يا لكَ من كانون!


عفيفة مخول خميسة



هذا هو كانون وقد دخل العام الجديد من بابه الأماميّ دون استئذان بمطرقة من حديد. وكانت منه مجرّد إيماءة حتى فتحت له صدري لأقرأ على جدران أُذنه ما دار فيه ذات زمان ... يبدو أنه ما عبَر ولا غبَر، ولأسمع ما قيل فيه من منثورات شبه غزلية من تصميم المرصد الجويّ لفلّاحٍ راقب الجو ولاعَب الفصول ليُسجل هدفًا صائبًا لمصلحة أحلامه الكبرى بالخير، البركة والنعمة. وقد انتدب عن قلبه عينيه تستمطران السماء ... وتردان التحية شكرًا دامعًا.
دعاني للهروب "خطيفة" فذهبت معه وعندي "ثلثين الخاطر"، وأظُنّ أن الآلاف مثلي قد لبوا دعوة كهذه ليستعيدوا رهافة سمعهم ولو مرة في "زمن الفصح". وكأني بكانون هذا قد اتخذ قرارًا بتأليف أبناء هذه البقعة على ذاكرتهم المعرّضة للتلوث بفعل العدوى.
المسافة ليست بعيدة من هنا ولم أحتج لإزميل أو فرشاة لحفر نفق في ذاكرتي توصلني إلى الطرف الآخر حيث يمكنني الخروج بمكسبٍ من تلك النعم المنسية. فقد أخذ كانون على عاتقه مهمّة توصيلي، فربطي بحبلٍ من حبال الذاكرة، سحبني وحطّني في حضنها دون أن أصاب بخدش.
(غدًا 6 كانون الأول عيد الغطاس) وقد وعدت بتحضير "الزلابة"... ومن المفضل أن تكون مكوناتها جاهزة منذ الليلة، ويجب، عليّ، أقله أن أنقي وأُكيل اليانسون والسمسم. على مقعد يلتظي بحرارة الوجاق كان مجلسي. لا تحتاج هذه الحبوب المنمنمة إلى عملية تنظيف طويلة، مجرد جوجلة ...  لكن في السلة بعض الأكواز من الرمان اليابس آثرتُ أن أفرطها أنا فلا تُصاب بما أصاب أخواتها ليلة عيد رأس السنة، وقد ضاع معظمها تحت القشور الجافة ... ما هذا الذي يجعلني أتحرَّش بالعمل الذي اختلِقُ أي سبب للتهرب منه، "شو عدا ما بدا"؟!.
وتعودني جدّتي بزيارة خاطفة محنية الظهر حانية العين والقلب تتكئ على عُكاز بطول ساقها، هذا بالإضافة إلى جيب منفوخ بالجوز واللوز وبعض الزبيب ملفوفًا بصُرة بيضاء كالثلج. هذا جزء من وجبتها المؤلفة من لقمتين زيت وزعتر .. وبضع حباتٍ من هذه الصُرة!! وتدّعي أنها تفرح بإعطائنا شيئا منها لهذا حملتها هذه المسافة. وتُجيب ... ودار الحكي بيناتنا من دون حكي! هي تُلملم النعم حبة حبة، وأنا أراقب بدهشة بالغة وأُصغي بشغفٍ وتمعنٍ لما تقوله ذاكرتي في تلك القصص الصغيرة حمّالة المغازي الكبيرة.
هذا مع العلم أنني، في حينه، كثيرًا ما تبسمت من خلف ظهرها استغرابًا لما تسعى إليه من توفير وما تمتلك من الصبر والمثابرة على القيام بهذه الأعمال المملة.
ها هي تحاور النهار وتساومه على صحوةٍ تركب متنها لتصل إلى أمي، "على بعد عشرات الأمتار"، تمدّ قامتها لتُنزل عن كاهلها ما استطاعت من أعمال، وكاهل الفلّاحة مُثقل طوال العام. لكن الجدّة لم تترك عملًا قد يستنزف وقت ابنتها حتى يعتَب عليها. وقد رتّبت الأعمال بحسب أولويات وضرورات اللحظة. التقاصيص، فضلات القماش، الخيطان المتينة، الإبرة، علبة الخياطة على رأس اللائحة، فملابس العمل يجب أن تكون جاهزة، وفي متناول العين واليد. فهنا كوعٌ أو ركبة يجب رقعها بقماشة متينة بالدرجة الأولى، ومناسبة من حيث اللون في الدرجة الثانية. وهنا عروة تبحث عن زرٍ لا يهرب منها بسهولة بالدرجة الأولى، وإن لم يتلاءم مع بقية الأزرار.
فهمنا هذا جيدًا، كما تفهّمنا حرصها على حبّات الرُمان الشاردات من "البعزقة" (التبذير) كما قالت، كما فهمنا وتفهّمنا حرصها على تفلية البذار من حبّ الزؤان. لكنني أنا شخصيًا لم أفهم ولا تفهَّمت نزعها حبّة البرغل السليمة عن الحبة الملقاة خارج الطبق بينما هي ذاتها تجمع من تحت الغربال الحفنات من الحبوب وتُلقيها لطيور السماء بعيدًا عن مرمى الدجاجات ... وتقول بصوت مسموع: "خليكو حوالينا ... إحنا منطعميكو كل م الله أطعمنا!"، وذات مرة، ومن خلف ظهر إخوتي هرَّبت ذاك السؤال الواقف على رأس لساني: "كم تساوي هذه الحبّات من جبل البرغل هذا؟ هل حسبتها"، فأجابت بهدوء بالغ: "لا شيء سوى احترام النعمة!!".
كان من الطبيعي أن أسأل هذا ونحن لا نحتاج اقتصاديًا بالحاجة لما تقوم به، وقد قيل "الفلّاح المـُدبّر غني وشبعان".
ومنذ تلك اللحظة ارتبطت النعمة بالقيمة، في قناعتي، ارتباطًا لا يمكن نزعه بنزع حبة سالمة من عنقود متوعّك.
إن كنت معنيًا بتسلية ممتعة ومفيدة وجدانيًا وعاطفيًا فانتظر شتوة كانون التالية، "إفتح له الباب ثم اقعد في بيتك وانطمّ"، لعلك تقرأ في هذه القرنة الدفيّة حكاية من حكايات تأليف ذاكرة لا ينخرها سوس النسيان، وتذكّر ثم ذكّر، فقد تنفع الذكرى بأن بعزقة النعمة قتلٌ بطيء للقيمة الروحية التي ورّثنا إياها الأجداد على طبقٍ من الحُبّ الأعظم. ترى هل فينا من حريصٍ عن سابق تصميم على تصميم وتوريث أحفاده ذاكرة ذات وزنٍ نوعي ثقيل؟! ولكن هل سيستطيع هؤلاء المنصهرون عضويًا وروحيًا في عالم المادة استيعاب قيمة تساوي بحسابات العصر صفرًا؟! هذا هو السؤال.
ومهما يكن الجواب فلا يمنع من "أن نُدلي كلًا بدلوه مهما كان حجمه صغيرًا".
(معليا)
الخميس 11/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع