صهيل الجواد


محمد علي طه


** صحّ النّوم
   كان فايز شابًّا في أوائل العشرينات في حرب حزيران 1967. الله لا يعيد تلك الأيّام! أيّام الذّلّ والهزيمة. أيّام النّكبة الثّانية. واليوم بعد خمسين عامًا ينطق السّفير بعد أن طاف طوفان الاستيطان وبعد حرق المساجد والكنائس وكروم الزّيتون وبعد حرق الأطفال والعائلات. صحّ النّوم يا سيدي. كلام جرائد. طق حنك. كلام أمريكاني.


أيقظت خيوط الشّمس الذّهبيّة الأزهار والعصافير في حديقة منزل الحاجّ فايز. كان هذا النّهار ثالث نهار مشمس بعد أسبوع ماطر بارد غائم ظهرت الشّمس فيه حييّة مثل وجه فتاة في الرّابعة عشرة من عمرها سمعت جملة غزل لأوّل مرّة من شابّ يكبرها بسنوات فغطّت وجهها براحتيها.
حمل الحاج فايز الكرسيّ البلاستيكيّ الرّماديّ اللون من برندة البيت ووضعه قرب شجيرة الليمون في حديقة المنزل وعاد وحمل الإسكملة الرّماديّة أيضا ووضعها أمام الكرسيّ. يملك الحاج فايز طقمًا بلاستيكيًّا رماديًّا من الكراسي والإسكملات اشتراها من قرية برطعة قبل سنتين. حمل غلاية القهوة والفنجان من المطبخ وسار على مهل مخافة أن تندلق القهوة السّاخنة من الغلاية الرّماديّة، وكان يمشي ويحمل على كتفيه المحدودبتين عقوده السّبعة. اطمأنّ على الغلاية حينما وضعها على الإسكملة وعاد إلى البيت ليحضر جريدة الصّباح والنّظّارتين الطّبّيّتين. جلس على الكرسيّ وصبّ القهوة في الفنجان. الفنجان صينيّ متوسط الحجم بدون يد أو بدون أذن. هو فنجانه منذ سنوات. لا يشرب قهوته في الصّباح أو في المساء إلّا منه. ورفيقة عمره الحاجّة كاملة تعرف ذلك. "فنجانك يا حاجّ!". رشف الرّشفة الأولى وتلمّظّ فمنحته رائحة الهال وطعمه نشوة لذيذة فتناول الجريدة وقرأ المانشيت ثمّ العناوين على الصّفحة الأولى. شعر بحرارة الشّمس فتمتم: هذه الشّمس تحرق ذنب العصفور، ثمّ قال: كان والدي رحمه الله يقول: أعطها ظهرك! شمس شباط غدّارة تضرب الرّأس وتجلب الزّكام. نهض عن الكرسيّ ونقله إلى النّاحية الثّانية ليحمي رأسه من أشعّة الشّمس. درهم وقاية خير من قنطار علاج يا حاج فايز. لامس رأسه أفنان شجيرة الليمون فتضوّع عبير الأزهار البيضاء فاستنشق العبير عميقًا وعاد إلى قهوته يرتشفها وإلى جريدته يقلّب الصّفحات ويقرأ العناوين.
شاهد صفحة الكلمات المتقاطعة فتذكّر أنّه نسي قلم الحبر. نادى بصوت عالٍ: "كاملة. يا كاملة. نسيت قلم الحبر.." "تعال خذّه" فلم يتفاجأ بجوابها. ما دمت يا فايز تتوقع ذلك فلماذا طلبت القلم؟ لم أقل لها: "هاتي القلم". قلتُ لها: "نسيت القلم". جملة خبريّة لا غير. ليست طلبيّة. كانت كاملة تحمل الكعكة اللذيذة في الصّحن الصّغير الجميل والملعقة الصّغيرة المذهّبة وتلحق بي. تفضّل يا فايز. يا تاج راسي! راحت تلك الأيّام. راحت!!
وعاد إلى جريدته. صباح الخير أمريكا. صح النّوم يا كبيرة. بعد خمسين عامًا من الاحتلال تذكّر السّفير الأمريكيّ أن هناك ازدواجيّة في تعامل سلطات الاحتلال فهي لطيفة ناعمة مشجّعة للمستوطنين المستعمرين وقاسية شديدة للمواطنين العرب كما يقول.
   كان فايز شابًّا في أوائل العشرينات في حرب حزيران 1967. الله لا يعيد تلك الأيّام! أيّام الذّلّ والهزيمة. أيّام النّكبة الثّانية. واليوم بعد خمسين عامًا ينطق السّفير بعد أن طاف طوفان الاستيطان وبعد حرق المساجد والكنائس وكروم الزّيتون وبعد حرق الأطفال والعائلات. صحّ النّوم يا سيدي. كلام جرائد. طق حنك. كلام أمريكاني.
   وكان رفّ اليمام الذي يقف على حافّة قرميد السّطح يهدل فرحًا بالشّمس وبالدّفء. وكان العندليبان يغرّدان على شجيرة التّين العارية التي برزت براعمها. والحاج فايز يحبّ اليمام عندما يراه يكرج ويعدو في ساحة البيت ويسعد حينما يرى زوجين من اليمام يتغازلان ولكنّه لا يحبّ الهديل، في حين يطرب لسماع تغريد العندليبين. اليمام يعرف الحبّ ويعيش الحبّ وينام مع الحبّ وينهض وإيّاه وأمّا العنادل فتغنّي للحبّ وللحياة. والإنسان الذي لا يعرف قيمة الطّبيعة ولا يعشقها ليس إنسانًا. هو حجر أو قطعة خشب. يطير الحمام ويحطّ الحمام ويكرج الحمام. ويراقب قدمي اليمامة الجميلتين. وتدخل القطّة إلى السّاحة وتموء مواء إباحيًّا ويجيبها القطّ الذّكر بمواء مماثل. داوود. داوود. شباط من شبط من لبط ريحة الصّيف فيه. شلبطت القطط. وصوت المواء مزعج ويعكّر هدوء الضّحى الجميل. بسّ! بسّ!إنصرفا! إنقلعا! والقطّة تموء وتسير على مهلها متجاهلة زجر الحاجّ فايز غندرا مشي الصّبايا غندرا. والقطّ يشمّ آثارها. وأنفه يكاد يلامس الأرض. يمشي وراءها ولا يسمعان هشّ الحاج فايز ولا نهره. والطّقس جميل ودافئ. ونسيم ناعم يهبّ حاملا عبير الليمونة. والقطّان لا يشعران بوجود فايز. واليمام يبرقم ويدرج ويكرج ويصل إلى قدميه. لا يخافه ولا يهابه بل يأنسه. والعندليبان يغرّدان كأنّ الدّنيا لهما وحدهما. عندما يقع الحبّ يرتفع التّكليف وعندما يعمّ الحبّ تصير الدّنيا ملكًا للعاشقين. وكانت الدّنيا لك يا فايز. والدّنيا جميلة وحلوة. ويسمع الحاج فايز صهيل حصان، فيرفع رأسه وتنتصب أذناه الكبيرتان اللتان نما الشّعر عليهما مثل أذني جواد.
"صهيل" ؟
هل بقيت خيول في البلدة؟
على هذه الهضاب عدت جياد عديدة. وفي هذه الوديان صهلت خيول عديدة. وعلى هذه الميادين جرت حفلات السّباق. كان. كان يا مكان. لا خيل عندك يا حاج فايز تهديها ولا مال.
   ورشف من فنجان القهوة رشفة كبيرة. وقلب الصّفحات في جريدته وكان يهرب من أخبار السّياسة البائسة. من التخلّف والقتل والدّمّ والتّشرّد، ووصل إلى صفحة الرياضة. منذ سنوات وهو متعلّق بصفحتين اثنتين في جريدته ويرتاح إليها. صفحة الكلمات المتقاطعة التي تمنحه رياضة فكريّة وصفحة الرّياضة التي تهبه راحة نفسيّة. هذه الصّفحة يقرأها منذ عقود. منذ كان لاعبًا في فريق كرة القدم. فريق الهلال. أبناء هذه الأيّام لا يعرفون اللاعب فايز. المهاجم الخطير السّريع وأمّا آباؤهم وأمهاتهم فلا يحدّثونهم عنه. ومن هو؟ النّاس نسوا بيليه ونسوا مارادونا ونسوا بلاتيني.. فمن أنت يا فايز؟. ألا تعرف بأنّ لاعب كرة القدم مثل النيزك يبزغ ويضيء ويختفي مثل لمح البصر؟
   وتذكّر الحاجّ فايز المباراة الحاسمة للوصول إلى قمّة لائحة الدّوري. نزل يومئذٍ إلى الملعب الأخضر يزفّه الشّبّان والصّبايا بالهتاف "فايز. فايز" ويرفع يديه في الفضاء ويحيّي المشجعين. وأعلنت صفّارة الحكم انطلاق المباراة. وعشرون لاعبًا يعدون وراء الكرة ويقذفونها و يرفسونها و يراوغون ويخطئون. ويصيبون. والصّراخ والهتاف.
وتحرّك فايز على الكرسي وهمّ بالوقوف.
يا..يا.. وفايز يسجل الهدف. الهدف القاتل. هدف النّصر. هدف الفوز. فايز. فايز. لا زال طعم حلاوة النّصر على لسانه منذ عقود. جاء لاعبون وذهب لاعبون. وسجّلوا أهدافًا. وحقّقوا نجاحًا وفشلا. وجيل يذهب وجيل يأتي. وفايز ما زال يذكر هدفه الجميل. وما زال يحتفظ في خزانته بالصّحف التي صدرت غداة المباراة ونشرت صورته. فايز يرتدي القميص المقلّم بالأبيض وبالأخضر ورقم 11 والبنطلون الأسود وينتعل الحذاء الرّياضي الأسود.
   في تلك الأيّام كانت الرّياضة رياضة بالفعل. لا دولارات ولا يورو. ما يتقاضاه اليوم لاعب في الدّوريّ الإنكليزيّ أو الإسبانيّ مقابل مباراة واحدة يعادل ميزانية الدّولة لجميع فرقها الرياضيّة في تلك الأيّام لسنة كاملة. كان للرّياضة طعمٌ آخر. لا يفكّر اللاعب بالمال بقدر ما يفكّر بالنّجاح وبهتاف الجماهير.. وبخاصّة هتاف الصّبايا.
لو عادت عقارب السّاعة إلى الوراء..
لو عاد الشّباب إلى الجسد العجوز.
لو عاد الشّبّان يقفون على المدرّج ويهتفون: "فايز. فايز. ما فايز إلا فايز".
لو عادت الصّبايا يزغردن.
 وفايز يتمختر مثل الدّيك الرّوميّ بعد أن تنهي صفّارة الحكم المباراة.
وترفع راحتيك.. وتحيّي الجماهير.
وترسل القبلات في الفضاء.
لمن؟
أنت تعرف.. وهي تعرف.
مرّت عقود. سنة وراء سنة. وفايز سجّل هدفًا واحدًا في مسيرته الكرويّة. مسيرة؟ هذه كلمة كبيرة. هدف يتيم كما يحلو لمذيعي ألعاب كرة القدم أن يقولوا. هدف لا ينساه. يعيش على ذكراه. أين كان هؤلاء الأولاد عندما كنتُ أجري مثل غزال الصّحراء في الملعب؟ عندما كنت أحرث الملعب؟ أين كان هؤلاء النّجوم عندما كتبت الصّحف عن فايز ونشرت صورته على الصّفحة الأولى؟ فايز يسدّد الكرة. يقفز فرحًا. اللاعبون يحيطون به ويعانقونه. فايز يحيّي الجماهير ويرسل قبلة في الفضاء!!
لو عاد الزّمان يا فايز.
ويسمع صهيل الحصان من جديد.
صهيل يأتي من بعيد.
وتنتصب أذناه. يرفع رأسه عن الجريدة، ويشاهد ثلاث نساء سائرات على رصيف الشّارع المقابل يحملن سلال البلاستيك الملوّنة. هؤلاء النّسوة ذاهبات إلى البرّ في هذا النّهار المشمس ليجمعن البقول، العلت والخبّيزة والشّومر والسّلق واللوف. وجمع البقول متعة ورياضة بدنيّة. كان في طفولته يرافق أمّه لجمع البقول من البرّ ومن السّهل ومن الوادي. الهواء الطّلق العليل. البرّ حريّة. البرّ رحب. وصهيل الحصان يعود مرّة أخرى. هل عاد زيدون؟ كان يمتطيه ويعدو من البلدة إلى السّهل. وكانت علاقته بزيدون متينة. يطعمه ويسقيه ويداعبه. يتحسّس رقبته ورأسه وفمه وظهره. كانت أيّام الشّباب والفروسيّة. كان يربطه بعربة صغيرة ويجلس على الكرسيّ ويطير زيدون تمامًا مثل الأفلام السّينمائيّة وفايز مثل الأمير. فارس يشدّ اللجام ويرخيه. ويسير زيدون ويمشي. ويلمح فايز امرأة تسير على الرّصيف تحمل سلّا. كان يوما مشمسًا مثل هذا اليوم. وكان يومًا دافئًا مثل هذا اليوم. وكان الشّهر هو مثل هذا الشّهر. شهر شباط. وفايز يجلس على الكرسيّ وزيدون يهرول. والمرأة صبيّة. تبدو من بعيد صبيّة ويدنو. ويدنو. السّمراء أميرة الحدّاد. أميرة الجميلة. ويشدّ اللجام. ويخفّف السّير.
- مرحبا أميرة.
- أهلا وسهلا 
وضحكت عيناها وهي ترنو إليه.
- لوين رايحة؟
- عَ البقل.
- أنا رايح أحشّ شوية حشيش لزيدون من خلّة اللوز. في الخلّة بقل كثير. تعالي معي.
ومدّت يدها.
قبض على راحتها وساعدها على الصّعود.
وجلست بجواره.
كان وجهها يحمرّ شيئًا فشيئًا.
- أنا مش مصدّقة.
- ولا أنا.
- قبل سنين حلمت (وصمتت قليلا وأضافت) ماخذني مشوار.
وقبضت على راحته.
- سنين وما حكيتي؟
- في بلدنا ممنوع تحكي المرأة.
حدّق في وجهها الذي صار مثل تفاحة جولانيّة.
- طيّب. إحكي!
- لما فات الجول.. فاتشي ع قلبي.
- أنتِ اللي زغردتْ؟
- وصفّقت.
- يومها رفعت ايدي جهة الزّغرودة.
- وبعثت قبلة في الهوا.. حسّيت إنها...
وشدتّ على راحته.
وداعبت أنامله.
وزيدون صار يعدو والنّسيم يداعب وجهيهما، وأنامله تحاور أناملها.. وأناملها تحمل راحته وتضعها على صدرها..
- مش مصدّقة!
- أنا مصدّق.
ويصلان إلى خلّة اللوز.
ويشدّ اللجام ويقف زيدون. ويترجّل فايز. ويتناول يدها ويساعدها على النّزول.
والعشب أخضر.
و الخزامى خضراء وأزهارها بيضاء.
و نوّار اللوز أبيض.
وشقائق النّعمان حمراء.
وعصافير تسقسق.
وزيدون ينظر إلى الجسدين على العشب الأخضر.. ويضرب الأرض بقدميه ويصهل ويصهل...
وعبير الليمونة ينساب بنعومة في أنف الحاج فايز في دفء الشّمس.

السبت 13/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع