صور وذكريات:
لن نبيع حليب أمهاتنا.!

يوسف جمّال


المعتوه ترامب أعادني الى أيام الإقطاع السوداء..
قبل سنوات عشر أو تزيد.. كنت جالسًا  مع جاري أسعد، في شرفة بيتي.. فمرَّت إحدى جاراتنا من أمامنا، تسير في الطريق عائدة الى بيتها، فحيتنا تحيَّة الجارة للجيران..
فردَّ عمر عليها  مرحبًا:
أهلًا.. أهلًا أختي..!
أختك..!؟ سألت مستغربا.
أختي بالرضاعة..! ردَّ كأنه يكشف لي سرًا ظنَّ أني كنت أعرفه، بصفتي مقيما في الحارة، منذ ولادتي فيها.
فسكت بين مصدق.. ومتشكك. وعزمت على الرجوع لأمي، لعلها تسعفني، في الكشف عن الحقيقة.!
وعندما سألتها.. تنهدت تنهيدة، كادت تقطِّع قلبي..وقالت :
وكأنَّك مصرٌّ على إرجاعي الى أيام زمان، كنت قد دفنتها، قائلة لنفسي :
 "تبقى في القلب تجرح، ولا تتطلع برَّه تمرح.!".
لما أفهمتها عيناي، أنني أصبحت أشدَ اشتياقًا، لسماع القصة، بدأت تروي الحكاية :
كان جدُّ جارك سليم إقطاعيًا، يملك من الأرض والمال الكثير، بعكس جارهم أبو السعيد، الذي كان لا يملك من حطام الدنيا، ما يسد رمق عائلته، التي كانت تملأ المصطبة.
وصادف ان أم السعيد وبهية زوجة ابن سليم حسن، أن وضعتا مولودين في يوم واحد - أم السعيد بنت أسمتها - جميلة، وبهية كِنّة سليم جارنا الإقطاعي، إبنًا أسمته - أسعد.
وشاءت الأقدار، ان يجف لبن بهية..حاولوا ان ينشِّطوا الحليب في صدرها، كي تتمكن من إطعام رضيعها، مستعملين كل أنواع الأطعمة والوصفات ، فباءت كلّ محاولاتهم بالفشل، ومما زاد الطين بلّة،عدم قبول الإبن، لحليب الحيوانات.
فلجأوا الى جارتهم، كي ترضعه من صدرها مع ابنتها..
هل عرفت الآن - يا ولدي- كيف أصبحت جميلة أختًا لصاحبك وجارك.!
فسكتت أمي عن الكلام.. ولكن عندما نظرت الى وجهها،لاحظت ان لديها المزيد..
وأن للحديث بقية.. كانت أم السعيد،على استعداد ان ترضع ابن جارتها حبًّا، ولوجه الله.. ولكن أم محمود رفضت ذلك، بل أصرّت ان تدفع ثمن حليب صدر جارتها.
فاضطرّت الى الموافقة تحت وطأة الفقر.!
كانت أم محمود، إمرأة الإقطاعي، تستدعي أم السعيد الى بيتها، كي تطعمها أدسم وألذَّ الأطعمة والمأكولات، كي تدر الحليب الكثير والمغذّي، ولم تعطها شيئًا منه لباقي أبنائها.. فكانت تبلعه متقززة  كارهة له، لحرمان باقي أبنائها منه.
فسكتت أمي مرة أخرى، كأنها تخاف عليَّ من بقية القصة..
كان أهم شرط من شروط العقد، ان يرضع ابن الإقطاعي أولًا، وإذا بقي شيء منه.. يكون لإبنتها.!
والليالي التي نامت جميلة، يعذِّبها الجوع كثيرة، بعد ان أتى ابن الإقطاعي،على كل الحليب، الذي كان في صدر أمها.!
ذكرتني هذه القصة، بفتات قروش ترامب، التي تعطيها بلاده للاجئين الفلسطينيين..
يريد ان يطعمهم.. ليسلب إرادتهم..
يريد ان يطعمهم.. من ليصل لإسرائيل..
لا يريد أن يدفع  ببلاش..يريد مقابلا لتمويل حملته الانتخابية..
تأكل إسرائيل حتى تشبع.. وما تبقى منه للفلسطينيين..
نسي هذا المعتوه، أن عصر الإقطاع، قد انتهى وولّى..
ولن نبيع حليب أمهاتنا.. حتى ولو كان ذلك ثمنه الجوع.!
(عرعرة)

13/02/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع