انتهازية الطائفية والحمائلية في الميزان


الياس خليل نصرالله


** عقلية التخلف
إن دعاة التقسيم الطائفي، العائلي والحمائلي هم أنصار تمجيد عقلية التخلف، وليس في وسعهم الالتزام والدفاع بصدق وأمانة وشفافية وإخلاص عن قضايا المجتمع. وسنجدهم يتنكرون لفكرة أن الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية، إنما هو خير علاج وقائي لأخطائنا القصدية وغير القصدية. إن مصلحة ومستقبل مجتمعنا بكل شرائحه وأطيافه تطالب جميع السماسرة المروجين والمنتفعين من الطائفية، ان الأديان لا تحتاج الى حمايتكم، فلها رب يحميها.


 نحن هذا العام على أبواب انتخابا ت محلية، وربما انتخابات برلمانية. ونشهد استمرار تفاقم ظواهر سلبية، العنف بكل اشكاله، التوتر والتراشق الطائفي، والانقسامات الحزبية، مما يؤدي لانعدام القواسم المشتركة الوطنية، الأمر الذي ينبئ في طياته مخاطر وجودية ملموسة تتهدد مستقبل مجتمعنا.
إن أخطر ورشة عمل في مجتمعنا هي تسييس الدين. فنجد رواجها وتفشيها، يدعمه أنظمة رجعية ظلامية، متواطئة مع دول إمبريالية يجمع بينها نهب وتبذير، موارد وثروات بلادها. هل سينجح المتلاعبون بالعواطف، تجار المبادئ والعقائد، المتسربلون بشكلية وقشور الدين والتدين، التفوق على العقلانية، المصلحة العامة والتمسك بمقولة" الدين لله والوطن للجميع ". فمن المؤكد انهم سيهزمون لأننا قد اكتشفنا بأن رياءهم وإفكهم هو تحريف الدين، واستغلال مفردات الطائفية والحمائلية والمذهبية البغيضة والممجوجة لتحقيق مكاسب آنية وضيقة. وأصدق مثال لذلك الانتخابات لسلطاتنا المحلية والتي يتنافس فيها قوائم حمائلية وطائفية، وحتى الأحزاب القطرية تتحول فيها الى قوائم حمائلية.
إن غالبيتنا لا تخجل بأن تُمارس لعبة هذه الانتخابات من منطلقات طائفية وعائلية. ومن المؤكد أن كل من يصل الى تمثيل في السلطة المحلية، خاصة الرئيس، بقوائم طائفية وحمائلية، سيقوم بتقسيم وتوزيع غير سليم للميزانيات والتوظيفات، اي ستتميز إدارته بانعدام النزاهة، العدالة، الشفافية، الأمانة والنجاعة لأن كل إدارة سلطة محلية محكوم مصيرها بمنطلقات ودعم فئوي (حمائلي – طائفي) ستصبح إن شئنا أم أبينا مزرعة موظفين عائلية وطائفية. والمحزن تحول الطبقة المتعلمة عند انخراطها في خضم هذه السلطات، الى قوة داعمة بكل ثمن لقوقعة التحزب الطائفي والحمائلي، وبعضها يصبح أداة لتمرير وشرعنة مخططات الحكومة ضد بلدته. وعليه لا يمكن ربط فشل هذه السلطات فقط بسياسة التمييز الصارخ منذ قيام الدولة، إنما ايضا بعوامل ذاتية، وفي مقدمتها طابع انتخاباتها.
تدل الابحاث والدراسات أن النظام الطائفي والحمائلي وغيرهما من أنماط التشرذم، هي منظومة سياسية اجتماعية متخلفة، مهترئة لانها تحوّل بل تحتوي أفرادها كجزء من الطائفة او الحمولة،لتنوب عنهم وتمثلهم في المواقف السياسية. وسينجم عن ذلك تٓحٓكٌّم الانقسامات الطائفية والحمائلية، ليصبح الولاء لها على حساب الولاء لكل المجتمع ومصلحته العامة. والاخطر ان تصبح طائفة او حمولة الأغلبية تحتكر السلطة فقط لخدمة مصلحتها. ويحمل ذلك في طياته عدم الاستعداد لاحتواء وقبول التعددية، ويُهمّش بل يمنع إمكانيات التداول السلمي لحل المشاكل.
 لذا وٓيْل لمن يعشق الماضي حتى الثمالة، يتعامى او يتجاهل إسقاطات ودروس وعِبر تجارب الماضي. إن الماضي والحاضر قد أثبتا بشكل قاطع وجازم، ان إثارة النعرات الطائفية والحمائلية والقبلية تمزقنا إربا إربا،.تزجنا وتورطنا في دياجير التخلف والانحطاط في كافة المجالات والصعد. لأنها تُكلف مجتمعنا وخاصة طبقاته المسحوقة ثمنا يفوق كل تصور مما سيؤدي لإعاقة هيكلته السليمة ومواكبته ركب التطور والحضارة والتحديث، واستبدال العقل بالنقل. لقد أثبتت التجارب ان المجتمع الذي لا يسوده الاتفاق الواسع حول المواضيع المركزية والجوهرية سيكون من السهل زجه في خضم العنف والحرب الأهلية والتي ستأكل الاخضر واليابس وتسهل تنفيذ مؤمرات المتربصين به، وعندها لا يبقى لنا سوى تأنيب الضمير، البكاء على الاطلال، وعندها ماذا سيجدي الندم؟ وسنردد بحسرة يا ليتنا كنّا قادرين معرفة نتائج نزواتنا وتهورنا قبل حصولها، بتفكير من عمره خمس سنوات ! إن الاتفاق الواسع، وحده لا يكفي لديمومة استقرار المجتمع. إننا بحاجة ماسة ومٌلِحة لتطبيق مبادئ وقيم إنسانية أساسية مثل الاعتراف بضرورة وأهمية شرعية اختلافنا في الآراء، المصالح، المواقف، التصورات،التوجهات، الدين،الفكر والرغبات.
إن اي مجتمع يدوس أو يتنكر لهذه القيم والمبادئ، فمن الحتمي انزلاقه الى العنف بكل أشكاله، ضد المُخْتلف، عنه، فردا كان، او مجموعة. لذا يتوجب علينا التربية لتذويت هذه القيم والمبادئ لتصبح فلسفة وأسلوب حياة نمارسه ونعايشه يوميا. علينا اعتماد العقل والنقد الهادف لكل مركبات مجتمعنا. وأصدق تعبير لاهمية وظيفة النقد، مقولة الفيلسوف "كانت " : " النقد هو أهم أداة بناء عرفها الانسان.. لانه لا  تقُدم وإرتقاء بدون معرفة النواقص والعيوب، لمعالجتها والتخلي عنها، إذا لا توجد أداة يستطيع الانسان فيها ممارسة وتحقيق كل ذلك إِلَّا بالنقد". مثلا من الضروري نقد ظاهرة تولي عديمي الكفاءة والخبرة والأهلية إدارة المرافق الحيوية، وكل ظاهرة سلبية، شريطة ان ينطلق ذلك من مبدأ "الانسان المُناسب في المكان المناسب " أي التحصيل والأُهلية والكفاءة هي المعيار والقاعدة لذلك.
 وليس المحاصصة وتوزيع الكعكعة من منطلقات طائفية أو أية اعتبارات غريبة عجيبة. إن دعاة التقسيم الطائفي، العائلي والحمائلي هم أنصار تمجيد عقلية التخلف، وليس في وسعهم الالتزام والدفاع بصدق وأمانة وشفافية وإخلاص عن قضايا المجتمع. وسنجدهم يتنكرون لفكرة أن الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية، إنما هو خير علاج وقائي لأخطائنا القصدية وغير القصدية. إن مصلحة ومستقبل مجتمعنا بكل شرائحه وأطيافه تطالب جميع السماسرة المروجين والمنتفعين من الطائفية، ان الأديان لا تحتاج الى حمايتكم، فلها رب يحميها. إن محركات طائفيتكم، هي التسييس للدين،او التـدْيين للسياسة، وهي مبطنة بافكار وممارسات تعِّج بالكراهية، الانقسام والإقصاء، وتفِرز عُصارة نتِنة، وهي نشر التصدع والفتنة، والتي ستُهدِد وتفتت،وتمزق وحدتنا وأمننا وأماننا. إن هدف طروحاتكم وفكركم ومواقفكم تلويث وتشويه ومسخ الروح والعقل السليم. هل تظنون ان عقولنا قد ترهلت ووهنت لزجها في مهلكة دياجير التناحر والشجار والاحتراب الطائفي، متوهمين بأن ذلك سيخفي علينا أطماعكم، وهي جرف المكاسب الشخصية، النفعية، ولو بعد خراب بصرى. إن الأفكار التي تتجشأونها والشعارات المهترئة التي تلوحون بها، ليست سوى أقنعة لانبطاحكم تحت أقدام المصلحة الذاتية، الطافحة بالأنانية.
كفاكم مراوغات وتسترًا وتملُقا بأنكم حٌماة الطائفة والدين، ومصلحة الحمولة والقبيلة، ألا تدركون ان أقنعتكم قد سقطت، بفعل التغيرات الإيجابية والبناءة الحاصلة في مجتمعنا، وتذكروا ان أنانيتكم وضيق أُفقكم، لن يوفر لكم الفرصة لتزييف الوعي والتاريخ، والقيم الانسانية السامية، وان البقاء والنجاح والنصر، فقط، لكل من يساهم فكرا وعملا وقولا في تعزيز وتمتين أواصر ووشائج وحدتنا، لأن فيها قوتنا، سعادتنا وتطورنا ورقينا. كما أنها أنجع علاج وقائي لدرء أحابيل ومؤامرات المتربصين بِنَا والساعين بكل ثمن لتخليد سيطرتهم علينا.
 واخيرًا اذكركم بمقولة "تنبهوا واستفيقوا أيها العرب" لأن فيها التحفيز والدعم والقوة الدافعة لبزوغ فجر جديد، متألق بالإبداع والانجازات، ليتسنى لنا ان نصبح منارة للعالم.

السبت 13/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع