إطْلالة على الأدب العبري: الشّاعر الكاتب حاييم جوري


نمر نمر


رويدًا رويدًا
يبدو أنّهُ قريبًا لن أستطيع قولَ ما أردْتُ/ أتلاشى وأضْمَحِلّ، في طريقي النّهائي/ رويدًا رويدًا أنتهي/ ليس في صعقة برقة/ ليس في طعنة خنجر/ ليس في أحد أنواع إطلاق النّار/ عدّة أمراض تراكمتْ بي، تعاقدتْ في لقاء مُعْتم/ تناولوني في حديثهم، حتى بزغ الفجر على مدينتي/ أصَلّي لِأجْلِكَ كي ترتاحَ/ ترتاحُ قليلًا من نفسكَ/ أُصَلّي لبعض الصّمت/ ما زالوا يهرولون مُبَشّرين بِأصوات انتقاليّة/ متى ترتاحُ لفترة زمنيّة/ بلادي يا بلادي الحريقة!



غيّب الموت في الأسبوع الماضي الكاتب ، الشّاعر والصّحافي العبري الكبير: حاييم جوري، في القدس عن عمر أربعة وتسعين عامًا، وهو من الرّعيل الأساس للأدب العبري المعاصر.
 نًعي ونُدركُ تمامًا وأوّلًا، أنّه كان يمينيًّا متطرّفًا من غُلاة أرض اسرائيل الكبرى، هلّل وكبّر ووقٌع على مراسيم الضّم ونشوة الاحتلال والحرب بعد نكسة حزيران 1967 ، وقد سار مع القافلة ، جنبًا إلى جنب مع دُعاة الاحتلال والتّوسّع وبناء المستوطنات على أرض الفلسطينيّين في الضّفّة الغربيّة المُحتلّة (يهودا والشومرون ، كما يسمّونها!) وسياسة محو الذّاكرة الجماعيّة الفلسطينيّة والعربيّة على حدّ سواء، ونظم الكثير من القصائد الحماسيّة كونه محاربًا عام النّكبة 1948، ومن قصائده المغناة، باب الواد، قال فيها :
 أمُرُّ هنا واقفًا إزاء حجر/ شارعُ إسْفلتٍ أسْودُ وسلاسلُ/ الّليل يُخيّم بِبُط ، نسمة بحريّة تَهُبُّ/ باب الواد/ أذْكر أسماءنا دائمًا/ قوافلُ اقتَحَمَتْ طريق المدينة/ على جانبَي الطريق سقط موتانا/ هيكل الحديد صامت كصديقي.
 قال في قصيدة صلاة أخرى:
أصَلّي وأصلّي لكِ/ صلواتٍ غير موجودة في أيّ كتاب/ لتَخرجي من تلك الحجرة، إبهامُكِ ينتصب عاليًا/ كما في الإشارات المألوفة/ لِأراكِ تمشين نحوي في طريق الآلام ذاكَ/ وعلى وجهِكِ ابتسامة معيّنة، كما آملُ أن تكوني/ كي تبقَي معي.
 ولكن! وطأة الاحتلال، الجرائم، الاعتداءات، الحملات الشّعواء، الطّمع والجشع اللامُتناهٍ، وكان ضابطًا في وحدة قتاليّة، قلبتْ موازين المعادلة بعد أن طفح الكيل وصارت الاعتداءات العشوائيّة على البشر، الشجر والحجر ، وشرعنة الاحتلال، الاختلال العقلي والانحلال الخُلقي واستحلال أملاك الأغيار،عدا النّهب والسّلب، في مقابلة ،لعلّها الأخيرة كانت معه، أجراها إلعاد زَرْط، ملحق جريدة يديعوت أحرونوت،يوم 7 /4 /2017 ، وكانت القشّة التي قصمت ظهر الجمل ، جاء فيها: تعقيدات، كنتُ جزءًا من وحدة عسكريّة في رام الله، رأيتُ ضابطًا من ضبّاطنا يسوق سيّارة (بيجو)، سألتُ: من أين لكَ هذا؟ قال: صادرتها من عائلة! قلتُ: ما هذا! هل نحن جيش حراميّة؟، من أين أخذتها؟ أشار الى البيت، وصلتُ البيت العربي مع نائب قائد الفرقة، قلتُ لهم: لا تقلقوا، ستعود سيّارتكم لكم، تغيّر لونهم، المرأة كانت حبلى ، قال لي زوجها: قد تَلِدُ زوجتي خلال لحظات، ويوجد منع تجوّل ماذا أفعل؟ أعطيته تصريح تجوّل بين الحواجز العسكريّة، حقًّا أنجبتِ المرأة، والتّصريح ساعدهما لعبور الحواجز والوصول الى المشفى، فيما بعد نُشِرَ الموضوع في كتاب: مقاومة سلميّةPeaceful Resistance ، كتبه عميد جامعة بير زيت، الدكتور جابي برمكي، هو صاحب السّيّارة المصادرة.خمس عشرة سنة مرّت بعد هذا الحدث، مظاهرة تلاميذ عرب في القدس، أصيبَتْ فتاة عربيّة شابّة برجلها، أنا وصديقي الصّحفي: داني روبنشطاين، زرنا الفتاة الجريحة في مشفى المقاصد المقدسي لمعرفة ما الذي حدث، حين دخلنا غرفة الفتاة الجريحة، قالت لي إمرأة تجلس بجانبها: يا سيّد جوري: تعرّف على ابنتِكَ ! المرأة هي زوجة الدكتور برمكي، والفتاة ابنتهما، خمس عشرة سنّة مرّت! إلى أين نحن نسير؟ سألتني المرأة!
- اذا كانت العلاقات معهم جيّدة كما تقول، لماذا لا تكون دولة واحدة حصريًّا ؟
- لا يمكن أن تكون دولة مع إضافة 3-4 ملايين نسمة من الفلسطينيّين، الحديث عن الضّم هو جنون،لا يمكن أن نجعل من الشّعبين شعبًا واحدًا، سيكون احتراب دائم، الشعبان يقتلان بعضهما البعض، هم لم يتنازلوا، ولا أيّ مُبرّر لهم للتنازل.
عن تفاقم الأوزار السّياسيّة التّوسعيّة ووطأة الاحتلال قال: كنّا مجموعة من المحاربين القدامى في لقاء مع رئيس الحكومة نتنياهو، قرأتُ له قصيدة من شعر نتان الترمان، وهو من كبار شعراء البلاد: المنطق قضى عبثًا/ الخوف يتحدّث، ارتحتم بما فيه الكفاية/ حساب الحروب العائدة بصق باحتقار في وجوهنا/ فولاذ انجليزي ونيران عربيّة/ صرخوا: ستركعون أمامنا/ وما نملكه بضع بنادق.../ لكنّنا اجتزنا الطّريق/ من الحدود الشّرقيّة غسلتنا عمّان/ من الحدود الجنوبيّة عَلَتْ مصر/ شمالًا وبحرًا أصوات جماهير/ أقفلوا دائرة الصّيد/ بعذاب وطأت أقدامنا/ على البطن زحفنا في يوم مصيري/ وعلى ظهرنا أخ قتيل.../ لكنّنا اجتزنا الطّريق.
قال جوري وقفنا أمام نتنياهو وطاقمه، بعد إلقاء القصيدة، وماذا قال لي رئيس الحكومة: سٍنُخبركم، مرت ثلاثة أشهر وبدون جواب، أصابني غثيان مؤلم! أجِئْتُ كي استجديه؟، ويمضي جوري في اعترافاته قائلًا: خُضْتُ حروب اسرائيل، وكصحفي ميداني، في عمليّة (الجرف الصّامد)،عدنا أنا وقرينتي عليزة والحفيدات من جنوب تل أبيب ، أمام دكان حدث أمر لا يمكن أن أنساه، تاجر مُسِنّ عرفني، يبدو من مشاهدة التلفزيون، صرخ بوجهي قائلًا: أنتم الكُتّاب، أنتم اليساريّون، أنتم أعضاء الكيبوتسات، بسببكم يذبحون أبناءنا!
عن بعض السّياسيّين قال جوري: أنا مصعوق من التّحقيقات مع نتنياهو، ربّما لِأنّ أبي رحمه الله، كان عضو كنيست وسكن في الجليل (موشاب أميريم، المقام على أراضي فرّاضي والسّمّوعي، ن ن)، كان يصل الى الكنيست في الباصات، تذكّرت عندها سائلًا: ما حاجة رئيس الحكومة ومن حوله بالسّيجار والهدايا التي باتت نهجًا! وعن وزيرة الثّقافة ميري ريجيف قال: الصّفوة المختارة هي مجموعة أناس تؤدّي إلى اعتزاز قومي وعالمي وحضاريّ، تعيش في أزمة نفسيّة أخلاقيّة دائمة تجاه المجتمع الذي تكوّنه وتعمل به، ربمّا كان من المطلوب من وزيرة الثّقافة أن تقرأ هذا التّعريف عن الصّفوة المختارة. أمّا عن الجندي القاتل ألئور أزاريا فقال: يجب معاقبته لأنّه قتل إنسانًا جريحًا جاثمًا على الأرض، ولا يشكّل خطرًا، نحن لسنا جيشًا يعتدي على العُزّل، حتّى لو كانوا مُخرّبين! لا يمكننا بالبربريّة قيادة شعب مكافح بأكمله، هذا غير ممكن، لن ينتهي الأمر بالقوّة والطّرد، أنّها قضيّة عويصة وصعبة، 80% من شعبنا تضامنوا مع الجندي القاتل! كانت اعتداءات منّا سابقًا على الأبرياء في كلّ حروب اسرائيل ، وآنذاك كان الأمر مذهلًا ، اليوم نحن نتحدّث عن جماهير كثيرة خرجت من بيوتها تضامنًا قلبيًّا مع أزاريا وفِعْلته، وهذا هو التّغيير الكبير الذي حدث .وعن محاولة تسمية منطقة باب الواد/ مدخل القدس على اسم الجنرال رحبعام زئيفي/ غاندي، قال جوري: أناس كثيرون قُتِلوا في باب الواد، من الذين اخترقوا الطّريق، ومرافقي القوافل، ليس من رجال البلماح وحسب، إنّما مقدسيّون، سائقو شاحنات،أكُلّهم تحت كنف غاندي؟ علمًا بأنّه لم يُحارِب في هذه الجبهة.
الصّحف العبريّة كلّها أعطته مساحات واسعة من التّغطية، الإطراء، العطاء، الرّثاء، منوّهة الى التّحوّل السّياسي في مواقفه، عشرات المقالات لمختلف الكتّاب، قالت ابنته ياعل بعد رحيله، أبونا ترك لنا وصيّة: ما لم أستطع إتمامه، على جيلكنّ أن يصحّحه، يجب العمل على إنقاذ الدّولة! وتضيف ياعل: أشعر أنّني عاجزة، لاِنّني لا أعرف ما الذي يُمكن فِعْله.
ولأنّنا ننظر إلى أدب الآخر نظرة احترام وتقدير، حتى لو اختلفنا معه في بعض المواقف السّياسيّة، إلاّ أنّ الأدب يبقى أدبًا، لا سيّما حين يرتقي إلى القِيم الإنسانيّة والأخلاقيّة والجماليّة في حُسْن السّبْك والحَبْك، وما يقودنا إلى هذا المكان بالذّات، صحفنا العربيّة القطريّة جميعها لم تُشِر لهذا الكاتب بعد رحيله، وها نحن نضع بعض النّقاط على بعض الحروف، ونعي أنّ الصّحف العبريّة تتجاهل أدبنا وأدباءنا عمدًا. وبمساهمة متواضعة منّا ننقل بعض قصائده الى عربيّتنا وقرّائنا معًا.جاء في قصيدته الآن بداية الصّيف:
 الحنطة جاهزة للحصاد/ وكافّة البدايات جميلة شابّة/ كَإمْكانيّة مفتوحة/ ولم نفقد كافّة الآمال/ تبكي بداخلي محبّةُ صِباكِ/ سيْرُكِ خلفي في الصّحراء/ سيري خَلْفُكِ.
وفي قصيدة قصيرة مُقتضبة أخرى بعنوان: تتصاعدُ دخانًا، يقول:
شاهدنا هناك امرأة تسير خلفنا/ يداها على رأسها/ شاهدنا هناك امرأة تسير خلفنا/ حتّى إشعار آخر.
عُدنا إلى مُجلّد: معجم الرّوابط لكتّاب اسرائيل (بالعبريّة) تحرير: زيسي ستافي وزميله البروفسور يجآل شفارتس ليحدّثانا عن أسلوب وخصائص شعر جوري، فقالا ص 254 -257 ، استخدم الشّاعر اللغة العبريّة التّوراتيّة والتّلموديّة الشّفويّة، مطعّمًا ذلك بالاستحداثات الجديدة، وهو يدمج بين الوصف الواقعي المحسوس والتّصميم الرّمزي والحماس الانفعالي والتّهكّمي السّاخر المحلّي والعالمي، إلى جانب الالتزام القومي وعالَم الخصوصيّات، من بين الكتب والّدواوين الشّعريّة التي وضعها: زَهْرُ نار 1949 ،أوراق مقدسيّة 1969 ، دفاتر أيلول 1985 ،حسابٌ جارٍ 1988 ، وغيرها الكثير إلى جانب مئات المقالات.
ظلّ الشاعر ممتطيًا صهوة جواد الشّعر والنّثر وهو في العقد العاشر من عمره، ومن بين ما نظمه وهو في ساعاته الأخيرة، مشيرًا إلى نهاية المشوار :
يبدو أنّهُ قريبًا لن أستطيع قولَ ما أردْتُ/ أتلاشى وأضْمَحِلّ، في طريقي النّهائي/ رويدًا رويدًا أنتهي/ ليس في صعقة برقة/ ليس في طعنة خنجر/ ليس في أحد أنواع إطلاق النّار/ عدّة أمراض تراكمتْ بي، تعاقدتْ في لقاء مُعْتم/ تناولوني في حديثهم، حتى بزغ الفجر على مدينتي/ أصَلّي لِأجْلِكَ كي ترتاحَ/ ترتاحُ قليلًا من نفسكَ/ أُصَلّي لبعض الصّمت/ ما زالوا يهرولون مُبَشّرين بِأصوات انتقاليّة/ متى ترتاحُ لفترة زمنيّة/ بلادي يا بلادي الحريقة!
ولا يمكن لشعب أن يتجاهل الشّعب الآخر، حتى في أحلك السّاعات الآنيّة التي نجتازها، ولن نفقد الأمل والبوصلة، والفجر آتٍ لا محالة، مهما تطاول البُغاة والطُّغاة معًا. ونأمل أن ترتفع أصواتهم الجريئة أكثر واقوى، لِتُسْمِع من به صمم.

10/02/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع