قصة:
مجنون حيفا.!


يوسف جمّال


لا بد أنكم سمعتم عن العربي، الذي أطلقت الشرطة عليه النار في محطة الكرمليت في ساحة باريس،انه ابن خالتي لزم، وأصله من بلدنا.
ابن خالتي ضاقت به أزقة بلدنا،فغادرها قبل قيام الدولة،واتخذ من حيفا مكانًا، يلم من حارتها القديمة لقيمات تحميه من الجوع،مستعينا بمهنته - تصليح البريموسات،التي تعلمها من الحاج أبو عوض.
والحاج أبو عوض، رجل التجأ الى بلدنا بيدين تحملان كل مهن ذلك الزمان.. فكان مصلح بريموسات، وحلاقا ومبيض قدرة نحاس، وطبيب أسنان يخلع الطواحين ووجعها،من أفواه أهل البلد.
- "روح دوِّرعن رزقتك في بلد ثانية.! هاي البلد ما فيها رزقة إلا لمصلح واحد!!"..
 نصح أبو عوض ابن خالتي..
فقبل النصيحة،  واتخذ من (خشة) في حيفا التحتا،بجانب محطة ميدان باريس، ورشة تصليح لبريموسات الفلاحين،الذين يقصدون حيفا، طالبين خدمات أصحاب الصنعة.
ولم ينس بلده.. وخالته، التي لم يكن له في الدنيا غيرها..فكان يزورها من وقت لآخر..وكنت حريصًا على الإشتراك في الجلسات، التي كان يقضيها مع أُمي - خالته، كي أستمع الى أخباره في حيفا.
 وكانت حيفا بالنسبة لي، المدينة السحرية التي طالما بحثت عن أخبارها بشغف شديد، كي استمر في تلوين الصورة التي رسمتها لها في خيالي. فكان يحكي عن المينا  والريفايناري والقطار العادي، والأرضي والسيارات،والأسواق والمتاجر ودور السينما.. الكرمل وحواسة، وأم الجمال ووادي النسناس...
وكان ينتظر،على أحرّ من الجمر،سؤال أمي، الذي كان يجيب عليه،بأشد درجات اللذة والتمتع:
وأنتِ شو بتشتغل بحيفا.؟
"انا في حيفا - يا خالتي - لا يستغنون عني!
فمرة مثلا:
"خرب وابور وأغلق المينا،والتقى جميع كبار المصلحين وخبراء السفن،فعجزوا عن إصلاحه، فتوجهوا الي طالبين مساعدتي.
فأخذت عدتي وتوجهت الى الوابور، وأمام الجميع أصلحته، فغمروني بالحب والتصفيق،ولما أراد صاحبه  إعطائي أجري،رفضت وقلت لهم :
"هذا من أجل حيفا ومينائها..!"
وكان يروي الحكايات حول اشتراكه في المظاهرات، التي كانت تجوب شوارع حيفا،تطالب بإلغاء وعد بلفور..
فكان يرفع يده الى أعلى صدره، ويهزها قائلا:
" والله خَلق كانت هناك، ما إلهم أول من آخر!
كلهم كانوا يصيحون عاليا :
" فليسقط وعد بلفور..! فليسقط الانجليز!!".
وكان يخرج جزدانًا قديماَ،ينوء بما يحمله من مستندات وأوراق، ويسحب منه صورا، كان قد قصها من  الصحف،ويبسطها أمامنا،ويقول :
هذه صورة للمتظاهرين في المظاهرة،التي اشتركت فيها.. وعندما سألته :
"هل تظهر صورتك في تلك المظاهرة!؟".
أجاب مشيرا الى احد الرؤوس، التي لا يظهر إلا طرف رأسها  العلوي :
"هذا أنا "..! هذه صورتي!
، ومن ثم ينتقل سريعًا ليعدِّد الأعيان والزعماء :
" هذه صورة رئيس البلدية، هذه صورة إمام الجامع، وهذه صورة صاحب مصنع الدخان.
   أخذت منه الجريدة وقرأت الخبر، فلم أجد له اسمًا..
 ولما سألته عن السبب، أجاب :
 اقرأ معي..اشترك فلان وفلان مع ألقابهم،التي تدل على مراكزهم ومناصبهم، وتوقف عند جملة:
 "وجمهور من المواطنين.."!
وصرخ في وجهي وهو يضع اصبعه على كلمة جمهور:
" أَلا تفهم - يا ولد!؟ أنا هنا.. أنا من جمهور  المواطنين..!!.
"بحلقت" في الكلمة، فلم أره فيها!!.
 فهو ابن خالتي لزم، واعرف اسمه، واسم أجداده جميعا.!
في زيارته الأخيرة لأمي، بعد الحادثة، قالت أمي بعد ان غادرنا عائدًا الى حيفا :
"ابن خالتك تخرفن وأنا خايفه عليه..!"
 وسبب قولها هذا، قصته الأخيرة التي سمعتها منه، حول مغامراته في حيفا...
"كنت كعادتي  في دكاني،منشغلًا في تصليح البريموسات.." بدأ يروي الحادثة،وعيناه تغوصان في حلم عميق:
"وإذا بمجموعة من الرجال يقتحمون علينا المحل، دون استئذان،والخوف والهلع يقطع قلوبهما، فصاح احدهم: 
"إن حيفا في خطر شديد.. إن طائرة ستسقط، وسيموت من فيها، ولا ندري ما الدمار الذي سيسببه سقوطها على بيوت المدينة!!".
"أنت الوحيد  الذي سينقذنا من هذه الكارثة..وأنت الوحيد القادر على إصلاح الطائرة،وهي في الجو..!" صرخ آخر مستنجدا.
- فأخذت عدتي، ورافقتهم الى مكان وجود الطائرة،وصعدت على سلم طويل الى ان وصلت الى أسفل الطائرة،وأصلحتها ونزلت الى الأرض،وسط تصفيق وهتاف الجماهير، التي تجمعت لتراقب الموقف، فأصبح اسمي على كل لسان في حيفا وقضائها..".
ولما أُحتلت حيفا في الثمانية وأربعين، فرَّ ابن خالتي منها، بعدما سمع عما صنعه اليهود لأهلها العرب، من أجل إجبارهم على مغادرتها.
فرجع الى بلدنا، وسكن في بيت أُمه القديم..وفتح مصلحة لتصليح البريموسات في البلد، ولكن حيفا بقيت على لسانه.
كان يسكن في البلدة، ولكنه كان يعيش في حيفا، ويصول ويجول في حكاياته عن "تاريخه المجيد" فيها، على مسمع كل من يريد ان يسمعه.
وأطلق على نفسه اسم "الحيفاوي"،فأصبح لا يجيب إلا بمناداته بهذا الاسم،ونصب على باب محله لافتة،كتب عليها بالخط العريض :
"الحيفاوي لتصليح البريموسات"،
كانت هذه أول لافتة تعلق على المحلات في القرية، وترك لغة بلدنا،وأصبح يتكلم بالّلكنة الحيفاوية.!
وبعد سنوات،سمع ان الكثيرين من العرب، يتسللون خفية للعمل في حيفا، فترك القرية وتوجه إليها..
وعندما وصل المكان،الذي خبأ فيه عدَّته بجانب خشته القديمة، هاله المنظر الذي صدم عينيه، إذ لم يبق من البيوت القديمة شيء،هدمت جميعها،وتحولت الى ساحة كبيرة،حفر فيها حفر متعددة،يرتفع منها أعمدة من شبكات الحديد، وعمال يعملون حول هذه الحفر.
 وعندما أراد الدخول،أوقفه احد العمال،وصاح بالعبرية،التي كان قد تعلم منها، بعض مفرداتها من اليهود، الذين كانوا يأتون أليه طلبًا لمهنته:
- قف، لا تدخل الى هنا، ممنوع.!
- كيف أُمنع من دخول بيتي!؟ صاح ابن خالتي.
- لقد كان بيتك.!! لم يعد للعرب شيئًا هنا في حيفا.
قال اليهودي بلغة التشفي.
- لن تمنعني من أخذ عِدَّتي!، حتى لو أطلقت علي الرصاص ببندقيتك هذه!! قال وهو يدفعه من أمامه.
توجه الى أحد العمال، وجذب الفأس الذي كان بيده، وتوجه الى شجرة ما زالت واقفة مكانها، في الطرف البعيد للساحة، وبدأ يحفر حولها بكل قوته، والعمال يحيطون به،وينظرون باستغراب ودهشة،عما سيكشف عنه التراب، الذي كان يحفر به.
وما هي إلا لحظات، حتى بدأت العدة،تخرج من تحت التراب:
(الزردية، الكماشة، المفك، مغلف في جلدات، ابر بابور ومقص كبير)
   فزادت دهشتهم واستغرابهم.. ولما هم بالخروج، استوقفه مدير العمل وسأله:
 تشتغل.!؟
 وين بدّي اشتغل.!؟
هين عندنا بالعمار!!
 آه.. بشتغل..! رد كأنه وجد كنزا ثمينًا..
أما الحدث الذي سيطر على الصفحات الأولى من   الصحف،وتناقلته محطات الإذاعة وأذهل كل من عرفه : "ان الشرطة أطلقت النار على مسن عربي، ظنت انه    يريد تفجير الكرمليت في حيفا،ولكنه بقي على قيد الحياة ووجدت الشرطة معه أدوات عمل بدائية قال بعد  استجوابه، انه أراد إصلاح القطار، بعد ان توقف عن العمل مدة أيام، وعجزت الشركة المشغلة له، إعادته الى العمل،،إنه لا يطيق ان يرى شيئا خربانًا في حيفا.
وقال الناطق بلسان الشرطة "أن بالرجل مسًّا في عقله، وانه سيوصي بإدخاله الى أحد المصحات".
والغريب في الأمر،أن القطار عاد الى العمل بشكل منتظم، بعد إطلاق النار والقبض على ابن خالتي مباشرة، والمسئولون هنا في حيفا، والناس بشكل عام أصابتهم الدهشة والذهول مما حدث ويتساءلون :
"هل استطاع بأدواته البسيطة، إصلاح القطار وإعادته الى العمل"!!؟
أما إبن خالتي، فلم يعارض على إلحاقه بمصحة للأمراض العقلية، ولكنه إشترط أن تكون في حيفا.!!
(عرعرة)

الخميس 7/12/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع