروقات على هذه الحرائق المفتعلة ،مراسل جريدة هآرتس (يوتام فيلدمان) إتّصل بي يوم24 /10 /2007 لإجراء مقابلة معي سائلًا: كيف تُفسّر الأعمال البربريّة القمعيّة والهمجيّة التي يقوم بها إخوتك الجنود الدروز في المناطق المُحتلّة، فَهُم يُشكّلون وصمة عار في جبينك وجبين كلّ مَن يدّعي أنّه عربي في هذه المنطقة... !أجبته على الفور هؤلاء الجنود يُمثّلون جيشك الإسرائيلي المُحْتَلَ المُحْتال الذي يربّيهم على القتل وسفك الدّماء دون مُبرّر، عدا عن المَرْجَلة على الأطفال والنّساء والعَجزة.
- رافقتُ مجموعة نساء عربيّات مقدسيّات في جولة بين ربوع الجليل، تموّز 2008 ،وقبل أن أصَبِّحَهُنَّ بالخير، فاجأتني عاملة اجتماعيّة قائلة، الجندي اليهودي أرحم من الجندي الدّرزي، وأنا أعرف الدّرزي من عينَيْه الزّرقاوَين!،صَبّحْتُهنّ أوّلًا وأضفتُ: هأنذا درزي هل عينايَ زرقاوان! وألى مَ  هذا التّضليل منهم والسّذاجة منكِ، يا أختَ العرب! خجِلَتْ ولفلفتِ الطّابق،دارت الحمرة ع َ البورة  وما خلّت الدعوة مستورة.
- كان لي الشّرف في المشاركة في عدّة مناظرات روحيّة،عقائديّة، مذهبيّة وانتمائيّة مع مجموعة من أعلامنا، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الشّيوخ الأجلاّء محمد حسين/مُفتي القدس وفلسطين،عكرمة صبري/إمام وخطيب المسجد الأقصى ، رائد صلاح، د أحمد ناطور مدير المحاكم الشّرعيّة الإسلاميّة سابقًا، وخلفه حاليًّا: د إياد زحالقة، سمير عاصي/عكّا، وسيادة المطارنة من طوائف مختلفة: عطا الله حنّا،إلياس شقّور، بطرس معلّم، رياح أبو العسل، هاني شحادة وكثير من كهنة قرانا المختلطة، ومع كهنة يهود:تْصفي بيرجار، أبي نوبس، نتالي لسترجر،قلتُ كلماتي الإنسانيّة على الملأ بصدق وبلا تردّد، معبّرًا عن انتمائي المذهبي،القومي والوطني. وأمثلة دقّ الأسافين كثيرة جدًّا.
-  في العودة للنصوص الدّينيّة نجد ضالّتنا المنشودة وبلسم جروحنا وعودة روحنا كي نتحدّى:
- الشّيخ أحمد تقيّ الدّين ونجله حليم ، ترأّسا المحكمة المذهبية الدرّزيّة في لبنان على التّوالي ، قال الأب بصدق:
 أدينُ بِشرْع الحقّ أينَ وجدْتُهُ         بِإنجيل عيسى، أمْ بقرآن أحمدا
 وتلاهُ نجله بإشراقة أخرى، وهذا الشّبل من ذاك الأسد، فقال:
 كونوا أجاويد في قول وعمل           إنّ الدّيانة في الأخلاق والشّيَم
هذه الحِكَم والدُّرر التي قيلت قبل نيّف وخمسة عقود، ليست موجّهة لبلاد الأرز وحسب! بل لِمَن يدّعون المشيخة في ديارنا، والدّين الحنيف منهم براء،هَمُّهم وديدنهم التّكفير والتّحريض الأرعن الأهوج، يُمشيخون أنفسهم بلقب فضيلة الشّيخ، فقدوا ماء الوجه والحياة، سقطوا الى الدّرك الأسفل والحضيض ، وأكثر ما يستحقّونه هو لقب: فصيلة الخيش! وهذا كثير عليهم، لِأنّ الخَيْش له فوائد جمّة، ولو استحى القاق لما غنّى، رغم تلميعهم، لِذَرّ الرّماد في العيون والتّمزيق في هذه الدّيار المقدّسة!
بعض الغَيْبيّين الظلاميّين يُحرّمون زادَنا الحلال، وهو أحلّ من زادهم، متناسين أنّنا نحنُ لُبُّ ونواةُ الرّسالات السّماويّة الثلاث مُجتمعة معاَ باحترام وإجلال، وقد أشار إلى ذلك الشّيخ محمد علي الجعبري (الخليل)، وهو في ضيافة الشّيخ جبر معدّي (يركا) مع مجموعة كبيرة من الخلايلة قبل النّكبة، وقد أحجم بدايةً بعض الغُلاة المُتشدّدين عن تناول الزّاد، فما كان من الشّيخ الجعبري إلا أن ردّ عليهم  بعزيمة وثبات أكيد: بنو معروف هم مسلمون، ذبْحُ أيديهم حلال زلال، يُحلّلون ما نُحَلِّل ويُحرّمون ما نُحَرِّم، وأنا أوّل من يأكل زادهم الحلال.
عام 2015 دعتنا إحدى المُربّيات الجثّاويّات (جت المثلّث) لإجراء حوار مذهبي مشترك مع وجهاء بلدها في بيتها، وقد أعربنا عن سرورنا بهذه الفرصة، وَعَيَّنَتْ موعدًا للّقاء، أجَّلَتْهُ ثلاث مرات، بِحجج مختلفة،ثمَّ بَقَّتِ الحصوة: شيوخ بلدها يعارضون هذا الحوار؟! رغم ذلك وغير ذلك، لن نفقد البوصلة، ولن نستسلم لتجّار الدّين الغيبيّين الجَهَلة الذين لا يرون حتى الشمس المُشرقة كأهل الكهف!
 اسمحوا لي أن أنهيَ حديثي بحديث نبويّ عَطِر(حتى لو كان الإسناد ضعيفًا): حضور جلسة عالِم خير من  حضور ألف صلاة، وألف ركعة وألف جنازة ! قال له أحدهم: وهل هذا خير من تلاوة القرآن! أجاب الرّسول: وهل يُتْلى القرآن بغير عِلم!
**ألْقِيَتْ هذه المُداخلة في كلّيّة القاسمي/ باقة الغربيّة 5 /5 /2018 ،مؤتمر: الدّين والمجال العمومي في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، بمبادرة: مدى الكرمل، المركز العربي للدراسات الاجتماعيّة التّطبيقيّة/حيفا.

12/05/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع