التقنية والصورة .. ذاكرة حية وإبداع متجدد



تونس – من شمس الدين العوني- أمكنة وأحياء ومشاهد بألق لحظاتها وتحولاتها في السياق الزمني حيث الألوان والتفاصيل والحكايات تتجدد معلنة حيزا من شجنها وحنينها وجمالها المبثوث في الذات؛ الذات العاشقة للمعنى والنظر؛ معنى العناصر اذ تعكس بهاءها ليلمس الكائن شيئا من دفتر الرغبات؛ الكائن هنا ترجمان حياة أخرى يقطف ما بدا له من حال يشكل وفق شواسعه مجالا من السيرة.. هي سيرة الرحلة مع الآخر وتجاهه.
في كل هذا تمثل العوالم تجاهه ليرى منها ما تداعى لديه وجدا وذكرى وشجنا نبيلا فهو الفنان المختلف عن غيره من كائنات هذا التقصد الجمالي. وهنا نعني الفنان حارس الأشياء وتحولاتها فيه يمضي على وله لا يلوي على غير نشدان القيمة بينما يمر الآخرون بلا عين تجاه قيم ومعان أخرى غير عابئين بالنشيد.
انها لعبة الفن الباذخة في عالم معطوب تتنازعه الأهواء والفراغ نحو تداع مريب ولا عنوان غير السقوط المربك وانهيار الجمال وفي باحة كونية من النواح الخافت.
هذا وغيره يأخذنا طوعا وكرها الى ما هو حي فينا وكامن من وعي بقيمة المهمل والمتروك في جانب كبير منه. ومن ذلك أعماق الأشياء والتفاصيل ومنها الأمكنة والمواقع والمشاهد وما يشي بالمرسوم على جدران الذاكرة الدفينة عند الكائن الجميل.
ومن هنا نلج هذه الفسحة الجمالية لأعمال الفنان بنور مشفر وفق معرضه الذي يتواصل برواق علي القرماسي للفنون بالعاصمة حيث تعبر اللوحات عن ولع الفنان بفن الفوتوغرافيا الذي شهد تحولات وتطورا بينا من خلال الرحلة من آلة التصوير العادية الى المؤثرات والمستحدثات التكنولوجية التي طبعت عالم الصورة.
"حومتنا" و"سيدي محرز" و"الحومة" وجربة" و... غيرها من العناوين الدالة على شيء من تجربة الفنان الذي عاش على إيقاع فن الصورة لعقود عديدة ديدنه الذهاب الى اقتناص اللحظة بكل حواسه ودواخله تقصدا للعلاقة الثقافية والفنية والحضارية مع الموضوع المقصود فكانت معارضه منذ السبعينيات من القرن الماضي سواء منها الفردية أو الجماعية ومنها بالخصوص البيناليات الدولية المعنية بالصورة وفنياتها وبمشاركات واسعة لفنانين من القارات المختلفة ومن هنا نذكر بالخصوص البينالي الشهير الذي نظمته بلدية تونس بقصر خير الدين في التسعينيات من القرن الماضي.
في تجربة هذا المعرض تبرز اشتغالات الفنان بنور على ما أتاحته التقنيات الحديثة والوسائط في مجال الفوتوغرافيا ليأخذنا إلى صور هي بمثابة العمل التشكيلي على محامل متعددة لنجد لوحات لموضوع واحد ولكن في أشكال متعددة تبرز خاصة كيف أفاد الفنان من التقنيات لتبدو الأعمال أقرب الى الرسومات الزيتية أو المنسوجات وغيرها.
المعرض يكشف جوانب من خبرات الفنان الذي لم يقنع بآلة التصوير بل انه تفاعل مع المتاح التكنولوجي ليوسع من مجالات تعاطيه الفوتوغرافي. كل ذلك في حيز من العبث الجمالي الجميل وفق تلوينات الخيال والعقل. إنه التصرف العقلاني المبتكر تجاه كم هائل من مادة شاملة للثقافي والقيمي والوجداني زمن الانهيارات والتسطيح والفراغات. هي لعبة الحوار مع الممكن الفني تجاه المكان من مدينة وفضاءات والأحياء والأمكنة بما يعتمل فيها من لمعان.
الفنان هنا مأخوذ بالذاكرة الحية بما هي ثقافة ووعي دفين وكذلك بالأخذ بالجديد والمتجدد حتى لا تكون الصورة والفن عموما أشبه بالمتحف المهجور. إنها حرقة الفنان المبتكرة زمن التحولات المتسارعة وسلطتها على الوسائل والوسائط والذات الإنسانية التي كثيرا ما تسعى إلى هضم كل ذلك وآثاره ويبرز ذلك جليا وبينا مع الفن خاصة.
الفنان يبتكر وسائله وأشكاله كالانسان البدائي القديم يدفعه نزوعه ورغبته في التعبير الى ابتكار طرقه وأساليبه وأشكاله في سبيل ذلك. إنها الرحلة تلك منذ القدم والى الآن ونحو القادم. الفن هو هذا الذهاب الشاسع والمفتوح على الممكن الجمالي.
الجمعة 9/2/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع