عسى أن نتعلم درسًا


عمر سعدي


تكاد تنتهي فترة الانتحابات للسلطات المحلية العربية، التي جرت في 28.10.2013 والتي انتهت باخفاق كبير للجبهة الدمقراطية، وتراجعها في ستة مواقع جبهوية أساسية احْتُسِبَت قلاعًا جبهويّة، وعلى أثر ذلك الاخفاق اندفع الكثيرون من المعلقين والكتاّب وشمّروا عن سواعدهم ، شحذوا هممهم، استلوا اقلامهم ، وفاض مدادها غزيرًا وسطروا مقالاتهم لتغطّي مساحات واسعة من صفحات بعض الصحف العربية الاسبوعية التي تصدر في بلادنا ، ولم تبخل وسائل الاعلام والفضائيات في أن تدلو بدلوها هي الأخرى في التعليقات والاهتمام بذلك الاخفاق ، بحيث أفرطت وغالت بتحليلات مغايرة لحقيقة مجريات الاحداث لبعدها عن ساحة الحملة ،فقد أجملوا جميعًا أن ما حدث من اخفاق للجبهة كان بمثابة زلزال أوهزة أرضية حلّت بالجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي ، فتخلخلت اركانها بحيث باتت الجبهة في حالة ارتجاج، فقد صال وجال بعض المعلّقين الذين أسهبوا وأطنبوا بخَطَل تعقيباتهم بشماتة او غيره من على صفحات تلك الصحف، ولم تسلم صحيفة الاتحاد من نشر تلك التعليقات ، باقرار أن الجبهة منيت بزلزال ، وان الهزّة الارضية حدثت بتخلّي الجماهير عن الجبهة الدمقراطية ، وعزوا ذلك حسب استنتاجاتهم لاسباب عديدة ومختلفة. صحيح أن الضربة كاتت قاسية وموجعة، لم يكن أحد يتوقعها الا الذين تواجدوا في ميدان المعركة وشاهدوا عن كثب الذي يجري في ساحاتها.
 لا أُنكر أنها كانت ضربة قاسية وموجعة ، ولكنني أختلف عن الآخرين في التقييم واذا ما سمحت لنفسي في تقييمها وتصنيفها ، فاصنّف ما حدث بتراجع أو اخفاق ، ولا مكان للتهويل والتضخيم ، لأن ما حدث كان من فعل أيدي الجبهويين أنفسهم، وكان ذلك بمثابة ادخال هدف ذاتي ،في مرمى الجبهة نفسها ، واذا ما توقفنا قليلا ، وأمعنا النظر لما حدث وسبرنا غوره ، بتروٍّ وواقعية لخلصنا باستنتاج لا لبس فيه هو أنّ الجماهير لم تتخلّ عن الجبهة بقدر ما هو خطأ في الحسابات و التكتيك ، ولعلّي في هذه المقالة المتواضعة أضع النقاط على الحروف، وأنا أستعرض بصدق بعضًا مما حدث في بعض تلك المواقع التي حدث فيها التراجع أو الاخفاق،عسى أن نتعلم درسًا من الماضي، ولاظهار حقيقة الخطأ في التكتيك وأن نتعامل مع هذا الموضوع بمنتهى الدراية والاتقان وان نحرص من الوقوع مستقبلا فيه ثانية (لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرّتين). فلو أخذنا أحد هذه المواقع الجبهوية الاستراتيجية عرابة الذي مني بالخسارة ، وحصل مرشّح الجبهة للرئاسة على 5546 صوتًا في تلك الانتخابات والمنافس حصل على 6500.صوت بتفوّق 1000 صوت يعني ذلك بلغة الحسابات أن مرشح الجبهة كان بحاجة الى 500 صو ت للتعادل، في حين خضنا حملة الانتخابات سنة 2008 بتحالف جبهوي مع كتلتين قوّتهما كانت لا تقل عن 1500 صوت بفوز 321 صوتًا، وهنا يكمن الخطأ، أن فرع الجبهة قرر أن يتخلّى عن الحليفين اللذين شاركا في احراز الفوز في تلك الانتخابات ، ليس هذا فحَسْب، فقد دفعنا الحليفين الى أن يناصبانا العداء بالتطرّق لهما في الحملة الانتخابية كخصمين وليس كحليفين في الامس القريب، واذا ما نظرنا من الناحية التكتيكية الى هذا التصرّف فنجده تصرّفًا خاطئًا ،و الدافع لذلك النهج هو أولا الغرور والثاني خطأ في الحسابات ، هذان العاملان حملانا أن نخطو هذه الخطوة السيّئة بالتخلي طوعًا عن هذين الحليفين، نقولها بوضوح وبلا مواربة أننا نحن الذين تخلينا عنهما وليس هما اللذان تخليا عنّا، وهل في هذه الحالة تكون الجماهير هي التي تخلّت عنا أم نحن الذين تخلينا عنها؟
ولنأخذ موقعًا آخر دير حنا الذي مني هذا الموقع الجبهوي العريق هو الآخر بالخسارة، ولو وقفنا علي حقيقة ما حدث هناك ، لوجدنا كذلك أن السبب أتى من الشرخ الذي وقع في صفوف الجبهة وانقسامها على نفسها، وخوض الانتخابات بقائمتين منفصلتين وفي مناكفة صارخة ، واذا عرفنا أنّ المرشح الثاني كانت غايته ليس النجاح بقدر ما هو نكاية بمرشح الجبهة و من أجل افشاله لخلافات نشبت على الترشيح، أفي هذه الحالة تكون الجماهير قد تخلّت عن الجبهة أم أن السبب ذاتيّ؟
واذا ما توقفنا عند الموقع الاساس الناصرة، الذي ربما لأهميّته عالميًا ومحليًا حدا بالمعلّقين ان ينعتوا ما حدث بالهزّة الارضية أو الزلزال ، الم يحدث الاخفاق بسبب التخلّي عن حليف أمضاها معنا لسنوات عديدة خلت؟ ممّا أدّى الى شطر الجبهة إلى شطرين ، الم يكن هذا خطأ في التكتيك؟، علمًا ان النتائج في الجولة الاولى كانت متساوية ، او حصول الجبهة بأكثرية ضئيلة بضع أصوات، ممّا أدّى الى المقاضاة التي أفرزت تداعيات خطيرة ، اليس الاخفاق هنا نتج عن فعل ذاتي حوّلنا فيه الحليف الى خصم سياسي ناصبنا ويناصبنا العداء في جميع المجالات، أيكون بهذه الحالة قد تخلت عنا الجماهير ام نحن الذين تخلينا عنها؟
حقيقة أنّ ما حدت لأمر مؤلم وموجع لكنه ليس بمستوى زلزال وليس في خانة هزّة ارضية ، وما حدث في المواقع الاخرى كان بنفس الشبه، واذا ما تريثنا ووقفنا في محطة مسار الحملة الانتخابية وعلى الخصوص في الثلاثة مواقع الآنفة الذّْكر ونظرنا الى اسقاطاتها لوجدنا ان فروع الجبهة المحلية هي التي تخلّت عن الجماهير وليس العكس ، فالخلل اذًا كان في التنظيم والوقوع بمرض شوفة النّفْس، بأننا نستطيع النجاح بدون الحلفاء. آمل ونحن نقف اليوم على عتبة انتخابات قادمة ، وبدأت رياح الحملة الانتخابية تهب ، وهي تنذر بقدوم عاصفة جديدة ستجتاح وسطنا العربي في مدننا وقرانا ولا يخفى علينا أن معركتنا سياسية في الدرجة الاولى وما الوصول الى رئاسة البلدية او المجلس المحلي الا طموح في سبيل تقديم الخدمات للجمهور، والتصدّي بحزم وبلا هوادة لسياسة مصادرة الاراضي وهدم البيوت وسيااسة الترانسفير العنصرية التي باتت تقرع الابواب والتي لرؤساء البلديات والمجالس المحلية دور هام وكبير فيها ، ومرة اخرى عسى أن ندرك أهمّية التحالفات وأن نتعامل معها بجدية وباحترام متبادل الند للند ، وعسى أن نتعلم درسًا لاسترجاع تلك المواقع والقلاع الجبهوية الى سابق عهدها، كما أنني أهيب بسكرتاريات الحزب والجبهة أن تعمل على رأب الصدع الذي حلّ في بعض المواقع ولا زال عقبة كأداء وعثاء في تحقيق الفوز المأمول ،وان لا تقف تلك الهيئات مكتوفة الايدي أمام استمرار الشروخ والازمات التي حدثت في بعض الفروع منذ الحملة الماضية ولنخوض الحملة القادمة بوحدة الصف وفي صلبها التحالفات.


(عرابة)

الأربعاء 14/2/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع