عهد الشجاعة


نمر نمر


مظاهرة في باريس تطالب بتحرير عهد التميمي



** أفكّر بابنتي
قبل أن يعود ابني بيوم، وقّعتُ على عريضة تُطالب بإطلاق سراح عهد التّميمي بدل استمرار أسرها. لا نِيّة عندي لجعلها بطلة، الجندي الذي لطمَتْه، كان يمكن أن يكون ابني، من ناحية أخرى واضح عندي بِأن توقيفها مستمرّ بسبب كاميرة، لو لم تكن كاميرة توثق الحدث، ربما لما حدث توقيف بالمرّة. أنا أفكّر بابنتي ذات مرة، حين كانت في سِنّ عهد، طاردتْ لصًّا صارخةً، وكادت تضربه بغضب، لو لم يُذهل ويرمِ جزدانها فارًّا، يُخامرني شَكّ، لو عاشت ابنتي واقع حياة عهد وجندي! جندي! يدخل ساحة بيتها دون إذن، في اليوم التّالي بعد أن وجدتْ صورة ابن عمّها على قناة الجزيرة، وقد أردِيَ قتيلا بإطلاق النّار على وجهه، ربّما هي كذلك...



ما زالت الفتاة عهد التميمي/النّبي صالح، المُتَحَدِّية، المقدامة، الشّجاعة تتصدّر العناوين، ولا نقول: تحتلّ العناوين، فالاحتلال هو احتلال غاشم، ولا احتلال مُستنير، كما يقول العقلاء، وقد لفت انتباهنا مقال الكاتبة: دانيئيلة لندن ديكل: ابْنَتُهُ، إبْني (يديعوت أحرونوت): ملحق سبعة أيّام، الجمعة 5 /1 /2018، نترجمه كاملًا، لعلّه يُسلّط بعض الأضواء على ما يدور في الاتّجاه المعاكس، وهو حوار بين الكاتبة وابنها الجندي عن وقع ووطْأة الاحتلال:


**إبْنَتُهُ، إبْني


بالأمس حين عاد بعد اسبوعَين، رغم ذلك، نجحتُ باستنطاقه، قبل أن يُهرول إلى صديقته بقليل، تاركًا ملابسه مرميّة إزاء الغسّالة، حكى لي قليلًا عن التّوقيف والتّفتيش عن الوسائل القتاليّة في البيوت: قبل بضعة أيّام وجدوا، هو الذي قاد جنوده لبيت العائلة في منتصف الّليل، وأعطى أوامر التّفتيش، وحين لم يجدوا شيئًا، أشار إلى خزانة كبيرة سائلًا: وهل بحثتم هناك؟
الاحتلال، منذ خدمة ابني في المناطق، أصبح دون مُبرّر، موضوعًا ملموسًا أكثر، وكافّة النّزاعات الدّاخليّة تعاظمت، أنا أعتزّ بابني لاختياره التّجنّد في خدمة هامّة، والمشاركة في دورة عُرَفاء، وأنا أخجل وأتألّم لِأنّ الدّولة تستخدمه لحراسة قِلّة من اليهود في الخليل، وعلى بُؤَر غير قانونيّة، وعلى شوارع تفرقة عنصريّة، وعلى استمرار وطأة الاحتلال. والدٌ آخر، أعرفه عن كثب، من اليمين المُتديّن، قال لي مرّة: دون الشّعور بالعدالة والإيمان، هو لم يفهم حقًّا كيف يُمكن الدّفاع عن السّيطرة على المناطق والسّكّان المدنيّين، سألتُه: من أين لكَ الشّعور بالعدالة؟ قال من الإيمان، ومن أين لكَ الإيمان؟ حاول التّفسير، وحين تورّط قال بإيجاز: من الشّعور بالعدالة.
 سألتُ ابني: كيف يشعر حين يتجوّل مُسلّحًا في القرى، يُشير للسيّارات بالوقوف، يُضيء بالفانوس، يفتح صندوق السّيّارة الخلفي، يسأل، يُحقّق وَيُكَبّل بالقيود؟ سألته: كيف يشعر حين يوقظ عائلة في منتصف الّليل، أو أولادًا في العاشرة من أعمارهم، كما قال لي: يصرخون بوجهه: جندي! جندي! وحين يلتفت إليهم، يقابلونه بإشارات يدويّة... ويدَيْن على الخاصرتين- يرمونه بالحجارة، اشعرُ بالنّيابة عنه بالغرابة.
يا للغرابة، كلّ الحالات التي يمكنني أن أرى ابني بها، هذا الواقع خارج الرؤية، لا يمكنني أن أتخيّل ذلك، ما العلاقة بين ابني وبين (جندي! جندي!) هذا تّعميم بغيض دون هوادة.
 سألْتُه: هل في وضع كهذا يمكنك أن تبقى مهذَّبًا على الأقل، السّؤال الأخير لم يكن سؤالًا بالضّبط، إنّما أكثر استجداءً: حين تخترق وأنت مُسلّح بيتًا لعائلة فلسطينيّة منتصف الليل، وترعبها حتى الموت، حقًّا أو بدون حقّ- كُنْ مهذّبًا على الأقل، وإذا أرعبتَ أولادًا صغارًا مذعورين في فراشهم، إبتسم إليهم، حَسْمِسْ لهم على الرّأس، قُلْ لهم كلامًا مُطمئنًا.
 نعم أنا أعرف أنّ هذا مُثير للسُخرية، أنا أطلب منه أشْكَرة (هكذا بالأصل) أن يكون مُحتلًا حضاريًّا، لكن ماذا يمكنني أن أطلب منه بعد؟ أن يَفِرّ من الجيش؟ أن يجد نبضًا بقلبه ويُخَفّف الملامح؟، أن يكون عبقريًّا ويذهب للاحتياط؟
قبل أن يعود ابني بيوم، وقّعتُ على عريضة تُطالب بإطلاق سراح عهد التّميمي بدل استمرار أسرها. لا نِيّة عندي لجعلها بطلة، الجندي الذي لطمَتْه، كان يمكن أن يكون ابني، من ناحية أخرى واضح عندي بِأن توقيفها مستمرّ بسبب كاميرة، لو لم تكن كاميرة توثق الحدث، ربما لما حدث توقيف بالمرّة. أنا أفكّر بابنتي ذات مرة، حين كانت في سِنّ عهد، طاردتْ لصًّا صارخةً، وكادت تضربه بغضب، لو لم يُذهل ويرمِ جزدانها فارًّا، يُخامرني شَكّ، لو عاشت ابنتي واقع حياة عهد وجندي! جندي! يدخل ساحة بيتها دون إذن، في اليوم التّالي بعد أن وجدتْ صورة ابن عمّها على قناة الجزيرة، وقد أردِيَ قتيلا بإطلاق النّار على وجهه، ربّما هي كذلك... آمل، لكن مَن يدري متى يصل غضب الوجود، اليومي إلى نقطة الغليان؟ دون أن أقصد تراءت صورة في مُخيّلتي: ابنتي تعتمر الكوفيّة تواجه ابني الجندي. كافّة هذه المهامّ- مَن المُحْتلّ، ومَن تحت الاحتلال، من القوي، من الضّعيف- يكاد يبدو لي شبْه تلقائيّ وصورة النّزاع الكبير على الأرض والحقوق التّاريخيّة، مَن أكثر ذنْبًا، ومَن ابتدأ أوّلا، تبدو أمامي فتاة في السّادسة عشرة من عمرها وجندي في الثّامنة عشرة. حين تُصبح الصّورة شخصيّة، الفتاة قد تُذكّرني حتى بابنتي، وكل ما انجح برؤيته أمامي: ضحيّتان: فلسطينيّة شابّة تحت وطأة احتلال مُستمر، دون أمَل، تجرّأت برفع يدها على جندي، جندي إجباري - جَبْر سيئ - نجح بتمالك أعصابه برباطة جأش.
 حين سألتُ ابني السّؤال الأحمق-أيمكن اختراق بيت في منتصف الّليل والبحث بأدب عن وسائل قتاليّة - قال جادًّا "أنتِ تُضحكينني" وأضاف "حين تكونين هناك وترين الاحتلال بعينَيْكِ، ستفهمين بِأنّ الوضع ميؤوس منه تقريبًا، لكن إذا كان الأمْر يُعزّيكِ،إذَا، قبل ان أدخل قرعْتُ الجرس!
**
هذه التّساؤلات التي تطرحها الكاتبة: مقارعة الضّمير، الاستفزاز، نشوة النّصر وغيرها، تضع الكاتبة في دوّامة عصيبة، فتجد فشّة الخُلق في هذه العبارات، بعضها مفهوم، وآخر غير مفهوم، نفهمها أحيانًا، ونلومها أحيانًا أخرى! وقد أجادت بوضع رسم مُعبّر بريشتها: العين تلاطم المخرز تحدّيًا.
** ونضيف: الكاتبة إبنة الصّحفي يرون لندن، وُلِدَت في تل أبيب، 1966،رسّامة كاريكاتير، مُصَمّمة جرافيّة، صحفيّة، عملت في عدّة صحف، لها زاوية ثابتة في مُلحق يديعوت أحرونوت، تُزيّن مقالاتها برسومات توضيحيّة بريشتها.
**مُحلّل الشّؤون العربية لِإذاعة الجيش: جاكي حوجي، في معريب 5 / 1 /2018 يقول عن عهد التميمي: هي أيقونة ساحرة، مستقبلها أمامها، وقعت بين أيدي الفلسطينيّين ثمرة ناضجة وفي شروط مريحة، لم تُسْكَب نقطة دم، لم تُطْلَق أيّة رصاصة، وإذا سُجِنَت هي وأمّها لفترة قصيرة، علينا أن نفكّر بما احتاجتاه لهذه الشّهرة هو: كاميرة هاتف جوّال وبعض اللطمات على قائد الكتيبة والجندي المرافق.


 
 **بِحْياة ربّكْ، بيبي


الكاتب العصبي، نتان زهابي (زهابي عَتْصْبَني)، له مساهمة يوميّة إذاعيّة/ إذاعة 103 /ف م، أحيانًا يستعمل كلامًا قاسيًا يصعب هضمه، ولكنك تتفهّمه لأنّه يعالج قضايا السّاعة السّاخنة، بالإضافة إلى زاوية إسبوعيّة ثابتة في مُلحق جريدة معريب/ يوم الجمعة، يُطِلُّ علينا بزاويته الجادّة، السّاخرة والمُقْذِعة، مقاله الأخير5 /1 /2018: تحت عنوان: بحياة رَبّك بيبي، جملة عربيّة بأحرف عبريّة:
بِحْياة رَبّكْ بيبي، هكذا بالضّبط، يُكرّر الجملة مرارًا في سياق المقال، يُسلّط به الأضواء على سياسة نتنياهو الهوجاء، مُقتبسًا أقواله حين كان معارضًا لحكومة إيهود أولمرط 2006 -2009، حين وُجّهت التّهم بالرّشوة والفساد، كان نتنياهو في صفوف المعارضة فقال عن خصمه السّياسي أولمرط 14 /12 /2008: الحديث عن رئيس حكومة غارق حتى عنقه في التّحقيقات، ولا شرعيّة أخلاقيّة أو شعبيّة له للبت في أمور مصيريّة لدولة اسرائيل، لأنّ ظَنًّا حقيقيًّا هناك، فكيف يجوز له البت في قضايا مصيريّة وهو في صراع المحافظة على مصلحته الخاصّة وعلى منصبه الرّسمي القومي في نفس الوقت!
 يتساءل زهابي: قُلْ لي يا بيبي أليس هذا هو حالك اليوم؟
ثمّ ينتقل الكاتب إلى موضوع المفتّش العامّ للشرطة، وقد كان عيَّنَه نتنياهو يوم 3 /12 /2015: بحياة ربّك بيبي: عيّنْتَ مفتّشًا عامًا وقلتَ آنذاك: لا سُلطة بدون شرطة! أمّا اليوم 19 /12 /2017 حول قانون التّوصيات: تكون توصيات، شْمَعنا؟ غالبيّة توصيات الشّرطة تنتهي دون أهمّيّة، أكثر من 60 % من توصيات الشرطة ترمى في سلّة النّفايات، أكثر من 60% منها لا تصل لتقديم لائحة اتّهام. ثم يقول الكاتب في فقرة أخرى: أنت تسخر من رؤساء المعارضة، رجال اليسار المتطرّف المُعَيَّنين من قِبَل "صندوق إبادة اسرائيل"، وقد طالبت عام 1997 بتحديد مهمّة رئاسة الحكومة لفترَتَين فقط! ويضيف، قال عنك ليبرمان يوم 28 /3 /2016: أنت كاذب، محتال ومخادع! وها هو اليوم وزير دفاعك! غريب عجيب!

**
بعد هذه الإطلالة على هذه المقتطفات نعود إلى حقولنا الأدبيّة والرّوحيّة.
**قال جرير بن عطيّة التّميمي، خصم الفرزدق:
 أَعَدَّ اللهُ للشُعراء مِنّي صواعِقَ يُخْضِعونَ لها الرِّقابا
 إذا غَضِبَتْ عليكَ بنو تميم حَسِبْتَ النّاسَ كُلّهم غِضابا

*
وأخيرًا حَجَّتْ ناقةُ النّبي صالح: حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا!

*
وَإذْ قال موسى لقومه: وَإذْ تَأَذّنَ رَبُّكم لَئنْ شكرتم لَأزيدَنّكم، وَلَئن كفرتم إنّ عذابي لَشديدٌ (ص)


السبت 13/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع