أشياء


فريد غانم


1.كرسيٌّ خشبيٌّ

ما يزالُ متّكئًا، بلا يدَيْن، فوقَ سيقانِهِ المنذورة للانكسار. مهنتُهُ الموتُ الحيويُّ والوحدةُ والبَرْد. وهو لا يذكرُ من ماضيهِ البعيدِ سوى أناشيدِ الطّيورِ وحفيفِ أوراقٍ شاحبة وخريرِ ساقيةٍ، ومنجلٍ ويديَن فقيرتَيْن.
إنّهُ يصغي إلى دبيبِ النّملِ ويسمعُ كلَّ الكلام فلا يقولُ شيئًا. وها هو جالسٌ هنا، يئنٌّ بلا صوتٍ، ويشتهي نسمةً عذراء. لكنّه، حينما تنهمرُ فوقَهُ الأسرارُ ، يدفنُها في الحجارة.



2. نافورة
إنّها ترسمُ شكلًا للعويل، تلك النّافورة السّاقطةُ في الاتّجاهات المعاكسة. ها هي الأرضُ تُمطرُ فوق السّماء. ها هي عيونُ الحزانى تصرخُ في غابات الصّخرِ. وها هي المياهُ الباطنيّة تقذفُ حِمَمًا باردةً فوق الصّدور المحروقة.



3.جرنُ ماء

يا لهُ من مشهدٍ يمتصُّ القلوب، قطرةً قطرةً. حجرٌ كأنّهُ الرّحمُ، يحضِنُ دمعةً تكفي لإطفاء جمْرِ العالم كلِّه. على حوافِّهِ أسمعُ رفرفةَ العصافير العطشى، وقُبَلَ الفلّاحين الخارجين من شقوقِ الأرض وخطواتِ العذارى يحملن على رؤوسهنَّ جرارَ الفخّار القديمة.
وفي اللّيل، حينَ تأخذُ السّهولُ شهيقَها وتنامُ الرّوابي، ينزلُ القمرُ والنّجوم ويستحمّونَ في المياهِ البدائيّة، ليعيدوا حكايةَ الخيرِ والشّرّ على الطّحالبِ التي ما تزالُ تولدُ بلا أسماء.



4.  فراشة

في المسافات اللّانهائيّة بين زهرَتَيْن، تحملُ الشّمسَ في خصرِها، وترقصُ في الجهاتِ بحثًا عن ميسمٍ تضعُ فيها بويضتَها الأولى والأخيرة.
ومن بينِ أعمدةِ الصّدأ، تُلملمُ الألوانَ كلَّها وتصعدُ؛ على يديْها غبارُ الجنّةِ، وعلى جناحَيْها سجّادُ الممالك الأولى. وحين تستريحُ فوقَ حصيرٍ من العطرِ الخام، وقبلَ أن تطير، تضعُ خطّةً متكاملةً لإثارة الإعصار القادم.



5. قرطُبة

لسانا إيزابيلا وفيرنانديو الطّويلان فوق اللّزوم مُعلّقانِ على جدران المدينة، يتدلّيان من أصُصِ الوردِ المُحمرِّ خجلًا. نسيمٌ هازئٌ يكنسُ التّاريخَ من الشّوارع. وفي الحديقةِ بئرٌ طافحةٌ بالأسرار.
حجارةُ الأزقّةِ لا تبالي بأنواعِ الأحذية التي تمسحُها. وفي المطاعمِ التي تبيعُ الشّاي المعطّرَ من أسواقِ فاس، تسمعُ أغنيةَ بالإسبانيّة، بلحنٍ ما يزالُ هاربًا منذ خمسمئة عام.





السبت 13/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع